68 - بَاب هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ؟ وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ؟ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ . وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ 2157 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسٍ سَمِعْتُ جَرِيرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ : هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ ، وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ : حَمَلَ الْمُصَنِّفُ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي عَلَى مَعْنًى خَاصٍّ وَهُوَ الْبَيْعُ بِالْأَجْرِ أَخْذًا مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَوَّى ذَلِكَ بِعُمُومِ أَحَادِيثِ الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِأَنَّ الَّذِي يَبِيعُ بِالْأُجْرَةِ لَا يَكُونُ غَرَضُهُ نُصْحَ الْبَائِعِ غَالِبًا ، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ تَحْصِيلُ الْأُجْرَةِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ إِجَازَةَ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي بِغَيْرِ أُجْرَةٍ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ أَوَّلَ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَكَذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ الْمَكِّيِّ : أَنَّ أَعْرَابِيًّا حَدَّثَهُ أَنَّهُ قَدِمَ بِحَلُوبَةٍ لَهُ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَلَكِنِ اذْهَبْ إِلَى السُّوقِ فَانْظُرْ مَنْ يُبَايِعُكَ فَشَاوِرْنِي حَتَّى آمُرَكَ وَأَنْهَاكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، فَإِذَا اسْتَنْصَحَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَنْصَحْ لَهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ بِلَفْظِ : لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ . قَوْلُهُ : ( وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ ) أَيْ : فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي ، وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ أَيِ : ابْنُ خُثَيْمٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ : سَأَلْتُهُ عَنْ أَعْرَابِيٍّ أَبِيعُ لَهُ فَرَخَّصَ لِي وَأَمَّا مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ غُرَّتَهُمْ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا بَأْسَ . فَقَالَ عَطَاءٌ : لَا يَصْلُحُ الْيَوْمَ . فَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَا أَرَى أَبَا مُحَمَّدٍ إِلَّا لَوْ أَتَاهُ ظِئْرٌ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ إِلَّا سَيَبِيعُ لَهُ . فَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَطَاءٍ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، وَلِهَذَا نَسَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِدٌ مَا نَسَبَ ، وَأَخَذَ بِقَوْلِ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَتَمَسَّكُوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الدِّينُ النَّصِيحَةُ وَزَعَمُوا أَنَّهُ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ النَّهْيِ ، وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ حَدِيثَ : الدِّينُ النَّصِيحَةُ عَلَى عُمُومِهِ إِلَّا فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي فَهُوَ خَاصٌّ فَيُقْضَى عَلَى الْعَامِّ ، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَجَمَعَ الْبُخَارِيُّ بَيْنَهُمَا بِتَخْصِيصِ النَّهْيِ بِمَنْ يَبِيعُ لَهُ بِالْأُجْرَةِ كَالسِّمْسَارِ ، وَأَمَّا مَنْ يَنْصَحُهُ فَيُعْلِمُهُ بِأَنَّ السِّعْرَ كَذَا مَثَلًا فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عِنْدَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا حَدِيثُ جَرِيرٍ فِي النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِيمَانِ ،
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ · ص 433 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر وهل يعينه أو ينصحه · ص 280 باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر وهل يعينه أو ينصحه أي هذا باب يذكر فيه هل يبيع حاضر لباد ، وهو الذي يأتي من البادية ومعه شيء يريد بيعه ، وقد مر تفسيره غير مرة ، وأراد البخاري بهذه الترجمة الإشارة إلى أن النهي الوارد عن بيع الحاضر للبادي إنما هو إذا كان بأجر ؛ لأن الذي يبيع بأجرة لا يكون غرضه نصح البائع ، وإنما غرضه تحصيل الأجرة ، وأما إذا كان بغير أجر يكون ذلك من باب النصيحة والإعانة ، فيقتضي ذلك جواز بيع الحاضر للبادي من غير كراهة ، فعلم من ذلك أن النهي الوارد فيه محمول على معنى خاص ، وهو البيع بأجر ، وقال ابن بطال : أراد البخاري جواز ذلك بغير أجر ومنعه إذا كان بأجر كما قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - : لا يكون له سمسارا ، فكأنه أجاز ذلك لغير السمسار إذا كان من طريق النصح ، وجواب الاستفهامين يعلم من المذكور في الباب ، واكتفى به على جاري عادته بذلك في بعض التراجم . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له . ذكر هذا التعليق تأييدا لجواز بيع الحاضر للبادي إذا كان بغير أجر لأنه يكون من باب النصيحة التي أمر بها رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ووصل هذا التعليق أحمد من حديث عطاء بن السائب ، عن حكيم بن أبي يزيد ، عن أبيه حدثني أبي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ، فإذا استنصح الرجل الرجل فلينصح له . انتهى . والنصح إخلاص العمل من شوائب الفساد ، ومعناه حيازة الحظ للمنصوح له ، وروى أبو داود من طريق سالم المكي أن أعرابيا حدثه أنه قدم بحلوبة له على طلحة بن عبيد الله فقال له : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يبيع حاضر لباد ، ولكن اذهب إلى السوق وانظر من يبايعك فشاورني حتى آمرك وأنهاك . ورخص فيه عطاء . أي ورخص عطاء بن أبي رباح في بيع الحاضر للبادي ، ووصله عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم ، عن عطاء بن أبي رباح قال : سألته عن أعرابي أبيع له فرخص لي . ( فإن قلت ) : يعارض هذا ما رواه سعيد بن منصور من طريق ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : إنما نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد لأنه أراد أن يصيب المسلمون غرتهم ، فأما اليوم فلا بأس ، فقال عطاء : لا يصلح اليوم ( قلت ) : أجاب بعضهم بأن الجمع بين الروايتين أن يحمل قول عطاء هذا على كراهة التنزيه ( قلت ) : الأوجه أن يحمل ترخيصه فيما إذا كان بلا أجر ومنعه فيما إذا كان بأجر ، وقال بعضهم : أخذ بقول مجاهد أبو حنيفة ، وتمسكوا بعموم قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : الدين النصيحة وزعموا أنه ناسخ لحديث النهي ، وحمل الجمهور حديث الدين النصيحة على عمومه إلا في بيع الحاضر للبادي فهو خاص فيقضي على العام ، وهذا الكلام فيه تناقض ، وقضاء الخاص على العام ليس بمطلق على زعمكم أيضا لاحتمال أن يكون الخاص ظنيا والعام قطعيا ، أو يكون الخاص منسوخا ، وأيضا يحتمل أن يكون الخاص مقارنا أو متأخرا أو متقدما ، وقوله : والنسخ لا يثبت في الاحتمال مسلم ، ولكن من قال : إن قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : الدين النصيحة ناسخ لحديث النهي بالاحتمال ؟ بل الأصل عندنا في مثل هذا بالتراجيح منها أن أحد الخبرين عمل به الأمة ، فهاهنا كذلك ، فإن قوله : الدين النصيحة عمل به جميع الأمة ، ولم يكن خلاف فيه لأحد ، بخلاف حديث النهي فإن الكل لم يعمل به ، فهذا الوجه من جملة ما يدل على النسخ ، ومنها أن يكون أحد الخبرين أشهر من الآخر وهاهنا كذلك بلا خلاف . 106 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، عن إسماعيل ، عن قيس قال : سمعت جريرا - رضي الله عنه - يقول : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والسمع والطاعة والنصح لكل مسلم . مطابقته للترجمة في قوله : أو ينصحه وعلي بن عبد الله هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة وإسماعيل هو ابن أبي خالد ، واسم أبي خالد سعد ، وقيل : هرمز ، وقيل : كثير ، وقيس هو ابن أبي حازم واسمه عوف ، سمع من العشرة المبشرة ، والثلاثة أعني إسماعيل وقيسا وجريرا بجليون كوفيون مكتنون بأبي عبد الله ، وهذا من النوادر ، والحديث مضى في آخر كتاب الإيمان من باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : الدين النصيحة لله ولرسوله ومر الكلام فيه مستوفى .