2 - بَاب مَا يُحَذَّرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ ، أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ 2321 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ - وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ - سَمِعْتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ . قَالَ محمد : وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ ) هَكَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ ، وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ أَوْ تَجَاوَزَ وَلِلنَّسَفِيِّ ، وَأَبِي ذَرٍّ جَاوَزَ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِّ مَا شُرِعَ ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ ) هُوَ الْحِمْصِيُّ يُكْنَى أَبَا يُوسُفَ وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِشَيْخِهِ فِي هَذَا الصَّحِيحِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَالْأَلْهَانِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ شَامِيُّونَ وَكُلُّهُمْ حِمْصِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ . قَوْلُهُ : ( سِكَّةً ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي تُحْرَثُ بِهَا الْأَرْضُ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : إِلَّا دَخَلَهُ الذُّلُّ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَةِ : إِلَّا أَدْخَلُوا عَلَى أَنْفُسَهُمْ ذُلًّا لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ الَّتِي تُطَالِبُهُمْ بِهَا الْوُلَاةُ ، وَكَانَ الْعَمَلُ فِي الْأَرَاضِي أَوَّلَ مَا افْتُتِحَتْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَكَانَ الصَّحَابَةُ يَكْرَهُونَ تَعَاطِيَ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : هَذَا مِنْ إِخْبَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُغَيَّبَاتِ ، لِأَنَّ الْمُشَاهَدَ الْآنَ أَنَّ أَكْثَرَ الظُّلْمِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَهْلِ الْحَرْثِ . وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ وَالْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي فَضْلِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ مِنَ الذَّمِّ عَلَى عَاقِبَةِ ذَلِكَ ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ فَضَيَّعَ بِسَبَبِهِ مَا أُمِرَ بِحِفْظِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يُضَيِّعْ إِلَّا أَنَّهُ جَاوَزَ الْحَدَّ فِيهِ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ كَلَامَ أَبِي أُمَامَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، أَمَّا مَنْ لَهُ عُمَّالٌ يَعْمَلُونَ لَهُ وَأَدْخَلَ دَارَهُ الْآلَةَ الْمَذْكُورَةَ لِتُحْفَظَ لَهُمْ فَلَيْسَ مُرَادًا ، وَيُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى عُمُومِهِ فَإِنَّ الذُّلَّ شَامِلٌ لِكُلِّ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَسْتَلْزِمُ مُطَالَبَةَ آخَرَ لَهُ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمُطَالِبُ مِنَ الْوُلَاةِ . وَعَنِ الدَّاوُدِيِّ هَذَا لِمَنْ يَقْرُبُ مِنَ الْعَدُوِّ ، فَإِنَّهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِالْحَرْثِ لَا يَشْتَغِلُ بِالْفُرُوسِيَّةِ فَيَتَأَسَّدُ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ ، فَحَقُّهُمْ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِالْفُرُوسِيَّةِ وَعَلَى غَيْرِهِمْ إِمْدَادُهُمْ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : اسْمُ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ إِلَخْ ) كَذَا وَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِيِّ وَحْدَهُ . قُلْتُ : وَلَيْسَ لِأَبِي أُمَامَةَ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَحَدِيثٍ آخَرَ فِي الْأَطْعِمَةِ ، وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي الْجِهَادِ مِنْ قَوْلِهِ يَدْخُلُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُحَذَّرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِه · ص 7 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به · ص 156 باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به أي هذا باب في بيان ما يحذر إلى آخره ، وهذه الترجمة بعينها رواية الأصيلي وكريمة . قوله : أو مجاوزة الحد ، أي : في بيان مجاوزة الحد الذي أمر به . وفي رواية ابن شبويه أو يجاوز الحد . وفي رواية النسفي ، وأبي ذر : أو جاوز الحد والمراد بالحد الذي شرع سواء كان واجبا أو سنة أو ندبا . 2 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : حدثنا عبد الله بن سالم الحمصي قال : حدثنا محمد بن زياد الألهاني ، عن أبي أمامة الباهلي ، قال : ورأى سكة وشيئا من آلة الحرث ، فقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل . مطابقته للترجمة في قوله : لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل ، فإذا كان كذلك ينبغي الحذر من عواقب الاشتغال به ؛ لأن كل ما كان عاقبته ذلا يحذر عنه ، ولما ذكر فضل الزرع والغرس في الباب السابق أراد الجمع بينه وبين حديث هذا الباب ؛ لأن بينهما منافاة بحسب الظاهر ، وأشار إلى كيفية الجمع بشيئين أحدهما هو قوله ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع وذلك إذا اشتغل به ، فضيع بسببه ما أمر به ، والآخر هو قوله أو مجاوزة الحد وذلك فيما إذا لم يضيع ولكنه جاوز الحد فيه . وقال الداودي : هذا لمن يقرب من العدو ، فإنه إذا اشتغل بالحرث لا يشتغل بالفروسية ويتأسد عليه العدو ، وأما غيرهم ، فالحرث محمود لهم . وقال عز وجل : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ الآية ، ولا يقوم إلا بالزراعة ومن هو بالثغور المتقاربة للعدو لا يشتغل بالحرث ، فعلى المسلمين أن يمدوهم بما يحتاجون إليه . وعبد الله بن يوسف التنيسي أبو محمد من أفراد البخاري وعبد الله بن سالم أبو يوسف الأشعري ، مات سنة تسع وسبعين ومائة ، ومحمد بن زياد الألهاني بفتح الهمزة وسكون اللام نسبة إلى ألهان أخو همدان بن مالك بن زيد هذا في كهلان ، وألهان أيضا في حمير ، وهو ألهان بن جشم بن عبد شمس ونسبة محمد بن زياد إلى ألهان هذا قال ابن دريد : ألهان من قولهم لهنوا ضيوفهم ، أي : أطعموهم ما يتعلل به قبل الغذاء ، وكان ألهان جمع لهن واسم ما يأكله الضيف لهنة ، وليس لعبد الله بن سالم ولمحمد بن زياد في الصحيح غير هذا الحديث . وقال بعضهم : ورجال الإسناد كلهم شاميون وكلهم حمصيون إلا شيخ البخاري . ( قلت ) : شيخ البخاري أيضا أصله من دمشق . وهذا الحديث من أفراد البخاري . قوله عن أبي أمامة . وفي رواية أبي نعيم في المستخرج : سمعت أبا أمامة . قوله : ورأى سكة الواو فيه للحال ، والسكة بكسر السين المهملة ، وتشديد الكاف هي الحديدة التي يحرث بها . قوله : إلا أدخله الذال . وفي رواية الكشميهني إلا دخله الذل . وفي رواية أبي نعيم المذكورة : إلا أدخلوا على أنفسهم ذلا لا يخرج إلى يوم القيامة ووجه الذل ما يلزم الزارع من حقوق الأرض ، فيطالبهم السلطان بذلك . وقيل : إن المسلمين إذا أقبلوا على الزراعة شغلوا عن العدو ، وفي ترك الجهاد نوع ذل . وفي الحديث علامة النبوة ، قال ابن بطال : وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - علم أن من يأتي آخر الزمان يجورون في أخذ الصدقات والعشور ويأخذون في ذلك أكثر مما يجب لهم ؛ لأنه ذل لمن أخذ منه بغير الحق ، انتهى . ( قلت ) : قوة الذل وكثرته في الزراعين في أراضي مصر ، فإن أصحاب الإقطاعات يتسلطون عليهم ويأخذون منهم فوق ما عليهم بضرب وحبس وتهديد بالغ ، ويجعلونهم كالعبيد المشترين ، فلا يتخلصون منهم ، فإذا مات واحد منهم يقيمون ولده عوضه بالغصب والظلم ، ويأخذون غالب ما تركه ويحرمون ورثته . قوله : قال محمد هو محمد بن الزياد الراوي واسم أبي أمامة الذي روى عنه صدي بضم الصاد وفتح الدال المهملتين ، وتشديد الياء ابن عجلان بن وهب الباهلي نزل بحمص ، ومات في قرية يقال لها : دقوة ، على عشرة أميال من حمص سنة إحدى وثمانين وعمره إحدى وتسعون سنة ، وقد قيل إنه آخر من مات بالشام من الصحابة ، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث وحديث آخر في الأطعمة وآخر في الجهاد من قوله : يدخل في حكم المرفوع ، وفي بعض النسخ : قال أبو عبد الله : هو البخاري نفسه ، وهذا وقع للمستملي وحده .