103 - بَاب لَا يُذَابُ شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ رَوَاهُ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 2223 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا ، فَقَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا يُذَابُ شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ رَوَاهُ جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ : رَوَى مَعْنَاهُ . وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي بَابِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالْأَصْنَامِ . قَوْلُهُ : ( بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا ، فَقَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزَّعْفَرَانِيِّ : عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا : اخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ بَيْعِ سَمُرَةَ لِلْخَمْرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَنْ قِيمَةِ الْجِزْيَةِ فَبَاعَهَا مِنْهُمْ ، مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ ، وَهَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، عَنِ ابْنِ نَاصِرٍ ، وَرَجَّحَهُ ، وَقَالَ : كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُمْ بَيْعَهَا فَلَا يَدْخُلُ فِي مَحْظُورٍ ، وَإِنْ أَخَذَ أَثْمَانَهَا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَاطَ مُحَرَّمًا ، وَيَكُونُ شَبِيهًا بِقِصَّةِ بَرِيرَةَ ، حَيْثُ قَالَ : هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ . وَالثَّانِي قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاعَ الْعَصِيرَ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا ، وَالْعَصِيرُ يُسَمَّى خَمْرًا كَمَا قَدْ يُسَمَّى الْعِنَبُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إِلَيْهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، قَالَ : وَلَا يُظَنُّ بِسَمُرَةَ أَنَّهُ بَاعَ عَيْنَ الْخَمْرِ بَعْدَ أَنْ شَاعَ تَحْرِيمُهَا ، وَإِنَّمَا بَاعَ الْعَصِيرُ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ خَلَّلَ الْخَمْرَ وَبَاعَهَا ، وَكَانَ عُمَرُ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُحِلُّهَا ، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَاعْتَقَدَ سَمُرَةُ الْجَوَازَ كَمَا تَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ يَحِلُّ التَّخْلِيلُ ، وَلَا يَنْحَصِرُ الْحِلُّ فِي تَخْلِيلِهَا بِنَفْسِهَا ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الْجَوْزِيِّ : وَالْأَشْبَهُ الْأَوَّلُ . قُلْتُ : وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَخْذهَا عَنِ الْجِزْيَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَصَلَتْ لَهُ عَنْ غَنِيمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَقَدْ أَبْدَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الْمَدْخَلِ فِيهِ احْتِمَالًا آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ سَمُرَةَ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَلَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ بَيْعِهَا وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عُمَرُ عَلَى ذَمِّهِ دُونَ عُقُوبَتِهِ ، وَهَذَا هُوَ الظَّنُّ بِهِ ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّ سَمُرَةَ كَانَ وَالِيًا لِعُمَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ أَطْلَقَ أَنَّهُ كَانَ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَهُوَ وَهَمٌ ؛ فَإِنَّمَا وَلِيَ سَمُرَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ لِزِيَادٍ وَابْنِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ بَعْدَ عُمَرَ بِدَهْرٍ ، وُلَاةُ الْبَصْرَةِ لِعُمَرَ قَدْ ضُبِطُوا وَلَيْسَ مِنْهُمْ سَمُرَةُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أُمَرَائِهَا اسْتَعْمَلَ سَمُرَةَ عَلَى قَبْضِ الْجِزْيَةِ . قَوْلُهُ : ( حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ ) أَيْ : أَكْلُهَا ، وَإِلَّا فَلَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَيْعُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حِيلَةٌ فِيمَا صَنَعُوهُ مِنْ إِذَابَتِهَا . قَوْلُهُ : ( فَجَمَلُوهَا ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ ، أَيْ : أَذَابُوهَا ، يُقَالُ : جَمَلَهُ إِذَا أَذَابَهُ ، وَالْجَمِيلُ : الشَّحْمُ الْمُذَابُ ، وَوَجْهُ تَشْبِيهِ عُمَرَ بَيْعَ الْمُسْلِمِينَ الْخَمْرَ بِبَيْعِ الْيَهُودِ الْمُذَابَ مِنَ الشَّحْمِ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّهْيِ عَنْ تَنَاوُلِ كُلٍّ مِنْهُمَا ، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَا حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ كَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَسِبَاعِ الطَّيْرِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ اشْتِرَاكَهُمَا فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَارَ بِالنَّهْيِ عَنْ تَنَاوُلِهِ نَجَسًا ، هَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنْ الطَّبَرِيِّ وَأَقَرَّهُ ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ بَلْ كُلُّ مَا حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ ، وَتَنَاوُلُ الْحُمُرِ وَالسِّبَاعِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا حُرِّمَ أَكْلُهُ إِنَّمَا يَتَأَتَّى بَعْدَ ذَبْحِهِ ، وَهُوَ بِالذَّبْحِ يَصِيرُ مَيْتَةً ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ ، وَإِذَا صَارَ مَيْتَةً صَارَ نَجَسًا ، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ . فَالْإِيرَادُ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ وَارِدٍ ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَإِنْ خَالَفَ فِي بَعْضِهِ بَعْضُ النَّاسِ ، وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ : الِابْنُ إِذَا وَرِثَ جَارِيَةَ أَبِيهِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا ، وَجَازَ لَهُ بَيْعُهَا وَأَكْلُ ثَمَنِهَا ، فَأَجَابَ عِيَاضٌ عَنْهُ بِأَنَّهُ تَمْوِيهٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِهَا مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ ، وَالِانْتِفَاعُ بِهَا لِغَيْرِهِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ وَغَيْرِهِ حَلَالٌ إِذَا مَلَكَهَا ، بِخِلَافِ الشُّحُومِ ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَهُوَ الْأَكْلُ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى الْيَهُودِ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَعَلَى كُلِّ شَخْصٍ فَافْتَرَقَا . وَفِي الْحَدِيثِ لَعْنُ الْعَاصِي الْمُعِينِ ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ قَوْلَ عُمَرَ قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ لَمْ يُرِدْ بِهِ ظَاهِرَهُ ، بَلْ هِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ إِرَادَةِ الزَّجْرِ ، فَقَالَهَا فِي حَقِّهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ ، وَفِيهِ إِقَالَةُ ذَوِي الْهَيْئَاتِ زَلَّاتِهِمْ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ اكْتَفَى بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَنْ مَزِيدِ عُقُوبَةٍ وَنَحْوِهَا ، وَفِيهِ إِبْطَالُ الْحِيَلِ وَالْوَسَائِلِ إِلَى الْمُحَرَّمِ ، وَفِيهِ تَحْرِيمُ بَيْعِ الْخَمْرِ ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ : يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعُنْقُودِ الْمُسْتَحِيلِ بَاطِنُهُ خَمْرًا ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ ذَلِكَ فَقِيلَ : لِنَجَاسَتِهَا ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ ، وَقِيلَ : لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهَا ، وَفِيهِ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا حُرِّمَ عَيْنُهُ حُرِّمَ ثَمَنُهُ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْخَمْرَ مِنَ الذِّمِّيِّ لَا يَجُوزُ ، وَكَذَا تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ بَيْعِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي خِطَابِ الْكَافِرِ بِالْفُرُوعِ ، وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ جُثَّةِ الْكَافِرِ إِذَا قَتَلْنَاهُ ، وَأَرَادَ الْكَافِرُ شِرَاءَهُ . وَعَلَى مَنْعِ بَيْعِ كُلِّ مُحَرَّمٍ نَجَسٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَالسِّرْقِينِ ، وَأَجَازَ ذَلِكَ الْكُوفِيُّونَ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ لِاحْتِيَاجِ الْمُشْتَرِي دُونَهُ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بَيَانُ الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْمَقَالَةَ ، وَفِيهِ الْبَحْثُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ وَإِنْ حَرُمَ بَيْعُهَا ، وَمَا يُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا يُذَابُ شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ · ص 483 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه · ص 36 ( باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه ) أي هذا باب يذكر فيه لا يذاب شحم الميتة ، ولا يذاب مجهول من يذيب إذابة ، من ذاب الشيء ذوبا ضد جمد . قوله : « ودكه » بفتح الواو والدال ، وفي المغرب : الودك من اللحم والشحم ما يتحلب منه ، وقول الفقهاء ودك الميتة من ذلك ، وقال ابن الأثير : الودك هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه . رواه جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أي روى المذكور من ترك إذابة شحم الميتة وترك بيع الودك جابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا تعليق أسنده البخاري في باب بيع الميتة والأصنام ، يأتي بعد ثمانية أبواب . 166 - ( حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا عمرو بن دينار قال : أخبرني طاوس أنه سمع ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول : بلغ عمر أن فلانا باع خمرا ، فقال : قاتل الله فلانا ، ألم يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قاتل الله اليهود ؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها ) . مطابقته للترجمة في قوله : حرمت عليهم الشحوم فجملوها ، بالجيم ، والحميدي بضم الحاء المهملة هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي المكي ، وهو من أفراد البخاري ، وسفيان هو ابن عيينة ، وكان الحميدي أثبت الناس فيه ، وقال : جالسته تسع عشرة سنة أو نحوها ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في ذكر بني إسرائيل عن علي بن عبد الله ، عن سفيان ، وأخرجه مسلم في البيوع أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، وإسحاق بن إبراهيم ، ثلاثتهم عن ابن عيينة به ، وعن أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع ، وأخرجه النسائي في الذبائح ، وفي التفسير عن إسحاق بن إبراهيم به ، وأخرجه ابن ماجة في الأشربة عن أبي بكر بن أبي شيبة به . قوله : « قاتل الله فلانا » قال البيضاوي : أي عاداهم ، وقيل : قتلهم ، فأخرج في صورة المبالغة أو عبر عنه بما هو سبب عنه ، فإنهم بما اخترعوا من الحيل انتصبوا لمحاربة الله ومقاتلته ، ومن قاتله قتله . وقال الخطابي : قيل : إن الذي فيه عمر - رضي الله تعالى عنه - هذا القول سمرة ، فإنه خللها ثم باعها ، وكيف يجوز على مثل سمرة أن يبيع عين الخمر وقد شاع تحريمها ؟! لكنه أول فيها بأن خللها وغير اسمها كما أولوه بالإذابة في الشحم ، فعابه عمر على ذلك ، انتهى . قلت : قال مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، وإسحاق بن إبراهيم ، واللفظ لأبي بكر قال : حدثنا سفيان عن عمرو ، وعن طاوس ، عن ابن عباس قال : بلغ عمر - رضي الله تعالى عنه - أن سمرة باع خمرا ، فقال : قاتل الله سمرة ، ألم يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : "لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" ، ورواه البيهقي من طريق الزعفراني عن سفيان ، وزاد في روايته سمرة بن جندب . وقال القرطبي وغيره : اختلف في تفسيره بيع سمرة الخمر على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم ، معتقدا جواز ذلك . والثاني : أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمرا ، والعصير يسمى خمرا كما يسمى العنب به ؛ لأنه يؤول إليه ، قال الخطابي : ولا يظن بسمرة أنه باع عين الخمر بعد أن شاع تحريمها ، وإنما باع العصير . والثالث : أن يكون خلل الخمر وباعها لما ذكرنا آنفا . وقال الإسماعيلي في كتابه المدخل : يجوز أن سمرة علم بتحريمها ولم يعلم بحرمة بيعها ، ولو لم يكن كذلك لما أقره عمر على عمله ، ولعزله لو فعله عن علم ، انتهى . وهذا يرد قول بعضهم : ولم أر في شيء من الأخبار أن سمرة كان واليا لعمر على شيء من أعماله ، انتهى ، لأن قول الذي اطلع على شيء حجة على قول من يدعي عدم الاطلاع عليه ، وأيضا الدعوى بعدم رؤية شيء في الأخبار الذي نقله غير واحد من الحفاظ غير مسموعة ؛ لأنه يبعد أن يطلع أحد على جميع ما وقع في قضية من الأخبار . قوله : « قاتل الله اليهود » فسره البخاري من رواية أبي ذر باللعنة ، وهو قول ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - ، وقال الهروي : معناه قتلهم الله ، وحكي عن بعضهم : عاداهم ، والأصل في فاعل أن يكون من اثنين ، وربما يكون من واحد ، مثل سافرت وطارقت . قوله : « فجملوها » بالجيم ، أي : أذابوها ، يقال : جمل الشحم يجمله ، من باب نصر ينصر إذا أذابه ، ومنه الجميل ، وهو الشحم المذاب ، وقال الداودي : ومنه سمي الجمال ؛ لأنه يكون عن الشحم وليس هذا بين ؛ لأنه قد يكون بعد الهزال . وقال بعضهم : وجه تشبيه عمر - رضي الله تعالى عنه - بيع المسلمين الخمر ببيع اليهودي المذاب من الشحم الاشتراك في النهي عن تناول كل منهما . قلت : هذا لا يسمى تشبيها لعدم شروط التشبيه فيه ، وإنما هو تمثيل ، يعني بيع فلان الخمر مثل بيع اليهودي الشحم المذاب ، والمعنى حال هذا الرجل الذي باع الخمر العجيبة الشأن ، كحال اليهود الذين حرم عليهم الشحم ، ثم جملوه فباعوه ، وعلماء البيان قد فرقوا بين التشبيه والتمثيل ، وجعلوا لكل واحد بابا مفردا ، نعم إذا كان وجه التشبيه منتزعا من أمور يسمى تمثيلا كما في تشبيه : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا فإن تشبيه مثل اليهود الذين كلفوا بالعمل بما في التوراة ، ثم لم يعملوا بذلك بمثل الحمار الحامل للأسفار ، فإن وجه التشبيه بينهما وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع الكد والتعب في استصحابه لا يخفي كونه منتزعا من عدة أمور . وقال هذا القائل أيضا : كل ما حرم تناوله حرم بيعه . قلت : قد ذكرنا فيما مضى أن هذا ليس بكلي ، فإن الحية يحرم تناولها ولا يحرم بيعها للضرورة للتداوي ، وقال أيضا : وتناول الخمر والسباع وغيرهما مما حرم أكله ، إنما يتأتى بعد ذبحه ، وهو بالذبح يصير ميتة ؛ لأنه لا ذكاة له ، وإذا صارت ميتة صار نجسا ولم يجز بيعه ، انتهى . قلت : كان ينبغي له أن يقول هذا في مذهبنا ؛ لأن من لم يقف على مذاهب العلماء في مثل هذا ، يعتقد أنه أمر مجمع عليه ، وليس كذلك ، فإن عندنا ما لا يؤكل لحمه إذا ذبح يطهر لحمه حتى إذا صلى ومعه من ذلك أكثر من قدر الدرهم تصح صلاته ، ولو وقع في الماء لا ينجسه ؛ لأنه بالذكاة يطهر ؛ لأن الذكاة أبلغ من الدباغ في إزالة الدماء والرطوبات ، وقال الكرخي : كل حيوان يطهر جلده بالدباغ يطهر بالذكاة ، فهذا يدل على أنه يطهر لحمه وشحمه وسائر أجزائه ، وفي البدائع : الذكاة تطهر المذكي بجميع أجزائه إلا الدم المسفوح هو الصحيح ، وقال ابن بطال : أجمع العلماء على تحريم بيع الميتة بتحريم الله تعالى لها ، قال تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ واعترض بعض الملاحدة بأن الابن إذا ورث من أبيه جارية كان الأب وطأها ، فإنها تحرم على الابن ، ويحل له بيعها بالإجماع وأكل ثمنها . وقال القاضي : هذا تمويه على من لا علم عنده ؛ لأن جارية الأب لم يحرم على الابن منها غير الاستمتاع على هذا الولد دون غيره من الناس ، ويحل لهذا الابن الانتفاع بها في جميع الأشياء سوى الاستمتاع ، ويحل لغيره الاستمتاع وغيره ، بخلاف الشحوم فإنها محرمة ، المقصود منها وهو الأكل منها على جميع اليهود ، وكذلك شحوم الميتة محرمة الأكل على كل أحد ، فكان ما عدا الأكل تابعا ، بخلاف موطوءة الأب . وفي الحديث لعن العاصي المعين ، ولكن يحتمل أن قول عمر كان للتغليظ ؛ لأن هذا كلمة تقولها العرب عند إرادة الزجر ، وليست على حقيقتها ، وفيه إبطال الحيل والوسائل إلى المحرم . وفيه تحريم بيع الخمر ، وقال ابن المنذر وغيره : فيه الإجماع ، وشذ من قال : يجوز بيعها ، ويجوز بيع العنقود المستحيل باطنه خمرا . وقال بعضهم : فيه أن الشيء إذا حرم عينه حرم ثمنه ، قلت : هذا ليس بكلي ، وقال أيضا : فيه دليل على أن بيع المسلم الخمر من الذمي لا يجوز ، وكذا توكيل الذمي المسلم في بيع الخمر ، قلت : لا خلاف في المسألة الأولى ولا في الثانية ، ولكن الخلاف فيما إذا وكل الذمي المسلم ببيع الخمر ، والحديث لا يدل على مسألة التوكيل من الجانبين . وفيه استعمال القياس في الأشباه والنظائر ، وقال بعضهم : واستدل به على تحريم جثة الكافر إذا قتلناه وأراد الكفار شراءه . قلت : وجه هذا الاستدلال من هذا الحديث غير ظاهرة .