2158 - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ . قَالَ : فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : مَا قَوْلُهُ : لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ : لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا . وَالثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ . قَوْلُهُ : ( لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ لِلْبَيْعِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا ) بِمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ فِي الْأَصْلِ الْقَيِّمُ بِالْأَمْرِ وَالْحَافِظُ لَهُ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مُتَوَلِّي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِغَيْرِهِ ، وَفِي هَذَا التَّفْسِيرِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ فَسَّرَ الْحَاضِرَ بِالْبَادِي بِأَنَّ الْمُرَادَ نَهْيُ الْحَاضِرِ أَنْ يَبِيعَ لِلْبَادِي فِي زَمَنِ الْغَلَاءِ شَيْئًا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْبَلَدِ فَهَذَا مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ : صُورَتُهُ أَنْ يَجِيءَ الْبَلَدَ غَرِيبٌ بِسِلْعَتِهِ يُرِيدُ بَيْعَهَا بِسِعْرِ الْوَقْتِ فِي الْحَالِ ، فَيَأْتِيهِ بَلَدِيٌّ فَيَقُولُ لَهُ : ضَعْهُ عِنْدِي لِأَبِيعَهُ لَكَ عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَغْلَى مِنْ هَذَا السِّعْرِ ، فَجَعَلُوا الْحُكْمَ مَنُوطًا بِالْبَادِي وَمَنْ شَارَكَهُ فِي مَعْنَاهُ . قَالَ : وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْبَادِي فِي الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ ، فَأُلْحِقَ بِهِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي عَدَمِ مَعْرِفَةِ السِّعْرِ الْحَاضِرِ وَإِضْرَارِ أَهْلِ الْبَلَدِ بِالْإِشَارَةِ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يُبَادِرَ بِالْبَيْعِ ، وَهَذَا تَفْسِيرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ، وَجَعَلَ الْمَالِكِيَّةُ الْبَدَاوَةَ قَيْدًا ، وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَلْتَحِقُ بِالْبَدَوِيِّ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ يُشْبِهُهُ ، قَالَ : فَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أَثْمَانَ السِّلَعِ وَالْأَسْوَاقِ فَلَيْسُوا دَاخِلِينَ فِي ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : اخْتَلَفُوا فِي هَذَا النَّهْيِ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ عَلَى التَّحْرِيمِ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِالنَّهْيِ ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَتَاعُ الْمَجْلُوبُ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَأَنْ يَعْرِضَ الْحَضَرِيُّ ذَلِكَ عَلَى الْبَدَوِيِّ ، فَلَوْ عَرَضَهُ الْبَدَوِيُّ عَلَى الْحَضَرِيِّ لَمْ يُمْنَعْ . وَزَادَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عُمُومَ الْحَاجَةِ ، وَأَنْ يَظْهَرَ بِبَيْعِ ذَلِكَ الْمَتَاعِ السَّعَةُ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : أَكْثَرُ هَذِهِ الشُّرُوطِ تَدُورُ بَيْنَ اتِّبَاعِ الْمَعْنَى أَوِ اللَّفْظِ ، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي الْمَعْنَى إِلَى الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ ، فَحَيْثُ يَظْهَرُ يُخَصَّصُ النَّصُّ أَوْ يُعَمَّمُ ، وَحَيْثُ يَخْفَى فَاتِّبَاعُ اللَّفْظِ أَوْلَى ، فَأَمَّا اشْتِرَاطُ أَنْ يَلْتَمِسَ الْبَلَدِيُّ ذَلِكَ فَلَا يَقْوَى لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ ظُهُورِ الْمَعْنَى فِيهِ ، فَإِنَّ الضَّرَرَ الَّذِي عُلِّلَ بِهِ النَّهْيُ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ سُؤَالِ الْبَلَدِيِّ وَعَدَمِهِ . وَأَمَّا اشْتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فَمُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الظُّهُورِ وَعَدَمِهِ ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ ظُهُورِ السَّعَةِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ تَفْوِيتِ الرِّبْحِ وَالرِّزْقِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِالنَّهْيِ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ . وَقَالَ السُّبْكِيُّ : شَرْطُ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ مُعْتَبَرٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ عُمُومَهَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ مَعَ وُجُودِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ هَلْ يَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ أَوْ لَا يَصِحُّ؟ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ · ص 434 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر وهل يعينه أو ينصحه · ص 282 107 - حدثنا الصلت بن محمد ، قال : حدثنا معمر ، عن عبد الله بن عبد الواحد ، قال : حدثنا طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تلقوا الركبان ، ولا يبيع حاضر لباد ، قال : فقلت لابن عباس : ما قوله : لا يبيع حاضر لباد ؟ قال : لا يكون له سمسارا . مطابقته للترجمة من حيث إن قوله : لا يبيع حاضر لباد يوضح الإبهام الذي في الترجمة بالاستفهام وأن جوابه : لا يبيع . ( ذكر رجاله ) وهم ستة . الأول : الصلت بفتح الصاد المهملة وسكون اللام ، وفي آخره تاء مثناة من فوق ابن محمد بن عبد الرحمن الخاركي ، مر في الصلاة . الثاني : عبد الواحد بن زياد العبدي . الثالث : معمر بفتح الميمين ابن راشد . الرابع : عبد الله بن طاوس . الخامس : أبوه طاوس بن كيسان . السادس : عبد الله بن العباس . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وأنه وعبد الواحد ومعمر بصريون وعبد الله وأبوه يمانيان ، وفيه رواية الابن عن الأب . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الإجارة ، عن مسدد ، وأخرجه مسلم في البيوع أيضا ، عن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن محمد بن عبيد ، وأخرجه النسائي ، عن محمد بن رافع ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن عباس بن عبد العظيم . ( ذكر معناه ) قوله : لا تلقوا الركبان أصله لا تتلقوا بتاءين فحذفت إحداهما كما في نَارًا تَلَظَّى أصله تتلظى ، والركبان بضم الراء جمع راكب ، ولا يبيع بصورة النفي ويروى : ولا يبع بصورة النهي ، وفي رواية الكشميهني : لا تلقوا الركبان للبيع . قوله : سمسارا أي : دلالا ، والسمسار في الأصل هو القيم بالأمر والحافظ له ، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره ، ومعناه أن يبيع له بالأجرة ، وقد مر الكلام فيما مضى من الذي ذكر في هذا الباب ، وقال الكرماني : ولو خالف النهي وباع الحاضر للبادي صح البيع مع التحريم ( قلت ) : هذا عجيب منهم ؛ لأن النهي عندهم يرفع الحكم مطلقا ، فكيف يقولون صح البيع مع التحريم ؟ وهذا لا يمشي إلا على أصل الحنفية وقال أيضا : قال أبو حنيفة : يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقا لحديث الدين النصيحة ( قلت ) : ليس على الإطلاق ، بل إنما يجوز إذا لم يكن فيه ضرر لأحد المتعاقدين .