2190 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكًا وَسَأَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ : أَحَدَّثَكَ دَاوُدُ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ) هُوَ الْحَجَبِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ، بَصْرِيٌّ مَشْهُورٌ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ مَالِكًا إِلَخْ ) فِيهِ إِطْلَاقُ السَّمَاعِ عَلَى مَا قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ فَأَقَرَّ بِهِ ، وَقَدِ اسْتَقَرَّ الِاصْطِلَاحُ عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ مَخْصُوصٌ بِمَا حَدَّثَ بِهِ الشَّيْخُ لَفْظًا . قَوْلُهُ : ( وَسَأَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ ، وَالرَّبِيعُ أَبُوهُ هُوَ حَاجِبُ الْمَنْصُورِ وَهُوَ وَالِدُ الْفَضْلِ وَزِيرُ الرَّشِيدِ . قَوْلُهُ : ( رَخَّصَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالتَّشْدِيدِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : أَرْخَصَ . قَوْلُهُ : ( فِي بَيْعِ الْعَرَايَا ) أَيْ : فِي بَيْعِ ثَمَرِ الْعَرَايَا ؛ لِأَنَّ الْعَرِيَّةَ هِيَ النَّخْلَةُ وَالْعَرَايَا جَمْعُ عَرِيَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ . قَوْلُهُ : ( فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، بَيَّنَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الشُّرْبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أَنَّ دَاوُدَ تَفَرَّدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ : وَمَا رَوَاهُ عَنْهُ إِلَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ . وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَقَدِ اعْتَبَرَ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ بَيْعِ الْعَرَايَا بِمَفْهُومِ هَذَا الْعَدَدِ وَمَنَعُوا مَا زَادَ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْخَمْسَةِ لِأَجْلِ الشَّكِّ الْمَذْكُورِ ، وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْجَوَازُ فِي الْخَمْسَةِ فَمَا دُونَهَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَازُ فِيمَا دُونَ الْخَمْسَةِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْخَمْسَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ ، فَمَأْخَذُ الْمَنْعِ أَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ وَبَيْعُ الْعَرَايَا رُخْصَةٌ ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ بِمَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْجَوَازُ وَيُلْغَى مَا وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ . وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ ، هَلْ وَرَدَ مُتَقَدِّمًا ثُمَّ وَقَعَتِ الرُّخْصَةُ فِي الْعَرَايَا ، أَوِ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَقَعَ مَقْرُونًا بِالرُّخْصَةِ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ فِي الْخَمْسَةِ لِلشَّكِّ فِي رَفْعِ التَّحْرِيمِ ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ لِلشَّكِّ فِي قَدْرِ التَّحْرِيمِ ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ سَالِمٍ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ . وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ لَفْظَةَ دُونَ صَالِحَةٌ لِجَمِيعِ مَا تَحْتَ الْخَمْسَةِ ، فَلَوْ عَمِلْنَا بِهَا لَلَزِمَ رَفْعُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِهَا مُمْكِنٌ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَقَلِّ مَا تُصَدِّقُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِي ذَلِكَ ، وَزَعَمَ الْمَازِرِيُّ أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ ذَهَبَ إِلَى تَحْدِيدِ ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ فِيهِ فَتَعَيَّنَ طَرْحُ الرِّوَايَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الشَّكُّ وَالْأَخْذُ بِالرِّوَايَةِ الْمُتَيَقَّنَةِ ، قَالَ : وَأَلْزَمَ الْمُزَنِيُّ ، الشَّافِعِيَّ الْقَوْلَ بِهِ ، ا هـ ، وَفِيمَا نَقَلَهُ نَظَرٌ ، أَمَّا ابْنُ الْمُنْذِرِ فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِهِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ الْخَمْسَةَ لَا تَجُوزُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ مَا دُونَهَا ، وَهُوَ الَّذِي أَلْزَمَ الْمُزَنِيُّ أَنْ يَقُولَ بِهِ الشَّافِعِيُّ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ مِنْ كَلَامِهِ ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ قَوْمٍ قَالَ : وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ وَمَنِ اتَّبَعَهُمَا فِي جَوَازِ الْعَرَايَا فِي أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ مِمَّا لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمْ حَدِيثُ جَابِرٍ . قُلْتُ : حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ أَخْرَجُوهُ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ ، عَنْ جَابِرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ حِينَ أَذِنَ لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِخَرْصِهَا يَقُولُ : الْوَسْقُ وَالْوَسْقَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَ لَفْظُ أَحْمَدَ ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ : الِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ؟ وَأَمَّا جَعْلُهُ حَدًّا لَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهُ فَلَيْسَ بِالْوَاضِحِ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِمَالِكٍ بِقَوْلِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ : إِنَّ الْعَرِيَّةَ تَكُونُ ثَلَاثَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ . وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا لَوْ زَادَ فِي صَفْقَةٍ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ . وَخَرَجَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ جَوَازِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ ، وَلَوْ بَاعَ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فِي صَفْقَةٍ ثُمَّ بَاعَ مِثْلَهَا الْبَائِعُ بِعَيْنِهِ لِلْمُشْتَرِي بِعَيْنِهِ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى جَازَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَمَنَعَهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : نَعَمْ ) الْقَائِلُ هُوَ مَالِكٌ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى قَالَ : قُلْتُ لِمَالِكٍ أَحَدَّثَكَ دَاوُدُ فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : نَعَمْ وَهَذَا التَّحَمُّلُ يُسَمَّى عَرْضَ السَّمَاعِ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَخْتَارُهُ عَلَى التَّحْدِيثِ مَنْ لَفْظِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْحَدِيثِ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ الشَّيْخُ : نَعَمْ أَمْ لَا وَالصَّحِيحُ أَنَّ سُكُوتَهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إِقْرَارِهِ إِذَا كَانَ عَارِفًا وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ ، وَإِذَا قَالَ نَعَمْ فَهُوَ أَوْلَى بِلَا نِزَاعٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ · ص 453 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب بيع الثمر على رؤوس النخل بالذهب والفضة · ص 302 135 - حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال : سمعت مالكا وسأله عبيد الله بن الربيع قال : أحدثك داود ، عن أبي سفيان ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق ؟ قال : نعم . مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث السابق فيه ذكر العرايا ، وهذا الحديث في العرايا فهو مطابق له من هذه الحيثية ، والمطابق للمطابق مطابق لذلك المطابق ، والحديث السابق فيه ذكر العرايا مطلقا ، وهذا الحديث يشعر أن المراد من ذلك المطلق هو المقيد بخمسة أوسق كما يجيء بيانه مفصلا إن شاء الله تعالى . ( ذكر رجاله ) وهم ستة . الأول : عبد الله بن عبد الوهاب أبو محمد الحجبي . الثاني : مالك بن أنس . الثالث : عبيد الله بتصغير العبد ابن الربيع ، وكان الربيع حاجبا للخليفة أبي جعفر المنصور ، وهو والد الفضل وزير الخليفة هارون الرشيد . الرابع : داود بن الحصين بضم الحاء ، وقد مضى في الباب الذي قبله . الخامس : أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد ، وقد مضى هو أيضا مع داود هناك . السادس : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد بصيغة الاستفهام في موضع ، وفيه السماع والسؤال ، وهو إطلاق السماع على ما قرئ على الشيخ فأقر به بقوله نعم ، والاصطلاح عند المحدثين على أن السماع مخصوص بما حدث به الشيخ لفظا ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وهو بصري ، وداود وأبو سفيان مدنيان ، وقد ذكرنا أنه ليس لداود ولا لأبي سفيان حديث في البخاري سوى حديثين أحدهما هذا ، والآخر عن أبي سعيد المذكور في الباب الذي قبله . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الشروط ، عن يحيى بن قزعة ، عن مالك به ، وأخرجه مسلم في البيوع ، عن القعنبي ويحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك به ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي به ، وأخرجه الترمذي فيه ، عن قتيبة ، وعن أبي كريب ، عن زيد بن وهب ، كلاهما عن مالك ، وأخرجه النسائي فيه وفي الشروط ، عن إسحاق بن منصور الكوسج ويعقوب بن إبراهيم الدورقي ، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك به . ( ذكر معناه ) قوله : رخص بالتشديد من الترخيص ، كذا هو عند الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني أرخص من الإرخاص . قوله : في بيع العرايا أي : في بيع ثمر العرايا ؛ لأن العرايا هي النخل . قوله : في خمسة أوسق ، وهو وسق بفتح الواو ، وقيل : بالكسر أيضا ، والفتح أفصح ، وهو ستون صاعا ، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز وأربعمائة وثمانون رطلا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمد ، والأصل في الوسق الحمل ، وكل شيء وسقته فقد حملته . قوله : أو دون خمسة أوسق شك من الراوي ، وقد بينه مسلم في روايته أن الشك من داود بن الحصين ، ولفظه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة ، شك داود قال : خمسة أو دون خمسة ، والحديث رواه الطحاوي أيضا : حدثنا ابن مرزوق ، قال : حدثنا القعنبي وعثمان بن عمر قالا : حدثنا مالك بن أنس ، عن داود بن الحصين ، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق ، شك داود في خمسة أو فيما دون خمسة . قوله : قال : نعم القائل هو مالك ، وهذا التحمل يسمى عرض السماع ، وكان مالك يختاره على التحديث في لفظه ، واختلف المحدثون فيما إذا سكت الشيخ فالصحيح أنه ينزل منزلة الإقرار إذا كان عارفا ولم يمنعه مانع ، والأولى أن يقول : نعم ، لما فيه من قطع النزاع . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال ابن قدامة في المغني : العرايا لا تجوز إلا فيما دون خمسة أوسق ، وبهذا قال ابن المنذر والشافعي في أحد قوليه ، وقال مالك والشافعي في قوله الآخر : تجوز في الخمسة ، ورواه الجوزجاني ، عن إسماعيل بن سعيد ، عن أحمد ، واتفقا على أنها لا تجوز في الزيادة على خمسة أوسق ، وقال أيضا : إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر لا أقل منه ولا أكثر ، ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلوما بالكيل ، ولا يجوز جزافا ، ولا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافا ، واختلف في معنى خرصها من التمر فقيل : معناه أن يطيف الخارص بالعرية فينظر كم يجيء منها تمرا فيشتريها بمثله من التمر ، وهذا مذهب الشافعي ، ونقل حنبل ، عن أحمد أنه قال بخرصها رطبا ويعطى تمرا ، ولا يجوز أن يشتريها بخرصها رطبا ، وهو أحد الوجوه لأصحاب الشافعي ، والثاني : يجوز ، والثالث : يجوز مع اختلاف النوع ، ولا يجوز مع اتفاقه ، ولا يجوز بيعها إلا لمحتاج إلى أكلها رطبا ، ولا يجوز بيعها لغني ، وهذا أحد قولي الشافعي ، وأباحها في القول الآخر مطلقا للغني والمحتاج ، ولا يجوز بيعها في غير النخل ، وهو مذهب الليث ، وقال القاضي : يجوز في بقية الثمار من العنب والتين وغيرهما ، وهو قول مالك والأوزاعي وأجازه الشافعي في النخل والعنب دون غيرهما . انتهى . وقال القاضي : قوله : فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق ما يدل أنه يختص بما يوسق ويكال ، وقال الكرماني : قال الشافعي : الأصل تحريم بيع المزابنة ، وجاءت العرايا رخصة ، والراوي شك في الخمسة فوجب الأخذ باليقين وطرح المشكوك ، فبقيت الخمسة على التحريم الذي هو الأصل . انتهى . ( قلت ) : يرد عليه ما رواه أحمد والطحاوي والبيهقي من حديث محمد بن إسحاق ، عن محمد بن يحيى بن حبان ، عن الواسع بن حبان ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة ، وقال : في كل عشرة أقناء قنو يوضع في المسجد للمساكين ، هذا لفظ الطحاوي ، والأقناء جمع قنو بكسر القاف وسكون النون ، وهو العذق بما فيه من الرطب ، وقال المازري : ذهب ابن المنذر إلى تحديد ذلك بأربعة أوسق لوروده في حديث جابر من غير شك فيه ، فتعين طرح الرواية التي وقع فيها الشك والأخذ بالرواية المتيقنة ، قال : وألزم المزني الشافعي - رضي الله تعالى عنه - القول به . انتهى . ( قلت ) : الإلزام موجود فيما رواه أحمد والطحاوي - رضي الله تعالى عنهما - أيضا ، وقال بعضهم : وفيما نقله المازري نظر ؛ لأن ما نقله ليس في شيء من كتب ابن المنذر . انتهى . ( قلت ) : هذه مدافعة بغير وجه لأنه لا يلزم من نفي كون هذا في كتبه بدعواه أن يرد ما نقله المازري لإمكان اطلاعه فيما لم يطلع عليه هذا القائل ، واحتج بعض المالكية بأن لفظة دون خمسة أوسق صالحة لجميع ما تحت الخمسة ، فلو علمنا بها للزم رفع هذه الرخصة ، ورد بأن العمل بها ممكن بأن يحمل على أقل ما تصدق عليه ، قيل : وهو المفتى به في مذهب الشافعي .