112 - بَاب بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالْأَصْنَامِ 2236- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ : إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ ؛ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ، فَقَالَ : لَا ، هُوَ حَرَامٌ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ؛ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ . وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ : كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ : سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالْأَصْنَامِ ) أَيْ : تَحْرِيمُ ذَلِكَ ، وَالْمَيْتَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ : مَا زَالَتْ عَنْهُ الْحَيَاةُ لَا بِذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ ، وَالْمِيتَةُ بِالْكَسْرِ : الْهَيْئَةُ وَلَيْسَتْ مُرَادًا هُنَا ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ . وَالْأَصْنَامُ جَمْعُ صَنَمٍ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هُوَ الْوَثَنُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْوَثَنُ مَا لَهُ جُثَّةٌ ، وَالصَّنَمُ مَا كَانَ مُصَوَّرًا ، فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ ، فَإِنْ كَانَ مُصَوَّرًا فَهُوَ وَثَنٌ وَصَنَمٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَطَاءٍ ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ تِلْوَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُتَّصِلَةِ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَطَاءٍ ، وَإِنَّمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ ، وَلِيَزِيدَ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ ذَكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَأَلْتُ أَبِي عَنْهُ ، فَقَالَ : قَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَيَزِيدُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَطَاءٍ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمِصْرِيِّينَ رَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ مُتَابِعًا لِعَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَهُوَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ مَحَلُّهُ الصِّدْقَ . قُلْتُ : قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَرِوَايَةُ أَبِي عَاصِمٍ عَنْهُ الْمُوَافِقَةُ لِرِوَايَةِ غَيْرِهِ عَنْ يَزِيدَ أَرْجَحُ ، فَتَكُونُ رِوَايَةُ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ شَاذَّةً . قَوْلُهُ : ( عَنْ جَابِرٍ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ اللَّيْثِ بِسَنَدِهِ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بِمَكَّةَ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ ) فِيهِ بَيَانُ تَارِيخِ ذَلِكَ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَعَادَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَسْمَعَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِإِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى ضَمِيرِ الْوَاحِدِ وَكَانَ الْأَصْلُ حَرَّمَا فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأَدَّبَ فَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ فِي ضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَوْعِ مَا رَدَّ بِهِ عَلَى الْخَطِيبِ الَّذِي قَالَ : وَمَنْ يَعْصِهِمَا كَذَا قَالَ ، وَلَمْ تَتَّفِقِ الرُّوَاةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحِ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ لَيْسَ فِيهِ وَرَسُولَهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَرْدَوْيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ اللَّيْثِ : إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا وَقَدْ صَحَّ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ : إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَنْهَاكُمْ وَالتَّحْقِيقُ جَوَازُ الْإِفْرَادِ فِي مِثْلِ هَذَا ، وَوَجْهُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ نَاشِئٌ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ وَالْمُخْتَارُ فِي هَذَا أَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى حُذِفَتْ لِدَلَالَةِ الثَّانِيَةِ عَلَيْهَا ، وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ : وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ، وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ، وَهُوَ كَقَوْلِ الشَّاعِر : نَحْنُ بِمَا عِنْدنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْـ ـدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وَقِيلَ : أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ خَبَرٌ عَنِ الِاسْمَيْنِ ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ تَابِعٌ لِأَمْرِ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْقَائِلِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْآتِيَةِ فَقَالَ رَجُلٌ . قَوْلُهُ : ( أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ) أَيْ : فَهَلْ يَحِلُّ بَيْعُهَا لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمَنَافِعِ ؛ فَإِنَّهَا مُقْتَضِيَةٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : لَا ، هُوَ حَرَامٌ ) أَيِ : الْبَيْعُ ، هَكَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيِّ وَمَنِ اتَّبَعَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ : وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الِانْتِفَاعِ فَقَالَ : يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، فَلَا يُنْتَفَعُ مِنَ الْمَيْتَةِ أَصْلًا عِنْدَهُمْ إِلَّا مَا خُصَّ بِالدَّلِيلِ وَهُوَ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَتَنَجَّسُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ : لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَتْ لَهُ دَابَّةٌ سَاغَ لَهُ إِطْعَامُهَا لِكِلَابِ الصَّيْدِ فَكَذَلِكَ يَسُوغُ دَهْنُ السَّفِينَةِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ وَلَا فَرْقَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذَلِكَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ . . . إِلَخْ ) وَسِيَاقُهُ مُشْعِرٌ بِقُوَّةِ مَا أَوَّلَهُ الْأَكْثَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ هُوَ حَرَامٌ الْبَيْعُ لَا الِانْتِفَاعُ ، وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : الْوَيْلُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، إِنَّهُ لَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ بَاعُوهَا فَأَكَلُوا ثَمَنَهَا ، وَكَذَلِكَ ثَمَنُ الْخَمْرِ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ وَقَدْ مَضَى فِي بَابِ تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الْخَمْرِ حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ) هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ وَصَلَهَا أَحْمَدُ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ وَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ ، وَلَمْ يَسْبِقْ لَفْظُهُ بَلْ قَالَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَصْلَ الْحَدِيثِ ، وَإِلَّا فَفِي سِيَاقِهِ بَعْضُ مُخَالَفَةٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَلَفْظُهُ : يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَنَازِيرِ وَبَيْعَ الْمَيْتَةِ وَبَيْعَ الْخَمْرِ وَبَيْعَ الْأَصْنَامِ ، قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَا تَرَى فِي بَيْعِ شُحُومِ الْمَيْتَةِ ؟ فَإِنَّهَا تُدْهَنُ بِهَا السُّفُنُ وَالْجُلُودُ وَيُسْتَصْبَحُ بِهَا . فَقَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ يَهُودَ الْحَدِيثَ . فَظَهَرَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ بَيْعِ الشُّحُومِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْنَاهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَهُوَ عِنْدَ الرُّكْنِ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : الْعِلَّةُ فِي مَنْعِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ النَّجَاسَةُ فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى كُلِّ نَجَاسَةٍ ، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ مَالِكٍ طَهَارَةُ الْخِنْزِيرِ . وَالْعِلَّةُ فِي مَنْعِ بَيْعِ الْأَصْنَامِ عَدَمُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ إِذَا كُسِرَتْ يُنْتَفَعُ بِرُضَاضِهَا جَازَ بَيْعُهَا عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْمَنْعِ حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِهَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهَا ، وَيَلْتَحِقُ بِهَا فِي الْحُكْمِ الصُّلْبَانُ الَّتِي تُعَظِّمُهَا النَّصَارَى ، وَيَحْرُمُ نَحْتُ جَمِيعِ ذَلِكَ وَصَنْعَتُهُ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إِلَّا مَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَلِذَلِكَ رَخَّصَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَلِيلِ مِنْ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ لِلْخَرَزِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ ، فَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْمَيْتَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَا لَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ كَالشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ ، وَزَادَ بَعْضُهُمُ الْعَظْمَ وَالسِّنَّ وَالْقَرْنَ وَالظِّلْفَ ، وَقَالَ بِنَجَاسَةِ الشُّعُورِ الْحَسَنُ وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ . وَلَكِنَّهَا تَطْهُرُ عِنْدَهُمْ بِالْغَسْلِ ، وَكَأَنَّهَا مُتَنَجِّسَةٌ عِنْدَهُمْ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ رُطُوبَاتِ الْمَيْتَةِ لَا نَجِسَةَ الْعَيْنِ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي عَظْمِ الْفِيلِ إِنَّهُ يَطْهُرُ إِذَا سُلِقَ بِالْمَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ لَا يُذَابُ شَحْمُ الْمَيْتَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب بَيْعِ الْمَيْتَةِ وَالْأَصْنَامِ · ص 495 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب بيع الميتة والأصنام · ص 54 ( باب بيع الميتة والأصنام ) أي هذا باب في بيان تحريم بيع الميتة وتحريم بيع الأصنام ، وهو جمع صنم ، قال الجوهري : هو الوثن ، وقال غيره : الوثن ما له جثة والصنم ما كان مصورا ، وقال ابن الأثير : الصنم ما اتخذ إلها من دون الله ، وقيل : الصنم ما كان له جسم أو صورة ، فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن ، وقال في باب الواو بعدها الثاء المثلثة : الفرق بين الصنم والوثن أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض : أو من الخشب والحجارة : كصورة الآدمي يعمل وينصب فيعبد ، والصنم الصورة بلا جثة . ومنهم من لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين ، وقد يطلق الوثن على غير الصورة ، وقد يطلق الوثن على الصليب ، والميتة بفتح الميم هي التي تموت حتف أنفها من غير ذكاة شرعية ، والإجماع على تحريم الميتة ، واستثني منها السمك والجراد . 178 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عام الفتح وهو بمكة : إن الله ورسوله حرم بيع الخمر ، والميتة ، والخنزير ، والأصنام . فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة ، فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس ، فقال : لا هو حرام ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك : قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ، ثم باعوه فأكلوا ثمنه . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن قتيبة ، وفي التفسير عن عمرو بن خالد عن الليث ببعضه ، وأخرجه مسلم أيضا في البيوع عن قتيبة به ، وعن محمد بن المثنى ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة به ، وعن محمد بن بشار عن أبي عاصم به ، وأخرجه الترمذي والنسائي جميعا فيه عن قتيبة به ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات عن عيسى بن حماد عن الليث به . ( ذكر معناه ) قوله : « عن عطاء » هذا رواية متصلة ، ولكن نبه البخاري في الرواية المعلقة التي عقيب هذه بأن يزيد بن أبي حبيب لم يسمعه من عطاء ، وإنما كتب به إليه على ما يأتي ، وقد اختلف العلماء في الاحتجاج بالكتابة ، فذهب إلى صحتها أيوب السختياني ، ومنصور ، والليث بن سعد وآخرون ، واحتج بها الشيخان ، وقال ابن الصلاح : إنه الصحيح المشهور ، وقال أبو بكر بن السمعاني : إنها أقوى من الإجازة ، وتكلم فيها بعضهم ولم يرها حجة ؛ لأن الخطوط تشتبه ، وبه جزم الماوردي في الحاوي . قوله : « عن جابر » ، وفي رواية أحمد عن حجاج بن محمد عن الليث بسنده سمعت جابر بن عبد الله بمكة . قوله : « عام الفتح » ، أي : فتح مكة . قوله : « وهو بمكة » جملة حالية فيه بيان تاريخ ذلك ، وكان ذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة ، قيل : يحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك ، ثم أعاده - صلى الله تعالى عليه وسلم - يسمعه من لم يكن سمعه . قوله : « إن الله ورسوله حرم » هكذا هو في الأصول الصحيحة حرم بإفراد الفعل ولم يقل حرما ، وهكذا في الصحيحين وسنن النسائي وابن ماجه ، وأما أبو داود ، فقال : « إن الله حرم » ليس فيه « ورسوله » ، وقد وقع في بعض الكتب : « إن الله ورسوله حرما » بالتثنية ، وهو القياس ، وهكذا رواه ابن مردويه في تفسيره من طريق الليث أيضا ، والمشهور في الرواية الأولى ، ووجهه أنه لما كان أمر الله هو أمر رسوله ، وكان النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لا يأمر إلا بما أمر الله به ، كان كأن الأمر واحد ، وقال صاحب المفهم : كان أصله حرما ، لكن تأدب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى في ضمير الاثنين ؛ لأن هذا من نوع ما رده على الخطيب الذي قال : ومن يعصهما فقد غوى ، فقال : بئس الخطيب أنت ! قل : ومن يعص الله ورسوله . قال : وصار هذا مثل قوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فيمن قرأ بنصب رسوله ، غير أن الحديث فيه تقديم وتأخير ؛ لأنه كان حقه أن يقدم حرم على رسوله كما جاء في الآية ، وقال شيخنا : قد ثبت في الصحيح تثنية الضمير في غير حديث ، ففي الصحيحين من حديث أنس - رضي الله تعالى عنه - : فنادى منادي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ، وفي رواية لمسلم : فأمر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أبا طلحة فنادى : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ، وفي رواية النسائي : "إن الله - عز وجل - ورسوله ينهاكم" بالإفراد ، وروى أبو داود من حديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - ، أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان إذا تشهد قال : الحمد لله نستعينه ، وفيه : من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه . قوله : « فقيل يا رسول الله » ، وفي رواية عبد الحميد الآتية :« فقال رجل» . قوله : « أرأيت » ، أي : أخبرني عن شحوم الميتة ، إلى قوله : « الناس » ، أي : أخبرني هل يحل بيعها ؛ لأن فيها منافع مقتضية لصحة البيع . قوله : « فقال لا » أي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تبيعوها هو حرام ، أي : بيعها حرام ، هكذا فسر بعض العلماء ، منهم الشافعي ، ومنهم من قال يحرم الانتفاع بها ، فلا يجوز الانتفاع من الميتة أصلا عندهم إلا ما خص بالدليل ، كالجلد إذا دبغ ، وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث عن ثلاثة أشياء : الأول عن طلي السفن ، والثاني عن دهن الجلود ، والثالث عن الاستصباح ، كل ذلك بشحوم الميتة ، وكان سؤالهم عن بيع ذلك ظنا منهم أن ذلك جائز لما فيه من المنافع ، كما جاز بيع الحمر الأهلية لما فيه من المنافع وإن حرم أكلها ، فظنوا أن شحوم الميتة مثل ذلك يحل بيعها وشراؤها وإن حرم أكلها ، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك ليس كالذي ظنوا ، وأن بيعها حرام وثمنها حرام إذ كانت نجسة ، نظيره الدم والخمر مما يحرم بيعها وأكل ثمنها ، وأما الاستصباح ودهن السفن والجلود بها فهو بخلاف بيعها وأكل ثمنها إذا كان ما يدهن بها من ذلك يغسل بالماء غسل الشيء الذي أصابته النجاسة فيطهره الماء ، هذا قول عطاء بن أبي رباح وجماعة من العلماء . وممن أجاز الاستصباح مما يقع فيه الفأرة علي وابن عباس وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - ، والإجماع قائم على أنه لا يجوز بيع الميتة والأصنام ؛ لأنه لا يحل الانتفاع بها ، ووضع الثمن فيها إضاعة مال ، وقد نهى الشارع عن إضاعته . قلت : على هذا التعليل إذا كسرت الأصنام وأمكن الانتفاع برضاضها جاز بيعها عند بعض الشافعية وبعض الحنفية ، وكذلك الكلام في الصلبان على هذا التفصيل ، وقال ابن المنذر : فإذا أجمعوا على تحريم بيع الميتة فبيع جيفة الكافر من أهل الحرب كذلك . وقال شيخنا : استدل بالحديث على أنه لا يجوز بيع ميتة الآدمي مطلقا ، سواء فيه المسلم والكافر ، أما المسلم فلشرفه وفضله ، حتى إنه لا يجوز الانتفاع بشيء من شعره وجلده وجميع أجزائه ، وأما الكافر فلأن نوفل بن عبد الله بن المغيرة لما اقتحم الخندق وقتل غلب المسلمون على جسده ، فأراد المشركون أن يشتروه منهم ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : « لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه » ، فخلى بينهم وبينه ، ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل السير ، قال ابن هشام : أعطوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجسده عشرة آلاف درهم فيما بلغني عن الزهري ، وروى الترمذي من حديث ابن عباس أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين ، فأبى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعهم . ومنهم من استدل بهذا الحديث على نجاسة ميتة الآدمي إذ هو محرم الأكل ، ولا ينتفع به . قلت : عموم الحديث مخصوص بقوله - صلى الله عليه وسلم - : « لا تنجسوا موتاكم ، فإن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا » رواه الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس ، وقال : صحيح على شرطهما ، ولم يخرجاه . قال القرطبي : اختلف في جواز بيع كل محرم نجس فيه منفعة كالزبل والعذرة ، فمنع من ذلك الشافعي ومالك ، وأجازه الكوفيون والطبري . وذهب آخرون إلى إجازة ذلك من المشتري دون البائع ، ورأوا أن المشتري أعذر من البائع ؛ لأنه مضطر إلى ذلك ، روي ذلك عن بعض الشافعية ، واستدل بالحديث أيضا من ذهب إلى نجاسة سائر أجزاء الميتة من اللحم والشعر والظفر والجلد والسن ، وهو قول الشافعي وأحمد ، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن ما لا تحله الحياة لا ينجس بالموت : كالشعر ، والظفر ، والقرن ، والحافر ، والعظم ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان له مشط من عاج ، وهو عظم الفيل ، وهو غير مأكول ، فدل على طهارة عظمه وما أشبهه ، وأجيب بأن المراد بالعاج عظم السمك ، وهو الذبل . قلت : قال الجوهري : العاج من عظم الفيل ، وكذا قاله في العباب ، وفي المحكم : العاج أنياب الفيل ، ولا يسمى غير الناب عاجا ، وقال الخطابي : العاج الذبل ، وهو خطأ ، وفي العباب : الذبل ظهر السلحفاة البحرية تتخذ منها السوار والخاتم وغيرهما ، وقال جرير : ترى العبس الحولي جونا بلوغها لها مسكا من غير عاج ولا ذبل فهذا يدل على أن العاج غير الذبل ، وروى الدارقطني من حديث ابن عباس قال : إنما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الميتة لحمها ، فأما الجلد والشعر والصوف ، فلا بأس به ، وروى أيضا من حديث أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - تقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ، ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء ، فإن قلت : الحديثان كلاهما ضعيفان ؛ لأن في إسناد الأول عبد الجبار بن مسلم ، قال الدارقطني : هو ضعيف ، وفي إسناد الثاني يوسف بن أبي السفر ، قال الدارقطني : هو متروك الحديث ، قلت : ابن حبان ذكر عبد الجبار في الثقات ، وأما يوسف فإنه لا يؤثر فيه الضعف إلا بعد بيان جهته ، والجرح المبهم غير مقبول عند الحذاق من الأصوليين ، وهو كان كاتب الأوزاعي . قوله : « ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك » ، أي : عند . قوله :« هو حرام» . قوله : « قاتل الله اليهود » ، أي : لعنهم . قوله : « جملوه » بالجيم ، أي : أذابوه من جملة الشحم أجمله جملا وإجمالا إذا أذبته واستخرجت دهنه ، وجملت أفصح من أجملت ، وهذا يدل على أن المراد بقوله « هو حرام » أي : البيع لا الانتفاع ، وقال الكرماني : الضمير في « باعوه » راجع إلى الشحوم باعتبار المذكور ، أو إلى الشحم الذي في ضمن الشحوم . قلت : الأول له وجه ، والثاني لا وجه له على ما لا يخفى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب بيع الميتة والأصنام · ص 56 قال أبو عاصم : حدثنا عبد الحميد قال : حدثنا يزيد قال : كتب إلي عطاء قال : سمعت جابرا - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم . أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد الشيباني أحد شيوخ البخاري وعبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم بن سنان حليف الأنصار ، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة ، حدث هو وابنه سعد وأبوه جعفر وجده أبو الحكم رافع ، وله صحبة وابن عمه عمر بن الحكم بن رافع بن سنان ، وهو من ولد القطيون من ولد محرق بن عمرو ومزيقيا ، وقيل : القطيون من اليهود وليس من ولد محرق ، ورافع بن سنان له حديث في سنن أبي داود من رواية ابنه في تخيير الصبي بين أبويه ، ويزيد هو ابن أبي حبيب المذكور في الحديث السابق . وهذا التعليق وصله أحمد قال : حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، عن عبد الحميد بن جعفر ، أخبرني يزيد بن أبي حبيب ... الحديث .