50 - بَاب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا 207 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ ) نَصَّ عَلَى لَحْمِ الشَّاةِ لِيَنْدَرِجَ مَا هُوَ مِثْلُهَا وَمَا دُونَهَا بِالْأَوْلَى ، وَأَمَّا مَا فَوْقَهَا فَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى اسْتِثْنَاءِ لُحُومِ الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّ مَنْ خَصَّهُ مِنْ عُمُومِ الْجَوَازِ عَلَّلَهُ بِشِدَّةِ زُهُومَتِهِ فَلِهَذَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهِ مَطْبُوخًا ، وَفِيهِ حَدِيثَانِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( وَالسَّوِيقُ ) ، قال ابْنُ التِّينِ : لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ ذِكْرُ السَّوِيقِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ دَخَلَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنَ اللَّحْمِ مَعَ دُسُومَتِهِ فَعَدَمُهُ مِنَ السَّوِيقِ أَوْلَى ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ . . . إِلَخْ ) سَقَطَ قَوْلُهُ لَحْمًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ ، قال : رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ أَكَلُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا وَرُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى الثَّلَاثَةِ مُفَرَّقًا وَمَجْمُوعًا . قَوْلُهُ : ( أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ) ؛ أَيْ : لَحْمَهُ . وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَطْعِمَةِ تَعَرَّقَ ؛ أَيْ : أَكَلَ مَا عَلَى الْعَرْقِ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - وَهُوَ الْعَظْمُ ، وَيُقَالُ لَهُ الْعُرَاقُ بِالضَّمِّ أَيْضًا . وَأَفَادَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي بَيْتِ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهِيَ بِنْتُ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِهَا وَهِيَ خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، كَمَا أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتُ عَمِّهِ . وَبَيَّنَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ الَّذِيَ دَعَاهُ إِلَى الصَّلَاةِ هُوَ بِلَالٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ · ص 371 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق · ص 103 ( باب : من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق ) أي : هذا باب حكم من لم يتوضأ من أكل لحم الشاة ، قيد بلحم الشاة ليندرج ما هو مثلها ، وما هو دونها في حكمها . قوله ( والسويق ) بالسين ، والصاد لغة فيه لمكان المضارعة ، والجمع أسوقة ، وسمي بذلك لانسياقه في الحلق ، والقطعة من السويق سويقة ، وعن أبي حنيفة : الجذيذة السويق ؛ لأن الحنطة جذت له ، يقال : جذذت الحنطة للسويق . وقال أبو حاتم : إذا أرادوا أن يعملوا الفريصة ، وهي ضرب من السويق ، ضربوا من الزرع ما يريدون حين يستفرك ، ثم يسهمونه ، وتسهيمه أن يسخن على المقلى حتى ييبس ، وإن شاءوا جعلوا معه على المقلى الفودنج ، وهو أطيب الأطعمة ، وعاب رجل السويق بحضرة أعرابي ، فقال : لا تعبه ، فإنه عدة المسافر ، وطعام العجلان ، وغذاء المبتكر ، وبلغة المريض ، وهو يسر فؤاد الحزين ، ويرد من نفس المحرور ، وجيد في التسمين ، ومنعوت في الطب ، وقفاره لحلق البلغم ، وملتوته يصفي الدم ، وإن شئت كان شرابا ، وإن شئت كان طعاما ، وإن شئت ثريدا ، وإن شئت خبيصا ، وثريت السويق صببت عليه ماء ، ثم لتَّيْتُه . وفي ( مجمع الغرائب ) : ثرى يثري ثرية ، إذا بل التراب ، وإنما بل السويق لما كان لحقه من اليبس والقدم ، وهو شيء يتخذ من الشعير أو القمح يدق فيكون شبه الدقيق ، إذا احتيج إلى أكله خلط بماء أو لبن أو رب أو نحوه . وقال قوم : الكعك ، قال السفاقسي : قال بعضهم : كان ملتوتا بسمن . وقال الداودي : هو دقيق الشعير ، والسلت المقلو ، ويرد قول من قال : إن السويق هو الكعك قول الشاعر : يا حبذا الكعك بلحم مثرود وخشكنان مع سويق مقنود وقال ابن التين : ليس في حديثي الباب ذكر السويق . وقال بعضهم : أجيب بأنه دخل من باب أولى ؛ لأنه إذا لم يتوضأ من اللحم مع دسومته فعدمه من السويق أولى ، ولعله أشار بذلك إلى الحديث في الباب الذي بعد . قلت : وإن سلمنا ما قاله فتخصيص السويق بالذكر لماذا ، وقوله ( ولعله .. إلى آخره ) أبعد من الجواب الأول ؛ لأنه عقد على السويق بابا ، فلا يذكر إلا في بابه ، وذكره إياه هاهنا لا طائل تحته ؛ لأنه لا يفيد شيئا زائدا . وجه المناسبة بين البابين ظاهر ؛ لأن أكثر هذه الأبواب في أحكام الوضوء . ( وأكل أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، فلم يتوضئوا ) . ليس في رواية أبي ذر لحما ، وإنما روي : أكل أبو بكر وعمر وعثمان ، فلم يتوضئوا . ووجد ذلك في رواية الكشميهني ، والأولى أعم ؛ لأن فيها حذف المفعول ، وهو يتناول أكل كل ما مسته النار لحما أو غيره ، وكذا وصل هذا التعليق الطبراني في ( مسند الشاميين ) بإسناد حسن من طريق سليمان بن عامر ، قال : رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مست النار ، ولم يتوضئوا . وروى ابن أبي شيبة ، عن هيثم ، أخبرنا علي بن زيد ، حدثنا محمد بن المنكدر ، قال : أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع أبي بكر وعمر وعثمان خبزا ولحما ، فصلوا ولم يتوضئوا . ورواه الترمذي ، عن ابن أبي عمر ، عن ابن عيينة ، حدثنا ابن عقيل .. فذكره مطولا . ورواه ابن حبان ، عن عبد الله بن محمد ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا أبو علقمة عبد الله بن محمد بن أبي فروة ، حدثني محمد بن المنكدر عنه . ورواه ابن خزيمة ، حدثنا موسى بن سهل ، حدثنا علي بن عباس ، حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن ابن المنكدر . وروى الطحاوي ، عن أبي بكرة ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : ، حدثنا رباح بن أبي معروف ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : أكلنا مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه خبزا ولحما ، ثم صلى ، ولم يتوضأ . وأخرجه الطحاوي من عشر طرق . وروي أيضا عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم نحوه . قوله ( فلم يتوضئوا ) غرضه منه بيان الإجماع السكوتي . 70 - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) وهم خمسة كلهم ذكروا ، ومن لطائف إسناده التحديث بصيغة الجمع ، والإخبار بصيغة الجمع ، والعنعنة . ( بيان من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم ، وأبو داود جميعا في الطهارة ، عن القعنبي ، عن مالك . ( بيان المعنى ) : قوله ( أكل كتف شاة ) أي أكل لحمه ، وفي لفظ للبخاري في الأطعمة ( تعرق ) أي أكل ما على العرق ، بفتح العين المهملة ، وسكون الراء ، وهو العظم ، ويقال له العراق بالضم أيضا ، وفي لفظ انتشل عرقا من قدر ، وعند مسلم : أنه أكل عرقا أو لحما ، ثم صلى ، ولم يتوضأ ، ولم يمس ماء . ورواه أبو إسحاق السراج في مسنده بزيادة : ولم يمضمض . وفي مسند أحمد : انتهش من كتف . وعند ابن ماجه : ثم مسح يده بمسح كان تحته . وفي المنصف : أكل من عظم أو تعرق من ضلع . وفي سنن أبي داود : فرأيته يسيل على لحيته أمشاج من دم دما ، ثم قام إلى الصلاة . وفي مسند القاضي إسماعيل بن إسحاق : كان ذلك في بيت ضباعة بنت الحارث بن عبد المطلب ، وهي بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم . ( بيان الحكم ) وهو أكل ما مسته النار - لا يوجب الوضوء ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأهل الشام ، وأهل الكوفة ، والحسن بن الحسن ، والليث بن سعد . وأبو عبيد ، وداود بن علي ، وابن جرير الطبري ، إلا أن أحمد يرى الوضوء من لحم الجزور فقط . وقال ابن المنذر : وكان أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وعامر بن ربيعة ، وأبو أمامة ، وأبي بن كعب ، وأبو الدرداء - لا يرون الوضوء مما مست النار . وقال الحسن البصري ، والزهري ، وأبو قلابة ، وأبو مجلز ، وعمر بن عبد العزيز : يجب الوضوء مما غيرت النار . وهو قول زيد بن ثابت ، وأبي طلحة ، وأبي موسى ، وأبي هريرة ، وأنس ، وعائشة أم المؤمنين ، وأم حبيبة أم المؤمنين ، وأبي أيوب . واحتجوا بأحاديث كثيرة ، منها حديث أبي طلحة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه أكل ثور أقط فتوضأ منه . قال عمرو : الثور القطعة . رواه الطحاوي بإسناد صحيح ، والطبراني في الكبير . ومنها حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : توضئوا مما غيرت النار . رواه الطحاوي ، والنسائي ، والطبراني في الكبير . ومنها حديث أم حبيبة قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : توضئوا مما مست النار . رواه الطحاوي بإسناد صحيح ، وأحمد في مسنده ، وأبو داود ، والنسائي . ومنها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : توضئوا مما غيرت النار ، ولو من ثور أقط . رواه الطحاوي بإسناد صحيح . وأخرجه الطبراني في الكبير ، وأحمد في مسنده . وأخرجه الترمذي ، والسراج في مسنده . ومنها حديث سهل بن الحنفية ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أكل لحما فليتوضأ . رواه الطحاوي بإسناد حسن . واحتجت الجماعة الأولى بأحاديث ، منها حديث ابن عباس ، وحديث عمرو بن أمية ، وغيرهما ، وأحاديث هؤلاء منسوخة بما روي عن جابر رضي الله تعالى عنه ، قال : كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ترك الوضوء مما مست النار . أخرجه الطحاوي ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن حبان في صحيحه ، وقالوا أيضا : يجوز أن يكون المراد من الوضوء في الأحاديث الأول غسل اليد لا وضوء الصلاة . فإن قلت : روي : توضأ ، وروي : ولم يتوضأ ؟ قلت : هو دائر بين الأمرين ، فحديث جابر بين أن المراد الوضوء الذي هو غسل اليد .