203 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ ، قال : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ) بْنُ سَعْدٍ ( عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ فِي بَابِ الرَّجُلِ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ ، وَأَنَّ فِيهِ أَرْبَعَةً مِنَ التَّابِعِينَ عَلَى الْوِلَاءِ . وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ اللَّيْثِ ؛ فَقَالَ : عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بَدَلَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ ، فَكَأَنَّ لِلَّيْثِ فِيهِ شَيْخَيْنِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ ) فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ ، وَفِي الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلَى تَرَدُّدٍ فِي ذَلِكَ مِنْ رُوَاتِهِ . وَلِمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِلَا تَرَدُّدَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ . قَوْلُهُ : ( فَاتَّبَعَهُ ) بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَةِ ، وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ فِي الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ ، وَزَادَ فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ ، ثُمَّ أَقْبَلَ فَتَوَضَّأَ . وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَخَذَهُ الْمُغِيرَةُ مِنْ أَعْرَابِيَّةٍ صَبَّتْهُ لَهُ مِنْ قِرْبَةٍ كَانَتْ جِلْدَ مَيْتَةٍ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لَهُ : سَلْهَا فَإِنْ كَانَتْ دَبَغَتْهَا فَهُوَ طَهُورٌ وَأَنَّهَا قَالَتْ : إِي وَاللَّهِ لَقَدْ دَبَغْتُهَا . قَوْلُهُ : ( فَتَوَضَّأَ ) زَادَ فِي الْجِهَادِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ صُوفٍ مِنْ جِبَابِ الرُّومِ ، وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي فِي بَابِ الرَّجُلِ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ : فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَالْفَاءُ فِي فَغَسَلَ تَفْصِيلِيَّةٌ ، وَتَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَوَضَّأَ ؛ أَيْ : بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، لَا أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى فُرُوضِ الْوُضُوءِ دُونَ سُنَنِهِ ، لَا سِيَّمَا فِي حَالِ مَظِنَّةِ قِلَّةِ الْمَاءِ كَالسَّفَرِ ، قال : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُغِيرَةُ ، قال : وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ . قُلْتُ : بَلْ فَعَلَهَا وَذَكَرَهَا الْمُغِيرَةُ ، فَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ غَسَلَ كَفَّيْهِ ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَوِيٍّ فَغَسَلَهُمَا فَأَحْسَنَ غَسْلَهُمَا ، قال : وَأَشُكُّ أَقَالَ دَلَكَهُمَا بِتُرَابٍ أَمْ لَا . وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ ، زَادَ أَحْمَدُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَلِأَحْمَدَ فَغَسَلَ يَدَهُ الْيَمنى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَدَهُ الْيُسْرَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَلِلْمُصَنِّفِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ وَعَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَسَيَأْتِي قَوْلُهُ إِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا . وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ هَذَا ذَكَرَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ سِتُّونَ رَجُلًا ، وَقَدْ لَخَّصْتُ مَقَاصِدَ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ ، وَفِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْإِبْعَادُ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وَالتَّوَارِي عَنِ الْأَعْيُنِ ، وَاسْتِحْبَابُ الدَّوَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُغِيرَةَ أَنْ يَتْبَعَهُ بِالْمَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَنْجِ بِهِ وَإِنَّمَا تَوَضَّأَ بِهِ حِينَ رَجَعَ ، وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ كَمَا شُرِحَ فِي بَابِهِ ، وَغَسْلُ مَا يُصِيبُ الْيَدَ مِنَ الْأَذَى عِنْدَ الِاسْتِجْمَارِ ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي إِزَالَتُهُ بِغَيْرِ الْمَاءِ ، وَالِاسْتِعَانَةُ عَلَى إِزَالَةِ الرَّائِحَةِ بِالتُّرَابِ وَنَحْوِهِ . وَقَدْ يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ مَا انْتَشَرَ عَنِ الْمُعْتَادِ لَا يُزَالُ إِلَّا بِالْمَاءِ ، وَفِيهِ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ ، وَالِانْتِفَاعُ بِثِيَابِ الْكُفَّارِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ نَجَاسَتُهَا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِسَ الْجُبَّةَ الرُّومِيَّةَ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى أَنَّ الصُّوفَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ؛ لِأَنَّ الْجُبَّةَ كَانَتْ شَامِيَّةً وَكَانَتِ الشَّامُ إِذْ ذَاكَ دَارَ كُفْرٍ وَمَأْكُولُ أَهْلِهَا الْمَيْتَاتِ ، كَذَا قال . وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْوُضُوءِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَهِيَ بَعْدَهَا بِاتِّفَاقٍ ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ فِي مَعْنَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَفِيهِ التَّشْمِيرُ فِي السَّفَرِ ، وَلُبْسُ الثِّيَابِ الضَّيِّقَةِ فِيهِ لِكَوْنِهَا أَعْوَنَ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِيهِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى سُنَنِ الْوُضُوءِ حَتَّى فِي السَّفَرِ ، وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْأَحْكَامِ وَلَوْ كَانَتِ امْرَأَةً ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَمْ لَا ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبِلَ خَبَرَ الْأَعْرَابِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَفِيهِ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى غَسْلِ مُعْظَمِ الْمَفْرُوضِ غَسْلُهُ لَا يُجْزِئُ لِإِخْرَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ وَلَمْ يَكْتَفِ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُمَا بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ تَعْمِيمِ مَسْحِ الرَّأْسِ لِكَوْنِهِ كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِالْمَسْحِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ ذِرَاعَيْهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ · ص 367 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المسح على الخفين · ص 99 66 - حدثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . بيان رجاله : وهم سبعة : الأول : عمرو بالواو ، ابن خالد بن فروخ بالفاء المفتوحة ، وضم الراء المشددة ، وفي آخره خاء معجمة ، أبو الحسن الحراني ، ونسبته إلى حران بفتح الحاء المهملة ، وتشديد الراء ، وبعد الألف نون ، قال الكرماني : موضع بالجزيرة بين العراق والشام . قلت : ليس كما قاله ، بل هي مدينة قديمة بين دجلة والفرات ، كانت تعدل ديار مصر ، واليوم خراب ، وقيل : هي مولد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، ويوسف ، وإخوته عليهم الصلاة والسلام . وقال ابن الكلبي : لما خرج نوح عليه الصلاة والسلام من السفينة بناها ، وقيل : إنما بناها ران خال يعقوب عليه الصلاة والسلام ، فأبدلت العرب الهاء حاء ، فقالوا احران . الثاني : الليث بن سعد المصري . الثالث : يحيى بن سعيد الأنصاري ، تقدما في كتاب الوحي . الرابع : سعد بسكون العين ، ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف . الخامس : نافع بن جبير بن مطعم. السادس : عروة بن المغيرة بن شعبة . السابع : أبو المغيرة بن شعبة . بيان لطائف إسناده : الأول : أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، والعنعنة الكثيرة . والثاني : أن رواته ما بين حراني ، ومصري ، ومدني . والثالث : فيه أربعة من التابعين على الولاء : وهم يحيى ، وسعد ، ونافع ، وعروة . بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في مواضع : في الطهارة عن عمرو بن علي ، عن عبد الوهاب الثقفي ، وعن عمرو بن خالد ، عن الليث ، كلاهما عن يحيى بن سعيد ، وفي المغازي عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ، كلاهما عن سعد بن إبراهيم ، عن نافع بن جبير بن مطعم عنه به ، وفي الطهارة أيضا ، وفي اللباس عن أبي نعيم ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي عنه به . وأخرجه مسلم في الطهارة عن قتيبة ، وفي الصلاة عن محمد بن رافع ، وزاد في قصة الصلاة خلف عبد الرحمن بن عوف . وأخرجه أبو داود في الطهارة ، عن أحمد بن صالح ، ولم يذكر قصة الصلاة ، وعن مسدد ، عن عيسى بن يونس . وأخرجه النسائي فيه ، عن سليمان بن داود ، والحارث بن مسكين ، وعن قتيبة مختصرا ، وعن عبد الله بن سعد بن إبراهيم . وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن رمح . بيان المعاني : قوله ( أنه خرج لحاجته ) وفي الباب الذي بعد هذا : أنه كان في غزوة تبوك ، على تردد في ذلك من بعض رواته ، ولمالك ، وأحمد ، وأبي داود من طريق عباد بن زيد ، عن عروة بن المغيرة : أنه كان في غزوة تبوك بلا تردد ، وأن ذلك كان عند صلاة الفجر . قوله ( فاتبعه المغيرة ) من الاتباع بتشديد التاء ، من باب الافتعال ، ويروى : فأتبعه ، من الإتباع بالتخفيف ، من باب الإفعال ، وفي رواية للبخاري من طريق مسروق ، عن المغيرة في الجهاد وغيره : أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، هو الذي أمره أن يتبعه بالإداوة ، وزاد : حتى توارى عني ، فقضى حاجته ، ثم أقبل فتوضأ . وعند أحمد من طريق أخرى ، عن المغيرة : أن الماء الذي توضأ به أخذه المغيرة من أعرابية صبته له من قربة كانت جلد ميتة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سلها إن كانت دبغتها ، فهو طهور ماؤها ، قالت : إني والله دبغتها . قوله ( بإداوة بكسر الهمزة ) أي بمطهرة . قوله ( فتوضأ ) وفي رواية البخاري في الجهاد زيادة ، وهي : وعليه جبة شامية ، وفي رواية أبي داود : من صوف من جباب الروم ، وللبخاري في روايته التي مضت في باب الرجل يوضئ صاحبه : فغسل وجهه ويديه ، وذهل الكرماني عن هذه الرواية فقال : فإن قلت : المفهوم من قوله ( فتوضأ ومسح ) أنه غسل رجليه ومسح خفيه ؛ لأن التوضؤ لا يطلق إلا على غسل تمام أعضاء الوضوء ، ثم قال : قلت : المراد به هاهنا غسل غير الرجلين بقرينة عطف مسح الخفين عليه للإجماع على عدم وجوب الجمع بين الغسل والمسح . أقول : وفي رواية للبخاري في الجهاد : أنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه . زاد أحمد في ( مسنده ) : ثلاث مرات ، فذهب يخرج يديه من كميه فكانا ضيقين ، فأخرجهما من تحت الجبة . ولمسلم من وجه آخر : وألقى الجبة على منكبيه . ولأحمد : فغسل يده اليمنى ثلاث مرات ، ويده اليسرى ثلاث مرات . وللبخاري في رواية أخرى : ومسح برأسه . وفي رواية لمسلم : ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين . ولو تأمل الكرماني هذه الروايات لما التجأ إلى هذا السؤال والجواب . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه مشروعية المسح على الخفين . الثاني : فيه جواز الاستعانة كما مر في بابه . الثالث : فيه الانتفاع بجلود الميتات إذا كانت مدبوغة . الرابع : فيه الانتفاع بثياب الكفار حتى يتحقق نجاستها ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لبس الجبة الرومية ، واستدل به القرطبي على أن الصوف لا يتنجس بالموت ؛ لأن الجبة كانت شامية ، وكان الشام إذ ذاك دار كفر ، ومأكول أهلها الميتات . الخامس : فيه الرد على من زعم أن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء التي في المائدة ؛ لأنها نزلت في غزوة المريسيع ، وكانت هذه القصة في غزوة تبوك ، وهي بعدها بلا خلاف. السادس : فيه التشمير في السفر ، ولبس الثياب الضيقة فيه لكونها أعون على ذلك . السابع : فيه قبول خبر الواحد في الأحكام ، ولو كانت امرأة ، سواء كان ذلك فيما تعم به البلوى أم لا ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قبل خبر الأعرابية . الثامن : فيه استحباب التواري ، عن أعين الناس عند قضاء الحاجة ، والإبعاد عنهم . التاسع : فيه جواز خدمة السادات بغير إذنهم . العاشر : فيه استحباب الدوام على الطهارة ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر المغيرة أن يتبعه بالماء لأجل الوضوء . الحادي عشر : فيه أن الاقتصار على غسل معظم المفروض غسله لا يجوز ؛ لإخراجه صلى الله عليه وسلم يديه من تحت الجبة ، ولم يكتف بما بقي .