41 - بَاب الْحَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ : إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ ، فَمَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنْ اتِّبَاعِهَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ 1951 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي زَيْدٌ ، عَنْ عِيَاضٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ ؟ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا . قَوْلُهُ : ( بَابٌ : الْحَائِضُ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصَّلُهُ : إِنَّ التَّرْجَمَةَ لَمْ تَتَضَمَّنْ حُكْمَ الْقَضَاءِ لِتُطَابِقَ حَدِيثَ الْبَابِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ ، قَالَ : وَأَمَّا تَعْبِيرُهُ بِالتَّرْكِ فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ مُمْكِنٌ حِسًّا ، وَإِنَّمَا تَتْرُكُهُ اخْتِيَارًا لِمَنْعِ الشَّرْعِ لَهَا مِنْ مُبَاشَرَتِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ . . . إِلَخْ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : نَظَرَ أَبُو الزِّنَادِ إِلَى الْحَيْضِ فَوَجَدَهُ مَانِعًا مِنْ هَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ ، وَمَا سَلَبَ الْأَهْلِيَّةَ اسْتَحَالَ أَنْ يَتَوَجَّهَ بِهِ خِطَابُ الِاقْتِضَاءِ ، وَمَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْفِعْلِ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ ، فَلِذَلِكَ اسْتَبْعَدَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، فَأَحَالَ بِذَلِكَ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالتَّعَبُّدِ الْمَحْضِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ سُؤَالُ مُعَاذَةَ مِنْ عَائِشَةَ عَنِ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ وَأَنْكَرَتْ عَلَيْهَا عَائِشَةُ السُّؤَالَ وَخَشِيَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ تَلَقَّنَتْهُ مِنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِاعْتِرَاضِ السُّنَنِ بِآرَائِهِمْ ، وَلَمْ تَزِدْهَا عَلَى الْحَوَالَةِ عَلَى النَّصِّ ، وَكَأَنَّهَا قَالَتْ لَهَا : دَعِي السُّؤَالَ عَنِ الْعِلَّةِ إِلَى مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَهُوَ الِانْقِيَادُ إِلَى الشَّارِعِ . وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ ، وَاعْتَمَدَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ فَيَشُقُّ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ الَّذِي لَا يَقَعُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً ، وَاخْتَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي ذَلِكَ هُوَ النَّصُّ ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ ذَكَرُوهُ مِنَ الْفَرْقِ ضَعِيفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَزَعَمَ الْمُهَلَّبُ أَنَّ السَّبَبَ فِي مَنْعِ الْحَائِضِ مِنَ الصَّوْمِ أَنَّ خُرُوجَ الدَّمِ يُحْدِثُ ضَعْفًا فِي النَّفْسِ غَالِبًا ، فَاسْتُعْمِلَ هَذَا الْغَالِبُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، فَلَمَّا كَانَ الضَّعْفُ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَيُوجِبُ الْقَضَاءَ كَانَ كَذَلِكَ الْحَيْضُ ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْمَأْخَذِ ، فَإِنَّ الْمَرِيضَ لَوْ تَحَامَلَ فَصَامَ صَحَّ صَوْمُهُ بِخِلَافِ الْحَائِضِ ، وَأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ فِي نَزْفِ الدَّمِ أَشَدُّ مِنَ الْحَائِضِ وَقَدْ أُبِيحَ لَهَا الصَّوْمُ . وَقَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ : إِنَّ السُّنَنَ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ : لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَحَقَّ بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ كَثِيرٌ . وَمِمَّا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ أَنَّهَا لَوْ طَهُرَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ وَنَوَتْ صَحَّ صَوْمُهَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى الْغُسْلِ ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَاضِي فِي كِتَابِ الْحَيْضِ مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِهِ : أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : تَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي ، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ الْحَدِيثَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْحَائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ · ص 225 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الحائض تترك الصوم والصلاة · ص 56 باب الحائض تترك الصوم والصلاة أي هذا باب تذكر فيه الحائض تترك الصوم والصلاة إنما قال تترك للإشارة إلى أنه ممكن حسا ولكنها تتركهما اختيارا لمنع الشرع لها من مباشرتهما . وقال أبو الزناد : إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرا على خلاف الرأي ، فما يجد المسلمون بدا من اتباعها من ذلك أن الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة . أبو الزناد بكسر الزاي وبالنون اسمه عبد الله بن ذكوان القرشي أبو عبد الرحمن المدني ، وعن ابن معين ثقة حجة ، وعن أحمد : كان سفيان يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث ، مات سنة ثلاثين ومائة ، وهو ابن ست وستين سنة ، وأبدله ابن بطال بأبي الدرداء يعني قائل هذا الكلام هو أبو الدرداء الصحابي ، والمقصود منه أن الأمور الشرعية التي ترد على خلاف القياس ، ولا يعلم وجه الحكمة فيها يجب الاتباع بها ، ويكل الأمر فيها إلى الشارع ، ويتعبد بها ولا يعترض ولا يقول : لم كان كذا ؟ ألا ترى أن في حديث قتادة قال : حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة : أتجزئ إحدانا صلاتها إذا طهرت ؟ قالت : أحرورية أنت ؟ كنا نحيض مع النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمرنا به ، أو قالت : فلا نفعله . وقد تقدم هذا في باب : لا تقضي الحائض الصلاة في كتاب الحيض ، وقال بعضهم : وقد تقدم في كتاب الحيض سؤال معاذة عن عائشة عن الفرق المذكور ، وأنكرت عليها عائشة السؤال ، وخشيت عليها أن تكون تلقته من الخوارج الذين جرت عادتهم باعتراض السنن بآرائهم ، ولم تزدها على الحوالة على النص ؛ فكأنها قالت لها : دعي السؤال عن العلة إلى ما هو أهم من معرفتها ، وهو الانقياد إلى الشارع . انتهى . قلت : قد غلط هذا القائل في قوله سؤال معاذة عن عائشة عن الفرق إلى آخره ولم يكن السؤال من معاذة ، وإنما معاذة حدثت أن امرأة قالت لعائشة ، فهذه هي السائلة دون معاذة ، والسؤال والجواب إنما كانا بين تلك المرأة وعائشة ، ولم تكن بين معاذة وعائشة على ما لا يخفى . قوله : ووجوه الحق ، أي الأمور الشرعية ، واللام في قوله : لتأتي ، مفتوحة للتأكيد . قوله : على خلاف الرأي ، أي العقل والقياس . قوله : فما يجد المسلمون بدا ، أي افتراقا وامتناعا من اتباعها . قوله : من ذلك ، أي من جملة ما هو أتى بخلاف الرأي قضاء الصوم والصلاة ، فإن مقتضاه أن يكون قضاؤهما متساويين في الحكم ؛ لأن كلا منهما عبادة تركت لعذر ، لكن قضاء الصوم واجب . والحاصل من كلامه أن الأمور الشرعية التي تأتي على خلاف الرأي والقياس لا يطلب فيها وجه الحكمة ، بل يتعبد بها ، ويوكل أمرها إلى الله تعالى ؛ لأن أفعال الله تعالى لا تخلو عن حكمة ، ولكن غالبها تخفى على الناس ، ولا تدركها العقول ، ومن جملة ما قالوا في الفرق بين الصوم والصلاة على أنواع ؛ منها ما قال الفقهاء : الفرق بينهما أن الصوم لا يقع في السنة إلا مرة واحدة ، فلا حرج في قضائه بخلاف الصلاة ، فإنها متكررة كل يوم ، ففي قضائها حرج عظيم ، ومنها ما قالوا : إن الحائض لا تضعف عن الصيام فأمرت بإعادة الصيام عملا بقوله فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا والنزف مرض بخلاف الصلاة ، فإنها أكثر الفرائض تردادا ، وهي التي حطها الله تعالى في أصل الفرض من خمسين إلى خمس ، فلو أمرت بإعادتها لتضاعف عليها الفرض ، ومنها ما قالوا : إن الله تعالى وصف الصلاة بأنها كبيرة في قوله تعالى وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ فلو أمرت بإعادتها لكانت كبيرة على كبيرة ، وقال إمام الحرمين : إن المنع في ذلك النص وإن كل شيء ذكروه من الفرق ضعيف ، وزعم المهلب أن السبب في منع الحائض من الصوم أن خروج الدم يحدث ضعفا في النفس غالبا ، فاستعمل هذا الغالب في جميع الأحوال ، فلما كان الضعف يبيح الفطر ويوجب القضاء ، كان كذلك الحيض ، وفيه نظر لأن المريض لو تحامل فصام صح صومه ، بخلاف الحائض ، فإن المستحاضة في نزف الدم أشد من الحائض ، وقد أبيح لها الصوم . 59 - حدثنا ابن أبي مريم قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثني زيد ، عن عياض ، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ، فذلك نقصان دينها . مطابقته للترجمة : تؤخذ من قوله : إذا حاضت لم تصل ولم تصم ، والترجمة في ترك الصوم والصلاة ، والحديث مضى في باب ترك الحائض الصوم في كتاب الحيض ؛ فإنه أخرجه هناك بهذا الإسناد مطولا ، وذكره هنا مقصرا على قوله : أليس إذا حاضت لم تصل إلى آخره ، وزيد هو ابن أسلم ، وعياض ابن عبد الله ، وقد مر الكلام فيه مستوفى هناك .