59 - بَاب صَوْمِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام 1979 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمَكِّيَّ - وَكَانَ شَاعِرًا ، وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ - قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ لي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ ، فَقُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ . قُلْتُ : فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام : كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ صَوْمِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ وَجْهَيْنِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ مُحَصَّلَ فَوَائِدِهِمَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصِّيَامِ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : أَفْرَدَ تَرْجَمَةَ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ بِالذِّكْرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ ، وَأَفْرَدَ صِيَامَ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَام - بِالذِّكْرِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى : ( وَكَانَ شَاعِرًا وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الشَّاعِرَ بِصَدَدِ أَنْ يُتَّهَمَ فِي حَدِيثِهِ لِمَا تَقْتَضِيهِ صِنَاعَتُهُ مِنْ سُلُوكِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِطْرَاءِ وَغَيْرِهِ ، فَأَخْبَرَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ شَاعِرًا كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي حَدِيثِهِ ، وَقَوْلُهُ : فِي حَدِيثِهِ يَحْتَمِلُ مَرْوِيَّهُ مِنَ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ وَيَحْتَمِلُ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، وَالثَّانِي أَلْيَقُ وَإِلَّا لَكَانَ مَرْغُوبًا عَنْهُ ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ أَخْرَجَ الصَّحِيحَ ، وَأَفْصَحَ بِتَوْثِيقِهِ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَعِينٍ وَآخَرُونَ ، وَلَيْسَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا فِي الْجِهَادِ وَالْآخَرُ فِي الْمَغَازِي ، وَأَعَادَهُمَا مَعًا فِي الْأَدَبِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ الْبَابِ فِي التَّهَجُّدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ . قَوْلُهُ : ( وَنَفِهَتْ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ : تَعِبَتْ وَكَلَّتْ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ : نَثِهَتْ بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ الْفَاءِ ، وَقَدِ اسْتَغْرَبَهَا ابْنُ التِّينِ فَقَالَ : لَا أَعْرِفُ مَعْنَاهَا . قُلْتُ : وَكَأَنَّهَا أُبْدِلَتْ مِنَ الْفَاءِ ، فَإِنَّهَا تُبْدَلُ مِنْهَا كَثِيرًا ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بَدَلَهَا : وَنَهَكَتْ أَيْ : هَزَلَتْ وَضَعُفَتْ . قَوْلُهُ : ( صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ) أَيْ : مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ( صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ ) أَيْ : بِالتَّضْعِيفِ كَمَا تَقَدَّمَ صَرِيحًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب صَوْمِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام · ص 264 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب صوم داود عليه السلام · ص 93 باب صوم داود عليه السلام أي هذا باب في بيان صوم داود عليه الصلاة والسلام ، وإنما ذكر أولا صوم يوم وإفطار يوم ، ثم أعقبه بصوم داود عليه الصلاة والسلام ، وهو هو تنبيها بالأول على أفضلية هذا الصوم ، وبالثاني إشارة إلى الاقتداء به في ذلك . 86 - حَدَّثَنَا آدَمُ قال : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قال : حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمَكِّيَّ ، وَكَانَ شَاعِرًا ، وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ لي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ ، فَقُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ ، وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ ، قُلْتُ : فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى. مطابقته للترجمة في قوله ( صم صوم داود عليه الصلاة والسلام .. ) إلى آخره ، وهذا الحديث مر في باب حق الأهل في الصوم ، فإنه أخرجه هناك عن عمرو بن علي ، عن أبي عاصم ، عن ابن جريج ، عن أبي العباس الشاعر .. إلى آخره ، وبين متنيه بعض اختلاف ، وحبيب ضد العدو ، وابن أبي ثابت ضد الزائل أبو يحيى الأسدي الكاهلي الأعور المفتي المجتهد ، مات سنة تسع عشرة ومائة . قوله ( وكان شاعرا ) وهناك قال الشاعر . قوله ( وكان لا يتهم في حديثه ) فيه إشارة إلى أن الشاعر بصدد أن يمنع حديثه لما تقتضيه صناعته من الغلو في الأشياء ، والإغراق في المدح والذم ، لكن الراوي عدله ووثقه حتى روى عنه ؛ لأنه لم يكن متهما ، وأشار بقوله ( في حديثه ) إلى أن المروي عنه أعم من أن يكون من الحديث النبوي أو غيره ، وإلا لم يرو عنه على أن الواقع أنه حجة عند كل من أخرج الصحيح ، ووثقه أحمد ، وابن معين ، وغيرهما ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث ، وحديثان آخران : أحدهما في الجهاد ، والآخر في المغازي ، وأعادهما معا في الأدب . قوله ( هجمت له العين ) أي : غارت ودخلت ، وعن صاحب ( العين ) : هجمت تهجم هجوما وهجما ، وعن أبي عمر : والكثير إهجام ، وعن الأصمعي : انهجمت عينه دمعت . ذكره في ( الموعب ) . قوله ( ونفهت ) بفتح النون وكسر الفاء ، أي تعبت وكلت ، ووقع في رواية النسفي : نهثت ، بالثاء المثلثة بدل الفاء . وقال ابن التين : هذا غريب ولا أعرف معناها ، وقال بعضهم : وكأنها أبدلت عن الفاء ، فإنها تبدل منها كثيرا . قلت : ادعى أن الفاء تبدل من الثاء المثلثة كثيرا ، ولم يأت بمثال فيه ، ولا نسبه إلى أحد من أهل العربية ، ولا ذكر أحد هذا في الحروف التي يبدل بعضها من بعض ، وإن كان يوجد هذا ربما يوجد في لسان ذي لثغة ، فلا يبنى عليه شيء ، وقال التيمي : نهثت بالنون والمثلثة ، ولا أعرف هذه الكلمة ، وقد ورد في اللغة نهث الرجل يعني سعل ، وهو بعيد هنا ، وجاء في رواية الكشميهني : ونهكت ، أي : هزلت وضعفت ، ولا وجه له إلا إذا ضم النون ، من نهكته الحمى إذا أضنته ، وفي ( التوضيح ) : نهتت بالنون ثم هاء ثم مثناة من فوق ، ثم أخرى مثلها ، ومعناه ضعفت . قلت : قال الجوهري : يقول نهت ينهت بالكسر من النهيت ، قال : النهيت كالزجير إلا أنه دونه ، يقال : رجل نهات ، أي : زجار ، وهذا الذي ضبطه صاحب ( التوضيح ) لا يناسب هنا على ما لا يخفى ، فافهم . قوله ( صوم ثلاثة أيام ) أي : من كل شهر ، ومعنى البقية من المتن تقدم .