9 - باب حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ 16 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ ) مَقْصَودُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْحَلَاوَةَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ . وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَحَبَّةَ الرَّسُولِ مِنَ الْإِيمَانِ أَرْدَفَهُ بِمَا يُوجِدُ حَلَاوَةَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْعَنَزِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ بَعْدَهَا زَايٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، هُوَ ابْنُ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ . قَوْلُهُ : ( ثَلَاثٌ ) هُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ الْخَبَرُ ، وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ لِأَنَّ التَّنْوِينَ عِوَضُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ، فَالتَّقْدِيرُ ثَلَاثُ خِصَالٍ ، وَيُحْتَمَلُ فِي إِعْرَابِهِ غَيْرُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( كُنَّ ) أَيْ : حَصَلْنَ ، فَهِيَ تَامَّةٌ . وَفِي قَوْلِهِ : حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ اسْتِعَارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ ، شَبَّهَ رَغْبَةَ الْمُؤْمِنَ فِي الْإِيمَانِ بِشَيْءٍ حُلْوٍ وَأَثْبَتَ لَهُ لَازِمَ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَأَضَافَهُ إِلَيْهِ ، وَفِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى قِصَّةِ الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ الصَّفْرَاوِيَّ يَجِدُ طَعْمَ الْعَسَلِ مُرًّا ، وَالصَّحِيحُ يَذُوقُ حَلَاوَتَهُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ، وَكُلَّمَا نَقَصَتِ الصِّحَّةُ شَيْئًا مَا نَقَصَ ذَوْقُهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ مِنْ أَوْضَحِ مَا يُقَوِّي اسْتِدْلَالَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ : إِنَّمَا عَبَّرَ بِالْحَلَاوَةِ لِأَنَّ اللَّهَ شَبَّهَ الْإِيمَانَ بِالشَّجَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مثلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ فَالْكَلِمَةُ هِيَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ ، وَالشَّجَرَةُ أَصْلُ الْإِيمَانِ ، وَأَغْصَانُهَا اتِّبَاعُ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ ، وَوَرَقُهَا مَا يَهْتَمُّ بِهِ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْخَيْرِ ، وَثَمَرُهَا عَمَلُ الطَّاعَاتِ ، وَحَلَاوَةُ الثَّمَرِ جَنْيُ الثَّمَرَةِ ، وَغَايَةُ كَمَالِهِ تَنَاهِي نُضْجِ الثَّمَرَةِ وَبِهِ تَظْهَرُ حَلَاوَتُهَا . قَوْلُهُ : ( أَحَبَّ إِلَيْهِ ) مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ خَبَرُ يَكُونَ ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : الْمُرَادُ بِالْحُبِّ هُنَا الْحُبُّ الْعَقْلِيُّ الَّذِي هُوَ إِيثَارُ مَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ السَّلِيمُ رُجْحَانَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ هَوَى النَّفْسِ ، كَالْمَرِيضِ يَعَافُ الدَّوَاءَ بِطَبْعِهِ فَيَنْفِرُ عَنْهُ ، وَيَمِيلُ إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى عَقْلِهِ فَيَهْوَى تَنَاوُلَهُ ، فَإِذَا تَأَمَّلَ الْمَرْءُ أَنَّ الشَّارِعَ لَا يَأْمُرُ وَلَا يَنْهَى إِلَّا بِمَا فِيهِ صَلَاحٌ عَاجِلٌ أَوْ خَلَاصٌ آجِلٌ ، وَالْعَقْلُ يَقْتَضِي رُجْحَانَ جَانِبَ ذَلِكَ ، تَمَرَّنَ عَلَى الِائْتِمَارِ بِأَمْرِهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ هَوَاهُ تَبَعًا لَهُ ، وَيَلْتَذُّ بِذَلِكَ الْتِذَاذًا عَقْلِيًّا ، إِذِ الِالْتِذَاذُ الْعَقْلِيُّ إِدْرَاكُ مَا هُوَ كَمَالُ وَخَيْرٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ . وَعَبَّرَ الشَّارِعُ عَنْ هَذِهِ الْحَالَةِ بِالْحَلَاوَةِ لِأَنَّهَا أَظْهَرُ اللَّذَائِذِ الْمَحْسُوسَةِ . قَالَ : وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةِ عُنْوَانًا لِكَمَالِ الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْمَرْءَ إِذَا تَأَمَّلَ أَنَّ الْمُنْعِمَ بِالذَّاتِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَنْ لَا مَانِحَ وَلَا مَانِعَ فِي الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ ، وَأَنَّ مَا عَدَاهُ وَسَائِطُ ، وَأَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ لَهُ مُرَادَ رَبِّهِ ، اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَتَوَجَّهَ بِكُلِّيَّتِهِ نَحْوَهُ : فَلَا يُحِبُّ إِلَّا مَا يُحِبُّ ، وَلَا يُحِبُّ مَنْ يُحِبُّ إِلَّا مِنْ أَجْلِهِ . وَأَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّ جُمْلَةَ مَا وَعَدَ وَأَوْعَدَ حَقٌّ يَقِينًا . وَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ الْمَوْعُودُ كَالْوَاقِعِ ، فَيَحْسَبُ أَنَّ مَجَالِسَ الذِّكْرِ رِيَاضٌ الْجَنَّةِ ، وَأَنَّ الْعَوْدَ إِلَى الْكُفْرِ إِلْقَاءٌ فِي النَّارِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَشَاهِدُ الْحَدِيثِ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى : قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ - إِلَى أَنْ قَالَ - أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هَدَّدَ عَلَى ذَلِكَ وَتَوَعَّدَ بِقَوْلِهِ : فَتَرَبَّصُوا ( فَائِدَةٌ ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ وَالتَّخَلِّي عَنِ الرَّذَائِلِ ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرُ مِنَ الثَّانِي . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَحَبَّةُ اللَّهِ عَلَى قِسْمَيْنِ فَرْضٌ وَنَدْبٌ ، فَالْفَرْضُ الْمَحَبَّةُ الَّتِي تَبْعَثُ عَلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ مَعَاصِيهِ وَالرِّضَا بِمَا يُقَدِّرُهُ ، فَمَنْ وَقَعَ فِي مَعْصِيَةٍ مِنْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ فَلِتَقْصِيرِهِ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ حَيْثُ قَدَّمَ هَوَى نَفْسِهِ وَالتَّقْصِيرُ تَارَةً يَكُونُ مَعَ الِاسْتِرْسَالِ فِي الْمُبَاحَاتِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا ، فَيُورِثُ الْغَفْلَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلتَّوَسُّعِ فِي الرَّجَاءِ فَيُقْدِمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، أَوْ تَسْتَمِرُّ الْغَفْلَةُ فَيَقَعُ . وَهَذَا الثَّانِي يُسْرِعُ إِلَى الْإِقْلَاعِ مَعَ النَّدَمِ . وَإِلَى الثَّانِي يُشِيرُ حَدِيثُ : لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَالنَّدْبُ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى النَّوَافِلِ وَيَتَجَنَّبَ الْوُقُوعَ فِي الشُّبُهَاتِ ، وَالْمُتَّصِفُ عُمُومًا بِذَلِكَ نَادِرٌ . قَالَ : وَكَذَلِكَ مَحَبَّةُ الرَّسُولِ عَلَى قِسْمَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيُزَادُ أَنْ لَا يَتَلَقَّى شَيْئًا مِنَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ إِلَّا مِنْ مِشْكَاتِهِ ، وَلَا يَسْلُكُ إِلَّا طَرِيقَتَهُ ، وَيَرْضَى بِمَا شَرَعَهُ ، حَتَّى لَا يَجِدَ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِمَّا قَضَاهُ ، وَيَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِهِ فِي الْجُودِ وَالْإِيثَارِ وَالْحِلْمِ وَالتَّوَاضُعِ وَغَيْرِهَا ، فَمَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ، وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُ الْمُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ ذَلِكَ . وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ : هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ ، أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ . وَمَعْنَى حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ اسْتِلْذَاذُ الطَّاعَاتِ ، وَتَحَمُّلُ الْمَشَاقِّ فِي الدِّينِ ، وَإِيثَارُ ذَلِكَ عَلَى أَعْرَاضِ الدُّنْيَا ، وَمَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ تَحْصُلُ بِفِعْلِ طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مُخَالَفَتِهِ ، وَكَذَلِكَ الرَّسُولُ . وَإِنَّمَا قَالَ مِمَّا سِوَاهُمَا وَلَمْ يَقُلْ مِمَّنْ لِيَعُمَّ مَنْ يَعْقِلَ وَمَنْ لَا يَعْقِلَ . قَالَ : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَذِهِ التَّثْنِيَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ لِلَّذِي خَطَبَ فَقَالَ : وَمَنْ يَعْصِهِمَا بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْخُطَبِ الْإِيضَاحُ ، وَأَمَّا هُنَا فَالْمُرَادُ الْإِيجَازُ فِي اللَّفْظِ لِيُحْفَظَ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ قَالَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَلَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ . وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا وَرَدَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ خُطْبَةِ النِّكَاحِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ أَيْضًا الْإِيجَازُ فَلَا نَقْضٌ . وَثَمَّ أَجْوِبَةٌ أُخْرَى ، مِنْهَا : دَعْوَى التَّرْجِيحِ ، فَيَكُونُ حَيِّزُ الْمَنْعِ أَوْلَى لِأَنَّهُ عَامٌّ . وَالْآخَرُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ ; وَلِأَنَّهُ نَاقِلٌ وَالْآخُرُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ ; وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ وَالْآخَرُ فِعْلٌ . وَرُدَّ بِأَنَّ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ فِي الْقَوْلِ أَيْضًا حَاصِلٌ بِكُلِّ قَوْلٍ لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ عُمُومٍ أَصْلًا ، وَمِنْهَا دَعْوَى أَنَّهُ مِنَ الْخَصَائِصِ ، فَيَمْتَنِعُ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ لِأَنَّ غَيْرَهُ إِذَا جَمَعَ أَوْهَمَ إِطْلَاقُهُ التَّسْوِيَةَ ، بِخِلَافِهِ هُوَ فَإِنَّ مَنْصِبَهُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِيهَامُ ذَلِكَ . وَإِلَى هَذَا مَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ . وَمِنْهَا دَعْوَى التَّفْرِقَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ كَلَامَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُنَا جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يَحْسُنُ إِقَامَةُ الظَّاهِرِ فِيهَا مَقَامَ الْمُضْمَرِ ، وَكَلَامُ الَّذِي خَطَبَ جُمْلَتَانِ لَا يُكْرَهُ إِقَامَةُ الظَّاهِرِ فِيهِمَا مَقَامَ الْمُضْمَرِ . وَتُعُقِّبَ هَذَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يُكْرَهُ إِقَامَةُ الظَّاهِرِ فِيهِمَا مَقَامَ الْمُضْمَرِ أَنْ يُكْرَهَ إِقَامَةُ الْمُضْمَرِ فِيهَا مَقَامَ الظَّاهِرِ ، فَمَا وَجْهُ الرَّدِّ عَلَى الْخَطِيبِ مَعَ أَنَّهُ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ كَمَا تَقَدَّمَ ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ قِصَّةَ الْخَطِيبِ - كَمَا قُلْنَا - لَيْسَ فِيهَا صِيغَةُ عُمُومٍ ، بَلْ هِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ تَوَهُّمُ التَّسْوِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَمِنْ مَحَاسِنِ الْأَجْوِبَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ وَقِصَّةِ الْخَطِيبِ أَنَّ تَثْنِيَةَ الضَّمِيرِ هُنَا لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْمَحَبَّتَيْنِ ، لَا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَإِنَّهَا وَحْدَهَا لَاغِيَةٌ إِذَا لَمْ تَرْتَبِطْ بِالْأُخْرَى . فَمَنْ يَدَّعِي حُبَّ اللَّهِ مَثَلًا وَلَا يُحِبُّ رَسُولَهُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فَأَوْقَعَ مُتَابَعَتَهُ مُكْتَنِفَةً بَيْنَ قُطْرَيْ مَحَبَّةِ الْعِبَادِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعِبَادِ . وَأَمَّا أَمْرُ الْخَطِيبِ بِالْإِفْرَادِ فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِصْيَانَيْنِ مُسْتَقِلٌّ بِاسْتِلْزَامِ الْغَوَايَةِ ، إِذِ الْعَطْفُ فِي تَقْدِيرِ التَّكْرِيرِ ، وَالْأَصْلُ اسْتِقْلَالُ كُلٍّ مِنَ الْمَعْطُوفَيْنِ فِي الْحُكْمِ ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَأَعَادَ أَطِيعُوا فِي الرَّسُولِ وَلَمْ يُعِدْهُ فِي أُولِي الْأَمْرِ لِأَنَّهُمْ لَا اسْتِقْلَالَ لَهُمْ فِي الطَّاعَةِ كَاسْتِقْلَالِ الرَّسُولِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ ، وَالطِّيبِيِّ . وَمِنْهَا أَجْوِبَةٌ أُخْرَى فِيهَا تَكَلُّمٌ : مِنْهَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ ، وَمِنْهَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ ) قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ : حَقِيقَةُ الْحُبِّ فِي اللَّهِ أَنْ لَا يَزِيدَ بِالْبِرِّ وَلَا يَنْقُصَ بِالْجَفَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ ) زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْمُصَنِّفِ : بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ ، وَكَذَا هُوَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى لِلْمُصَنِّفِ ، وَالْإِنْقَاذُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْعِصْمَةِ مِنْهُ ابْتِدَاءٌ بِأَنْ يُولَدَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَيَسْتَمِرَّ ، أَوْ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ كَمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ يَعُودُ عَلَى مَعْنَى الصَّيْرُورَةِ ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّ الْعَوْدَةَ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ عَدَّى الْعَوْدَ بِفِي وَلَمْ يُعَدِّهِ بِإِلَى ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّهُ ضَمَّنَهُ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ ، وَكَأَنَّهُ قَالَ : يَسْتَقِرُّ فِيهِ . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا ( تَنْبِيهٌ ) : هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَتُرِكَ الْبَتَّةَ إِلَى أَنْ قُتِلَ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي الْأَدَبِ فِي فَضْلِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ ، وَلَفْظُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ وَهِيَ أَبْلَغُ مِنْ لَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ ; لِأَنَّهُ سَوَّى فِيهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَهُنَا جُعِلَ الْوُقُوعُ فِي نَارِ الدُّنْيَا أَوْلَى مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللَّهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ من نَارِ الْأُخْرَى ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَصَرَّحَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ بِسَمَاعِ قَتَادَةَ لَهُ مِنْ أَنَسٍ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَزَادَ فِي الْخَصْلَةِ الثَّانِيَةِ ذِكْرَ الْبُغْضِ فِي اللَّهِ وَلَفْظُهُ : وَأَنْ يُحِبَّ فِي اللَّهِ وَيُبْغِضَ فِي اللَّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي تَرْجَمَتِهِ : وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ · ص 77 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب حلاوة الإيمان · ص 44 فصل خرج البخاري ومسلم : 16 - من حديث أبي قلابة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار . وقد خرجه مسلم ، وعنده في رواية : فقد وجد طعم الإيمان ، وجاء في رواية : وجد طعم الإيمان وحلاوته . فهذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان ، فمن كملها فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه ؛ فالإيمان له حلاوة وطعم تذاق بالقلوب كما تذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم ؛ فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها . وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته ، فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك ، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة ؛ لغلبة السقم عليه . فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان إذا سلم من أسقامه وآفاته ، فإذا سلم من مرض الأهواء المضلة والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذ ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان ، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي . ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ؛ لأنه لو كمل إيمانه لوجد حلاوة الإيمان ، فاستغنى بها عن استحلاء المعاصي . سئل وهيب بن الورد : هل يجد طعم الإيمان من يعصي الله ؟ قال : لا ، ولا من هم بالمعصية . وقال ذو النون : كما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه ، كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب . فمن جمع هذه الخصال الثلاثة المذكورة في هذا الحديث فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه : أحدها : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما . ومحبة الله تنشأ تارة من معرفته ، وكمال معرفته تحصل من معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله الباهرة ، والتفكر في مصنوعاته وما فيها من الإتقان والحكم والعجائب ؛ فإن ذلك كله يدل على كماله وقدرته وحكمته وعلمه ورحمته . وتارة تنشأ من مطالعة النعم ، وفي حديث ابن عباس المرفوع : أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه ، وأحبوني لحب الله . خرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه . وقال بعض السلف : من عرف الله أحبه ، ومن أحبه أطاعه . فإن المحبة تقتضي الطاعة كما قال بعض العارفين : المحبة الموافقة في جميع الأحوال ، ثم أنشد : ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا ومحبة الله على درجتين : إحداهما : فرض ، وهي المحبة المقتضية لفعل أوامره الواجبة ، والانتهاء عن زواجره المحرمة ، والصبر على مقدوراته المؤلمة . فهذا القدر لا بد منه في محبة الله ، ومن لم تكن محبته على هذا الوجه فهو كاذب في دعوى محبة الله ، كما قال بعض العارفين : من ادعى محبة الله ، ولم يحفظ حدوده - فهو كاذب . فمن وقع في ارتكاب شيء من المحرمات ، أو أخل بشيء من فعل الواجبات - فلتقصيره في محبة الله ، حيث قدم محبة نفسه وهواه على محبة الله ؛ فإن محبة الله لو كملت لمنعت من الوقوع فيما يكرهه . وإنما يحصل الوقوع فيما يكرهه الله لنقص محبته الواجبة في القلوب ، وتقديم هوى النفس على محبته ، وبذلك ينقص الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن الحديث . والدرجة الثانية من المحبة ، وهي فضل مستحب - أن ترتقي المحبة من ذلك إلى التقرب بنوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق الشبهات والمكروهات ، والرضا بالأقضية المؤلمات . كما قال عامر بن عبد قيس : أحببت الله حبا هون علي كل مصيبة ، ورضاني بكل بلية ، فما أبالي مع حبي إياه على ما أصبحت ، ولا على ما أمسيت . وقال عمر بن عبد العزيز : أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر ! ولما مات ولده الصالح قال : إن الله أحب قبضه ، وأعوذ بالله أن تكون لي محبة تخالف محبة الله ! وقال بعض التابعين في مرضه : أحبه إلي أحبه إليه . وأما محبة الرسول فتنشأ عن معرفته ومعرفة كماله وأوصافه ، وعظم ما جاء به . وينشأ ذلك في معرفة مرسله وعظمته كما سبق ؛ فإن محبة الله لا تتم إلا بطاعته ، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رسوله ، كما قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ومحبة الرسول على درجتين أيضا : إحداهما : فرض ، وهي ما اقتضى طاعته في امتثال ما أمر به من الواجبات ، والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات ، وتصديقه فيما أخبر به من المخبرات والرضا بذلك . وأن لا يجد في نفسه حرجا مما جاء به ، ويسلم له تسليما ، وأن لا يتلقى الهدى من غير مشكاته ، ولا يطلب شيئا من الخير إلا ما جاء به . الدرجة الثانية : فضل مندوب إليه ، وهي ما ارتقى بعد ذلك إلى اتباع سنته وآدابه وأخلاقه ، والاقتداء به في هديه وسمته وحسن معاشرته لأهله وإخوانه ، وفي التخلق بأخلاقه الظاهرة في الزهد في الدنيا ، والرغبة في الآخرة ، وفي جوده وإيثاره وصفحه وحلمه واحتماله وتواضعه . وفي أخلاقه الباطنة ، من كمال خشيته لله ومحبته له وشوقه إلى لقائه ، ورضاه بقضائه ، وتعلق قلبه به دائما ، وصدق الالتجاء إليه ، والتوكل والاعتماد عليه ، وقطع تعلق القلب بالأسباب كلها ، ودوام لهج القلب واللسان بذكره ، والأنس به والتنعم بالخلوة بمناجاته ودعائه ، وتلاوة كتابه بالتدبر والتفكر . وفي الجملة : فكان خلقه - صلى الله عليه وسلم - القرآن ، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ، فأكمل الخلق من حقق متابعته وتصديقه قولا وعملا وحالا ، وهم الصديقون من أمته الذين رأسهم أبو بكر خليفته من بعده ، وهم أعلى أهل الجنة درجة بعد النبيين كما قال صلى الله عليه وسلم : إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم ، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم . قالوا : يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء ما يبلغها غيرهم ! قال : إي والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين . خرجاه في الصحيحين من حديث أبي سعيد . الخصلة الثانية : أن يحب المرء لا يحبه إلا لله . والحب في الله من أصول الإيمان وأعلى درجاته . وفي المسند عن معاذ بن أنس الجهني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أفضل الإيمان ، فقال : أن تحب لله ، وتبغض لله ، وتعمل لسانك في ذكر الله . وفيه أيضا عن عمرو بن الجموح ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال : لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله ، ويبغض لله . فإذا أحب لله ، وأبغض لله - فقد استحق الولاية من الله . وفيه : عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله ، وتبغض في الله . وخرج الإمام أحمد ، وأبو داود عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أفضل الأعمال الحب في الله ، والبغض في الله . ومن حديث أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من أحب لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله - فقد استكمل الإيمان . وخرجه أحمد والترمذي من حديث معاذ بن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وزاد أحمد في رواية وأنكح لله . وإنما كانت هذه الخصلة تالية لما قبلها ؛ لأن من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فقد صار حبه كله لله ، ويلزم من ذلك أن يكون بغضه لله ، وموالاته له ومعاداته له ، وأن لا تبقى له بقية من نفسه وهواه . وذلك يستلزم محبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال ، وكراهة ما يكرهه من ذلك ، وكذلك من الأشخاص . ويلزم من ذلك معاملتهم بمقتضى الحب والبغض ؛ فمن أحبه الله أكرمه وعامله بالعدل والفضل ، ومن أبغضه الله أهانه بالعدل . ولهذا وصف الله المحبين له بأنهم أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : أسألك حبك ، وحب من يحبك ، وحب عمل يبلغني إلى حبك . فلا تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم ، وبغض أعدائه ومعاداتهم . وسئل بعض العارفين : بم تنال المحبة ؟ قال : بموالاة أولياء الله ، ومعاداة أعدائه ، وأصله الموافقة . الخصلة الثالثة : أن يكره الرجوع إلى الكفر كما يكره الرجوع إلى النار ؛ فإن علامة محبة الله ورسوله محبة ما يحبه الله ورسوله ، وكراهة ما يكرهه الله ورسوله كما سبق . فإذا رسخ الإيمان في القلب ، وتحقق به ، ووجد حلاوته وطعمه - أحبه ، وأحب ثباته ودوامه ، والزيادة منه . وكره مفارقته ، وكان كراهته لمفارقته أعظم عنده من كراهة الإلقاء في النار . قال الله تعالى وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ والمؤمن يحب الإيمان أشد من حب الماء البارد في شدة الحر للظمآن ، ويكره الخروج منه أشد من كراهة التحريق بالنيران ، كما في المسند عن أبي رزين العقيلي أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان ، فقال : أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما ، وأن تحرق في النار أحب إليك من أن تشرك بالله ، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله . فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في قلبك كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ . وفي المسند أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصى معاذ بن جبل فقال له فيما وصاه به : لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وحرقت . وفي سنن ابن ماجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصى أبا الدرداء وغيره أيضا . وقد أخبر الله عن أصحاب الأخدود بما أخبر به ، وقد كانوا فتنوا المؤمنين والمؤمنات وحرقوهم بالنار ليرتدوا عن الإيمان ، فاختاروا الإيمان على النار . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة منهم أتي بها ومعها صبي لها يرضع ، فكأنها تقاعست أن تلقي نفسها في النار من أجل الصبي ، فقال لها الصبي : يا أمه ، اصبري ؛ فإنك على الحق . وألقي أبو مسلم الخولاني في النار على امتناعه أن يشهد للأسود بالنبوة ، فصارت عليه بردا وسلاما . وعرض على عبد الله بن حذافة أن يتنصر فأبى ، فأمر ملك الروم بإلقائه في قدر عظيمة مملوءة ماء تغلي عليه ، فبكى وقال : لم أبك جزعا من الموت ، ولكن أبكي أنه ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله ، لوددت أنه كان لي مكان كل شعرة مني نفسا يفعل بها ذلك في الله عز وجل ! هذا مع أن التقية في ذلك باللسان جائزة مع طمأنينة القلب بالإيمان كما قال تعالى : إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ولكن الأفضل الصبر وعدم التقية في ذلك . فإذا وجد القلب حلاوة الإيمان أحس بمرارة الكفر والفسوق والعصيان ، ولهذا قال يوسف عليه السلام : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ سئل ذو النون : متى أحب ربي ؟ قال : إذا كان ما يكرهه أمر عندك من الصبر . وقال بشر بن السري : ليس من أعلام المحبة أن تحب ما يبغضه حبيبك . واعلم أن القدر الواجب من كراهة الكفر والفسوق والعصيان هو أن ينفر من ذلك ، ويتباعد منه جهده ، ويعزم على أن لا يلابس شيئا منه جهده ؛ لعلمه بسخط الله له وغضبه على أهله . فأما ميل الطبع إلى ما يميل من ذلك ، خصوصا لمن اعتاده ، ثم تاب منه - فلا يؤاخذ به إذا لم يقدر على إزالته ؛ ولهذا مدح الله من نهى النفس عن الهوى ، وذلك يدل على أن الهوى يميل إلى ما هو ممنوع منه ، وأن من عصى هواه كان محمودا عند الله عز وجل . وسئل عمر عن قوم يشتهون المعاصي ولا يعملون بها ، فقال : أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ وقد ترتاض النفس بعد ذلك وتألف التقوى حتى تتبدل طبيعتها وتكره ما كانت مائلة إليه ، ويصير التقوى لها طبيعة ثابتة . وهل هذا أفضل من الأول ؟ أم الأول أفضل ؟ هذا قد يخرج على اختلاف العلماء فيمن عمل طاعة ونفسه تأباها وهو يجاهدها ، وآخر عملها ونفسه طائعة مختارة لها - أيهما أفضل ؟ وفيه قولان مشهوران للعلماء والصوفية ، والأظهر أن الثاني أفضل . وفي كلام الإمام أحمد ما يدل على خلافه . وفي مسند الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن حميد ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل : أسلم ! قال : أجدني كارها ! قال : وإن كنت كارها . وهذا يدل على صحة الإسلام مع نفور القلب عنه وكراهته له ، لكن إذا دخل في الإسلام واعتاده وألفه دخل حبه قلبه ووجد حلاوته . وخرج مسلم حديث أنس المتقدم ، ولفظه ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه . ويستشكل من هذا اللفظ أنه يقتضي وجود محبة الأمرين أعني : الإلقاء في النار والرجوع إلى الكفر ، وترجح محبة الأول على الثاني . ووقع مثله في القرآن في قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام : قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ومثله قول علي رضي الله عنه : إذا حدثتكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه . ويجاب عن ذلك بأن من خير بين أمرين مكروهين ، فاختار أحدهما على الآخر لشدة كراهته لما رغب عنه - فإنه يقال : إنه محب لما اختاره مريد له ، وإن كان لا يحبه ولا يختاره لنفسه ، بل لدفع ما هو عنده أشد كراهة وأعظم ضررا . ومن هنا ورد ما ورد من حب الموت في الفتنة والتخلص منها . وقيل لعطاء السليمي : لو أججت نار ، وقيل : من دخلها نجي من جهنم - هل كنت تدخلها ؟ فقال : بل كنت أخشى أن تخرج نفسي فرحا بها قبل وصولي إليها . ويشبه هذا حال المكره على فعل بضرب أو سجن أو تهديد أو بقتل ونحو ذلك إذا فعله افتداء لنفسه مما أكره به عليه - هل هو مختار له ؟ أم لا ؟ وفيه اختلاف مشهور بين الأصوليين . والتحقيق أنه مختار له لا لنفسه ، بل للافتداء به من المكروه الأعظم ، فهو مختار له من وجه دون وجه . وهذا بخلاف فعل المؤمن الطاعات خوفا من الله ، فإنه ليس فعله كفعل المكره ؛ لأن المؤمن يجب عليه أن يأتي بالطاعة خوفا من عقاب الله ورجاء لثوابه وحبا له ، فبذلك يفارق حال المكره . ومن هنا تظهر المسألة التي يفر منها الفقهاء وهي : إذا قال رجل لامرأته : إن كنت تحبيني أن يعذبك الله بالنار فأنت طالق ، فقالت : أنا أحبه . فقال كثير منهم من أصحابنا وغيرهم : إنها تطلق ؛ لأنها قد تختار ذلك وتحبه افتداء به من معاشرة زوجها لشدة بغضها له ، وجهلا منها بتصور عذاب جهنم ، فتكون صادقة فيما أخبرت به . ومن هذا الحديث الذي فيه أن الكافر يقول من شدة ما يجد في الموقف يوم القيامة : رب ، أرحني ولو إلى النار ! فظهر بهذا أن من خير بين مكروهين ، فاختار أخفهما دفعا لأعظمهما - أنه يكون محبا لما اختاره مختارا له من وجه دون وجه . وأما ما يقتضيه لفظ الحديث من كونه محبا للآخر فهذا أولا غير لازم على قول الكوفيين الذين لا يرون أن أفعل التفضيل يلزم منه المشاركة مطلقا ، فيجوز عندهم أن يقال : الثلج أبرد من النار . وأما على قول البصريين فإنه قد ورد في كثير من نصوص الكتاب والسنة ما تمتنع فيه المشاركة ، وتأولوا فيه أفعل بـ فاعل فكذلك تتأول هاهنا . ومما بقي مما يتعلق بلفظ هذا الحديث أن قوله صلى الله عليه وسلم : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما - يدل على أنه يجوز الجمع بين اسم الله واسم غيره من المخلوقين في كلمة واحدة . وفي سنن أبي داود عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يقول في خطبته : من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ، ولا يضر الله شيئا . وقال ابن مسعود لما قضى في بروع : إن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان من الخطإ . وقد اختلف الناس في جواز مثل هذا التركيب في الكلام على أقوال : أحدهما : أنه يجوز . والثاني : أنه لا يجوز إلا في كلام الله عز وجل دون غيره . والثالث : أنه ممتنع مطلقا . واحتجوا بحديث عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ومن يعصهما فقد غوى ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بئس الخطيب أنت ! قل : ومن يعص الله ورسوله . خرجه مسلم . وقد قيل : إن قوله : قل : ومن يعص الله ورسوله - مدرجة في الحديث ، وإنما أنكر عليه وقفه على قوله : ومن يعصهما . وقد ذكر هذا الاختلاف ابن عطية في تفسيره وغيره . وفيه قول آخر : أنه يمتنع في واو الجمع أو ألف التثنية المتصلين بالأفعال نحو : يفعلون ، وتفعلان ، كقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وهذا هو الذي ذكره القاضي أبو يعلى في كتابه أحكام القرآن . ومن منع ذلك أجاب بأن في الكلام حذفا تقديره : إن الله يصلي وملائكته يصلون ، والله تعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حلاوة الإيمان · ص 146 باب حلاوة الإيمان أي : هذا باب في بيان حلاوة الإيمان ، وارتفاعه على الخبرية للمبتدأ المحذوف ، وجه المناسبة بين البابين من حيث إن الباب الأول مشتمل على أن كمال الإيمان لا يكون إلا إذا كان الرسول صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إليه من سائر الخلق ، وهذا الباب يبين أن ذلك من جملة حلاوة الإيمان ، ولأن هذا الباب مشتمل على ثلاثة أشياء ، والباب الذي قبله جزء من هذه الثلاثة ، وهذا أقوى وجوه المناسبة . 1 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، قال : حدثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : محمد بن المثنى بلفظ المفعول من التثنية بالمثلثة ابن عبيد بن قيس بن دينار أبو موسى العنزي البصري المعروف بالزمن سمع ابن عيينة ، ووكيع بن الجراح ، وإسماعيل بن علية ، والقطان ، وغيرهم ، روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، ومحمد بن يحيى الذهلي ، والمحاملي ، قال الخطيب : كان ثقة ثبتا يحتج سائر الأئمة بحديثه ، وقدم بغداد ، وحدث بها ، ثم رجع إلى البصرة فمات بها ، قال غيره : سنة اثنتين وخمسين ومائتين ، وولد هو وبندار بالسنة التي مات فيها حماد بن سلمة سنة سبع وستين ومائة ، روى عنه الجماعة ، وروى الترمذي أيضا ، عن رجل عنه ، وقال : لا بأس به . الثاني : عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت بن أبي عبيد بن الحكم بن أبي العاصي بن بشر بن عبد الله بن دهمان بن عبد همام بن أبان بن يسار بن مالك بن خطيط بن جشم بن قسي ، وهو ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس غيلان الثقفي البصري ، سمع يحيى الأنصاري ، وأيوب السختياني ، وخلقا ، روى عنه محمد بن إدريس الشافعي ، والإمام أحمد ، وابن معين ، وابن المديني ، وثقه يحيى ، والعجلي ، وقال ابن سعد : كان ثقة ، وفيه ضعف ، ولد سنة ثمان ومائة ، وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة ، وقال خليفة بن خياط : اختلط قبل موته بثلاث سنين أو أربع سنين ، روى له الجماعة . الثالث : أيوب بن أبي تميمة ، واسمه كيسان السختياني البصري مولى عزة ، ويقال : جهينة ، ومواليه حلفاء بني جريش رأى أنس بن مالك ، وسمع عمر بن سلمة الجرمي ، وأبا عثمان النهدي ، والحسن ، ومحمد بن سيرين ، وأبا قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ، ومجاهدا ، وخلقا كثيرا ، روى عنه محمد بن سيرين ، وعمرو بن دينار ، وقتادة ، والأعمش ، ومالك ، والسفيانان ، والحمادان ، وروى عنه الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه أيضا ، وقال ابن المديني : له نحو ثمان مائة حديث ، وقال النسائي : ثقة ثبت ، وقال إسماعيل بن علية ، ولد سنة ست وستين ، وقال البخاري عن علي بن المديني : مات بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومائة زاد غيره ، وهو ابن ثلاث وستين ، روى له الجماعة . الرابع : أبو قلابة بكسر القاف ، وبالباء الموحدة ، واسمه عبد الله بن زيد بن عمرو ، وقيل : عامر بن نائل بن مالك الجرمي البصري سمع ثابت بن قيس بن الضحاك الأنصاري ، وأنس بن مالك الأنصاري ، وغيرهم من الصحابة ، روى عن أيوب وقتادة ، ويحيى ابن أبي كثير اتفق على توثيقه ، توفي بالشام سنة أربع ومائة ، روى له الجماعة . الخامس : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ، وقد مر ذكره . ( بيان الأنساب ) العنزي ، بفتح العين المهملة ، والنون ، وبالزاي نسبة إلى عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان حي من ربيعة . والثقفي بالثاء المثلثة ، والقاف ، بعدها الفاء نسبة إلى ثقيف ، وهو قسي بن منبه ، وقد ذكرناه الآن . والسختياني ، بفتح السين المهملة نسبة إلى بيع السختيان ، وهو الجلد ، وقال الجوهري : سمي بذلك ؛ لأنه كان يبيع الجلود . قال صاحب المطالع : ومنهم من يضم السين ، وقال بعضهم : حكي ضم السين وكسرها . قلت : هذا اللفظ أعجمي ، ولم يسمع منهم إلا فتح السين ، والجرمي ، بفتح الجيم في قبائل ، ففي قضاعة جرم بن ريان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ، وفي بجيلة جرم بن علقمة بن عبقر ، وفي عاملة جرم بن شعل بن معاوية ، وفي طي جرم ، وهو ثعلبة بن عمرو بن الغوث بن طي . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث ، والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم بصريون ، ومنها أن كلهم أئمة أجلاء على ما ذكرنا . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا ومسلم أيضا كلاهما ، عن محمد بن المثنى إلى آخره بهذا الإسناد ، وأخرجه في هذا الباب أيضا بعد ثلاثة أبواب من طريق شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، واستدل به على فضل من أكره على الكفر فترك التقية إلى أن قتل ، وأخرجه من هذا الوجه في الأدب في فضل الحب في الله ، ولفظ هذه الرواية : وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه . وهي أبلغ من لفظ حديث الباب ؛ لأنه سوى فيه بين الأمرين ، وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه من نار الأخرى ، وكذا رواه مسلم من هذا الوجه ، وفي رواية للبخاري ومسلم : من كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا . وأخرجه الترمذي والنسائي أيضا في رواية أخرى : ثلاث من كن فيه ، وجد حلاوة الإيمان وطعمه : أن يكون الله ، ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب في الله ، ويبغض في الله ، وأن يوقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئا . ( بيان اللغات ) . قوله : حلاوة الإيمان الحلاوة مصدر حلا الشيء يحلو ، وهو نقيض المر ، واحلولى مثله ، وأحليت الشيء جعلته حلوا ، وأحليته أيضا وجدته حلوا ، وحاليته ، أي : طايبته ، والحلوى نقيض المرى يقال : خذ الحلوى ، وأعطه المرى ، وتحالت المرأة إذا أظهرت حلاوة وعجبا ، وأما حلوت فلانا على كذا مالا ، فأنا أحلوه حلوا وحلوانا ، فمعناه : وهبت له شيئا على شيء يفعله لك غير الأجرة ، وأما حليت المرأة أحليها حليا ، وحلوتها فمعناها جعلت لها حليا ، ويقال : حلي فلان يعني بالكسر ، وفي عيني ، وبصدري - أو : في صدري - يحلى حلاوة إذا أعجبك ، قال الراجز : إن سراجا لكريم مفخرة تحلى به العين إذا ما تجهره وهذا من المقلوب ، والمعنى يحلى بالعين ، وكذلك حلا فلان بعيني وفي عيني يحلو حلاوة . وقال الأصمعي حلى في عيني بالكسر ، وحلا في فمي بالفتح ، وحليت الرجل وصفت حليته ، وحليت الشيء في عين صاحبه ، وحليت الطعام جعلته حلوا ، والحلواء التي تؤكل تمد وتقصر . وأما معنى الحلاوة في الحديث ، فقال التيمي : حسنه ، وقال النووي : معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات ، وتحمل المشاق في الدين ، وإيثار ذلك على أعراض الدنيا ، ومحبة العبد الله تعالى بفعل طاعته ، وترك مخالفته ، وكذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قلت : تفسير التيمي من الحلاوة التي بابها من حلى فلان بعيني حلاوة إذا حسن ، وتفسير النووي من حلا الشيء يحلو حلوا وحلاوة ، وهو نقيض المر ، ولكل منهما وجه ، والأظهر الثاني : على ما لا يخفى قوله : يكره من كرهت الشيء أكرهه كراهة وكراهية ، فهو شيء كريه ومكروه ، ومعناه عدم الرضا . قوله : أن يقذف من القذف بمعنى الرمي ، وقال الصغاني : التركيب يدل على الرمي والطرح ، والقذف بالحجارة الرمي بها ، وقذف المحصنة قذفا ، أي : رماها ، ويُقَل : هم بين خاذف وقاذف ، فالخاذف بالحصى ، والقاذف بالحجارة . ( بيان الإعراب ) . قوله : ثلاث مرفوع على أنه مبتدأ . فإن قلت : هو نكرة ، كيف يقع مبتدأ . قلت : النكرة تقع مبتدأة بالمسوغ ، وهاهنا ثلاثة وجوه : الأول : أن يكون التنوين في ثلاث عوضا ، عن المضاف إليه تقديره : ثلاث خصال ، فحينئذ يقرب من المعرفة . الثاني : أن يكون هذا صفة لموصوف محذوف تقديره خصال ثلاث ، والموصوف هو المبتدأ في الحقيقة ، فلما حذف قامت الصفة مقامه . الثالث : يجوز أن يكون ثلاث موصوفا بالجملة الشرطية التي بعده ، والخبر على هذا الوجه هو قوله : أن يكون ، وأن مصدرية ، والتقدير : كون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وعلى التقديرين الأولين الخبر هو الجملة الشرطية ؛ لأن قوله : من مبتدأ موصول ، يتضمن معنى الشرط ، وقوله : كن فيه جملة صلته ، وقوله : وجد خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول . فإن قلت : الجملة إذا وقعت خبرا فلا بد من ضمير فيها يعود إلى المبتدأ ؛ لأن الجملة مستقلة بذاتها ، فلا يربطها بما قبلها إلا الضمير ، وليس هاهنا ضمير يعود إليه ، والضمير في فيه يرجع إلى من لا إلى ثلاث . قلت : العائد هاهنا محذوف تقديره : ثلاث من كن فيه منها وجد حلاوة الإيمان ، كما في قولك : البر الكر بستين ، أي : منه ، وقال ابن يعيش في قوله تعالى : ، وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ إن من مبتدأ ، وصلته صبر ، وخبره إن المكسورة مع ما بعدها ، والعائد محذوف تقديره إن ذلك منه . فإن قلت : إذا جعلت الجملة خبرا فما يكون إعراب قوله : أن يكون الله ؟ قلت : يجوز فيه الوجهان : أحدهما : أن يكون بدلا من ثلاث ، والآخر أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، أي : أحد الذين فيهم الخصال الثلاث أن يكون الله... الخ . قوله : وجد بمعنى أصاب ، فلذلك اكتفى بمفعول واحد ، وهو قوله : حلاوة الإيمان . قوله : ورسوله بالرفع عطف على لفظة الله الذي هو اسم يكون . قوله : أحب بالنصب ؛ لأنه خبر يكون . فإن قلت : كان ينبغي أن يثني أحب حتى يطابق اسم كان ، وهو اثنان . قلت : أفعل التفضيل إذا استعمل بمن فهو مفرد مذكر لا غير ، فلا يحتاج إلى المطابقة . فإن قلت : أفعل التفضيل مع من كالمضاف والمضاف إليه . فلا يجوز الفصل بينهما . قلت : أجيز ذلك بالظرف للاتساع . قوله : وأن يحب المرء عطف على أن يكون الله . قوله : يحب جملة من الفعل والفاعل ، وهو الضمير فيه الذي يرجع إلى من . وقوله المرء بالنصب مفعوله . قوله : لا يحبه إلا لله جملة وقعت حالا بدون الواو ، وقد علم أن الفعل المضارع إذا وقع حالا ، وكان منفيا يجوز فيه الواو ، وتركه نحو جاءني زيد لا يركب أو ولا يركب . قوله : وأن يكره عطف على أن يحب . قوله : أن يعود جملة في محل النصب على أنها مفعول لقوله : يكره ، وأن يكره ، وأن مصدرية ، تقديره : وأن يكره العود . فإن قلت : المشهور أن يقال عاد إليه معدى بإلى لا بفي . قلت : قال الكرماني : قد ضمن فيه معنى الاستقرار ، كأنه قال أن يعود مستقرا فيه ، وهذا تعسف ، وإنما في هذا بمعنى إلى كما في قوله تعالى : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا أي : تصيرن إلى ملتنا . قوله : كما يكره الكاف للتشبيه بمعنى مثل ، وما مصدرية ، أي : مثل كرهه . قوله : أن يقذف في محل النصب ؛ لأنه مفعول يكره ، وأن مصدرية ، أي : القذف ، وهو على صيغة المجهول فافهم . ( بيان المعاني ) قال النووي : هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام . قلت : كيف لا وفيه محبة الله ورسوله التي هي أصل الإيمان بل عينه ، ولا تصح محبة الله ورسوله حقيقة ، ولا حب لغير الله ولا كراهة الرجوع في الكفر إلا لمن قوي الإيمان في نفسه ، وانشرح له صدره ، وخالطه دمه ولحمه ، وهذا هو الذي وجد حلاوته ، والحب في الله من ثمرات الحب لله ، وقال ابن بطال : محبة العبد لخالقه التزام طاعته ، والانتهاء عما نهى عنه ، ومحبة الرسول كذلك ، وهي التزام شريعته ، وقال بعضهم : المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب سبحانه فيحب ما أحب ، ويكره ما يكره . قال القاضي عياض : ومعنى حب الله الاستقامة في طاعته ، والتزام أوامره ونواهيه في كل شيء ، والمراد ثمرات المحبة ؛ فإن أصل المحبة الميل لما يوافق المحبوب ، والله سبحانه منزه أن يميل أو يمال إليه ، وأما محبة الرسول فيصح فيها الميل إذ ميل الإنسان لما يوافقه ، إما للاستحسان كالصورة الجميلة ، والمطاعم الشهية وشبههما ، أو لما يستلذه بعقله من المعاني والأخلاق كمحبة الصالحين والعلماء ، وإن لم يكن في زمانهم أو لمن يحسن إليه ، ويدفع المضرة عنه ، وهذه المعاني كلها موجودة في حق النبي صلى الله عليه وسلم من كمال الظاهر ، والباطن ، وجمعه الفضائل ، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم ، وإبعادهم عن الجحيم . قوله : وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله هذا حث على التحاب في الله ؛ لأجل أن الله جعل المؤمنين إخوة . قال الله تعالى : فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ومن محبته ومحبة رسوله محبة أهل ملته ، فلا تحصل حلاوة الإيمان إلا أن تكون خالصة لله تعالى غير مشوبة بالأغراض الدنيوية ، ولا الحظوظ البشرية ، فإن من أحب لذلك انقطعت تلك المحبة عند انقطاع سببها . قوله : وأن يكره إلى آخره ، معناه أن هذه الكراهة إنما توجد عند وجود سببها ، وهو ما دخل قلبه من نور الإيمان ، ومن كشف له عن محاسن الإسلام ، وقبح الجهالات والكفران . وقيل : المعنى : أن من وجد حلاوة الإيمان ، وعلم أن الكافر في النار يكره الكفر لكراهته لدخول النار . قلت : وقائل هذا المعنى حافظ على بقاء لفظ العود على معناه الحقيقي ، ومعناه هنا معنى الصيرورة . قال تعالى : وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا ( بيان البيان ) . قوله : حلاوة الإيمان فيه استعارة بالكناية ، وذلك لأن الحلاوة إنما تكون في المطعومات ، والإيمان ليس مطعوما ، فظهر أن هذا مجاز ؛ لأنه شبه الإيمان بنحو العسل ، ثم طوى ذكر المشبه به ؛ لأن الاستعارة هي أن يذكر أحد طرفي التشبيه مدعيا دخول المشبه في جنس المشبه به ، فالمشبه إيمان ، والمشبه به عسل ونحوه . والجهة الجامعة ، وهو وجه الشبه الذي بينهما هو الالتذاذ وميل القلب إليه ، فهذه هي الاستعارة بالكناية ، ثم لما ذكر المشبه أضاف إليه ما هو من خواص المشبه به ولوازمه ، وهو الحلاوة على سبيل التخيل ، وهي استعارة تخييلية ، وترشيح للاستعارة . قوله : كما يكره أن يقذف في النار تشبيه وليس باستعارة ؛ لأن الطرفين مذكوران ، فالمشبه هو العود في الكفر ، والمشبه به وهو القذف في النار ، ووجه الشبه هو وجدان الألم وكراهة القلب إياه . ( الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : ما الحكمة في كون حلاوة الإيمان في هذه الأشياء الثلاثة ؟ وأجيب بأن هذه الأمور الثلاثة هي عنوان كمال الإيمان المحصل لتلك اللذة ؛ لأنه لا يتم إيمان امرئ حتى يتمكن في نفسه أن المنعم بالذات هو الله سبحانه وتعالى ، ولا مانح ولا مانع سواه ، وما عداه تعالى وسائط ليس لها في ذاتها إضرار ولا إنفاع ، وأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، هو العطوف الساعي في صلاح شأنه ، وذلك يقتضي أن يتوجه بكليته نحوه ، ولا يحب ما يحبه إلا لكونه وسطا بينه وبينه ، وأن يتيقن أن جملة ما أوعد ووعد حق تيقنا ، يخيل إليه الموعود كالواقع ، والاشتغال بما يؤول إلى الشيء ملابسة به فيحسب مجالس الذكر رياض الجنة ، وأكل مال اليتيم أكل النار ، والعود إلى الكفر إلقاء في النار . ومنها ما قيل : لم عبر عن هذه الحالة بالحلاوة ؟ وأجيب : لأنها أظهر اللذات المحسوسة ، وإن كان لا نسبة بين هذه اللذة واللذات الحسية . ومنها ما قيل : لم قيل : مما سواهما ، ولم يقل : ممن سواهما ؟ وأجيب بأن ما أعم بخلاف من فإنها للعقلاء فقط . ومنها ما قيل : كيف قال : سواهما بإشراك الضمير بينه وبين الله عز وجل ، والحال أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنكر على من فعل ذلك ، وهو الخطيب الذي قال : ومن يعصهما فقد غوى ، فقال : بئس الخطيب أنت ، وأجيب بأن هذا ليس من هذا ؛ لأن المراد في الخطب الإيضاح ، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ ، ومما يدل عليه ما جاء في سنن أبي داود : ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه . وقال القاضي عياض : وأما تثنية الضمير هاهنا فللإيماء على أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين ، لا كل واحدة فإنها وحدها ضائعة لاغية ، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعارا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزامه الغواية ؛ إذ العطف في تقرير التكرير ، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم ، وقال الأصوليون : أمر بالإفراد ؛ لأنه أشد تعظيما ، والمقام يقتضي ذلك ، ويقال : إنه من الخصائص فيمتنع من غير النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يمتنع منه ؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك ، ويقال : إن كلامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هنا جملة واحدة ، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المضمر ، وكلام الذي خطب جملتان لا يكره إقامة الظاهر فيها مقام المضمر . ويقال : إن المتكلم لا يتوجه تحت خطاب نفسه إذا وجهه لغيره ، ويقال : إن الله تعالى أمر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يشرف من شاء بما شاء كما أقسم بكثير من مخلوقاته ، وكذلك له أن يأذن لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ويحجره على غيره ، ويقال : العمل بخبر المنع أولى ؛ لأن الخبر الآخر يحتمل الخصوص ، ولأنه ناقل ، والآخر مبني في الأصل ، ولأنه قول ، والثاني فعل .