3 - بَاب اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ 2322 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من أمسك كَلْبًا فإنه يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ . قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو صَالِحٍ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ . وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ ) الِاقْتِنَاءُ بِالْقَافِ افْتِعَالٌ مِنَ الْقِنْيَةِ بِالْكَسْرِ وَهِيَ الِاتِّخَاذُ ؛ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : أَرَادَ الْبُخَارِيُّ إِبَاحَةَ الْحَرْثِ بِدَلِيلِ إِبَاحَةِ اقْتِنَاءِ الْكِلَابِ الْمَنْهِيِّ عَنِ اتِّخَاذِهَا لِأَجْلِ الْحَرْثِ ، فَإِذَا رُخِّصَ مِنْ أَجْلِ الْحَرْثِ فِي الْمَمْنُوعِ مِنِ اتِّخَاذِهِ كَانَ أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ثَانِيَ حَدِيثَيِ الْبَابِ مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَمُفَسِّرٌ لِلْإِمْسَاكِ الَّذِي هُوَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِلَفْظِ : مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ مَاشِيَةٍ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ كَلْبَ صَيْدٍ وَلَا مَاشِيَةٍ وَلَا أَرْضٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ ، فَأَمَّا زِيَادَةُ الزَّرْعِ فَقَدْ أَنْكَرَهَا ابْنُ عُمَرَ ، فَفِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ . فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا وَيُقَالُ : إِنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إِلَى تَثْبِيتِ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَّ سَبَبَ حِفْظِهِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ دُونَهُ أَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ دُونَهُ ، وَمَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِشَيْءٍ احْتَاجَ إِلَى تَعَرُّفِ أَحْكَامِهِ ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا : مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا الْحَدِيثَ ، قَالَ سَالِمٌ : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ : أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ ، وَأَصْلُهُ لِلْبُخَارِيِّ فِي الصَّيْدِ دُونَ الزِّيَادَةِ ، وَقَدْ وَافَقَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى ذِكْرِ الزَّرْعِ سُفْيَانُ بْنُ أَبِي زُهَيْرٍ كَمَا تَرَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ أَوَّلُهُ : أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ وَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الْغَنَمِ وَالصَّيْدِ وَالزَّرْعِ . قَوْلُهُ : ( أَوْ مَاشِيَةٍ ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّرْدِيدِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَأَبُو صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِلَّا كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ ) ، أَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ سِيرِينَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا بَعْدَ التَّتَبُّعِ الطَّوِيلِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي صَالِحٍ فَوَصَلَهَا أَبُو الشَّيْخِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي كِتَابِ التَّرْغِيبِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَمِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ حَرْثٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطًا ، لَمْ يَقُلْ سُهَيْلٌ : أَوْ حَرْثٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ ) وَصَلَهَا أَبُو الشَّيْخِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ : أَيُّمَا أَهْلِ دَارٍ رَبَطُوا كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلَا مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ حَافِظٍ ، وَكَرَاهَةُ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مَعْنَى الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ اتِّخَاذُهَا لِجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ قِيَاسًا ، فَتَمَحَضَّ كَرَاهَةُ اتِّخَاذِهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيعِ النَّاسِ وَامْتِنَاعِ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ لِلْبَيْتِ الَّذِي هُمْ فِيهِ . وَفِي قَوْلِهِ : نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ - أَيْ مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ - مَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اتِّخَاذَهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، لِأَنَّ مَا كَانَ اتِّخَاذُهُ مُحَرَّمًا امْتَنَعَ اتِّخَاذُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ نَقَصَ الْأَجْرُ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَهَا مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ . قَالَ : وَوَجْهُ الْحَدِيثِ عِنْدِي أَنَّ الْمَعَانِيَ الْمُتَعَبَّدَ بِهَا فِي الْكِلَابِ مِنْ غَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعًا لَا يَكَادُ يَقُومُ بِهَا الْمُكَلَّفُ وَلَا يَتَحَفَّظُ مِنْهَا فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ بِاتِّخَاذِهَا مَا يَنْقُصُ أَجْرَهُ مِنْ ذَلِكَ . وَيُرْوَى أَنَّ الْمَنْصُورَ سَأَلَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَقَالَ الْمَنْصُورُ : لِأَنَّهُ يَنْبَحُ الضَّيْفَ ، وَيُرَوِّعُ السَّائِلَ ا هـ . وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّحْرِيمِ وَاسْتَنَدَ لَهُ بِمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ تَقَعُ بِعَدَمِ التَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ بِمِقْدَارِ قِيرَاطٍ مِمَّا كَانَ يَعْمَلُهُ مِنَ الْخَيْرِ لَوْ لَمْ يَتَّخِذِ الْكَلْبَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِاتِّخَاذُ حَرَامًا ، وَالْمُرَادُ بِالنَّقْصِ أَنَّ الْإِثْمَ الْحَاصِلَ بِاتِّخَاذِهِ يُوَازِي قَدْرَ قِيرَاطٍ أَوْ قِيرَاطَيْنِ مِنْ أَجْرٍ فَيَنْقُصُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِ الْمُتَّخِذِ قَدْرَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ بِاتِّخَاذِهِ وَهُوَ قِيرَاطٌ أَوْ قِيرَاطَانِ ، وَقِيلَ سَبَبُ النُّقْصَانِ امْتِنَاعُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ أَوْ مَا يَلْحَقُ الْمَارِّينَ مِنَ الْأَذَى ، أَوْ لِأَنَّ بَعْضَهَا شَيَاطِينُ ، أَوْ عُقُوبَةٌ لِمُخَالَفَةِ النَّهْيِ ، أَوْ لِوُلُوغِهَا فِي الْأَوَانِي عِنْدَ غَفْلَةِ صَاحِبِهَا فَرُبَّمَا يَتَنَجَّسُ الطَّاهِرُ مِنْهَا ، فَإِذَا اسْتُعْمِلَ فِي الْعِبَادَةِ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَ الطَّاهِرِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : الْمُرَادُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذْهُ لَكَانَ عَمَلُهُ كَامِلًا ، فَإِذَا اقْتَنَاهُ نَقَص مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ عَمَلٍ مَضَى وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ عَمَلُهُ فِي الْكَمَالِ عَمَلَ مَنْ لَمْ يَتَّخِذْهُ ا هـ . وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ مُنَازَعٌ فِيهِ ، فَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ اخْتِلَافًا فِي الْأَجْرِ هَلْ يَنْقُصُ مِنَ الْعَمَلِ الْمَاضِي أَوِ الْمُسْتَقْبَلِ ، وَفِي مُحَصَّلِ نُقْصَانِ الْقِيرَاطَيْنِ فَقِيلَ : مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ قِيرَاطٌ وَمِنْ عَمَلِ اللَّيْلِ آخَرُ ، وَقِيلَ : مِنَ الْفَرْضِ قِيرَاطٌ وَمِنَ النَّفْلِ آخَرُ ، وَفِي سَبَبِ النُّقْصَانِ يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْقِيرَاطَيْنِ وَالْقِيرَاطِ فَقِيلَ : الْحُكْمُ الزَّائِدُ لِكَوْنِهِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ الْآخَرُ أَوْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ أَوَّلًا بِنَقْصِ قِيرَاطٍ وَاحِدٍ فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الْأَوَّلُ ثُمَّ أَخْبَرَ ثَانِيًا بِنَقْصِ قِيرَاطَيْنِ زيادة فِي التَّأْكِيدِ فِي التَّنْفِيرِ مِنْ ذَلِكَ فَسَمِعَهُ الرَّاوِي الثَّانِي . وَقِيلَ : يَنْزِلُ عَلَى حَالَيْنِ : فَنُقْصَانُ الْقِيرَاطَيْنِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْأَضْرَارِ بِاتِّخَاذِهَا ، وَنَقْصُ الْقِيرَاطِ بِاعْتِبَارِ قِلَّتِهِ . وَقِيلَ : يَخْتَصُّ نَقْصُ الْقِيرَاطَيْنِ بِمَنِ اتَّخَذَهَا بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ خَاصَّةً وَالْقِيرَاطِ بِمَا عَدَاهَا ، وَقِيلَ : يَلْتَحِقُ بِالْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ سَائِرُ الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَيَخْتَصُّ الْقِيرَاطُ بِأَهْلِ الْبَوَادِي ، وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى مَعْنَى كَثْرَةِ التَّأَذِّي وَقِلَّتِهِ . وَكَذَا مَنْ قَالَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي نَوْعَيْنِ مِنَ الْكِلَابِ : فَفِيمَا لَابَسَهُ آدَمِيٌّ قِيرَاطَانِ وَفِيمَا دُونَهُ قِيرَاطٌ . وَجَوَّزَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنْ يَكُونَ الْقِيرَاطُ الَّذِي يَنْقُصُ أَجْرَ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ ذَوَاتِ الْأَكْبَادِ الرَّطْبَةِ أَوِ الْحَرَّى ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ . وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا هَلْ هُمَا كَالْقِيرَاطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَاتِّبَاعِهَا ؟ فَقِيلَ : بِالتَّسْوِيَةِ ، وَقِيلَ : اللَّذَانِ فِي الْجِنَازَةِ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ ، وَاللَّذَانِ هُنَا مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ وَبَابُ الْفَضْلِ أَوْسَعُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَالْأَصَحُّ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ إِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ لِحِفْظِ الدَّرْبِ إِلْحَاقًا لِلْمَنْصُوصِ بِمَا فِي مَعْنَاهُ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَأْذُونَ فِي اتِّخَاذِهِ مَا لَمْ يَحْصُلِ الِاتِّفَاقُ عَلَى قَتْلِهِ وَهُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ ، وَأَمَّا غَيْرُ الْعَقُورِ فَقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزُ قَتْلُهُ مُطْلَقًا أَمْ لَا ؟ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَرْبِيَةِ الْجَرْوِ الصَّغِيرِ لِأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي يَئُولُ أَمْرُهُ إِلَيْهَا إِذَا كَبِرَ ، وَيَكُونُ الْقَصْدُ لِذَلِكَ قَائِمًا مَقَامَ وُجُودِ الْمَنْفَعَةِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي الْحَالِ لِكَوْنِهِ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْمَآلِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْكَلْبِ الْجَائِزِ اتِّخَاذُهُ لِأَنَّ فِي مُلَابَسَتِهِ مَعَ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ ، فَالْإِذْنُ فِي اتِّخَاذِهِ إِذْنٌ فِي مُكَمِّلَاتِ مَقْصُودِهِ ، كَمَا أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لَوَازِمِهِ مُنَاسِبٌ لِلْمَنْعِ مِنْهُ ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ لَا يُعَارِضُهُ إِلَّا عُمُومُ الْخَبَرِ الْوَارِدِ فِي الْأَمْرِ مِنْ غَسْلِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ إِذَا سَوَّغَهُ الدَّلِيلُ . وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى تَكْثِيرِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا يَنْقُصُهَا ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَسْبَابِ الزِّيَادَةِ فِيهَا وَالنَّقْصِ مِنْهَا لِتُجْتَنَبَ أَوْ تُرْتَكَبَ ، وَبَيَانُ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِخَلْقِهِ فِي إِبَاحَةِ مَا لَهُمْ بِهِ نَفْعٌ ، وَتَبْلِيغُ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ أُمُورَ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ ، وَفِيهِ تَرْجِيحُ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ لِوُقُوعِ اسْتِثْنَاءِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِمَّا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْث · ص 8 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب اقتناء الكلب للحرث · ص 157 باب اقتناء الكلب للحرث أي هذا باب في بيان حكم اقتناء الكلب ، والاقتناء بالقاف من باب الافتعال من اقتنى ، يقال : قناه يقنوه واقتناه : إذا اتخذه لنفسه دون البيع ، ومنه القنية وهي ما اقتنى من شاة أو ناقة أو غيرهما ، يقال : غنم قنوة وقنية ويقال قنوت الغنم وغيرها قنوة وقنوة وقنيت أيضا قنية وقنية إذا اقتنيتها لنفسك لا للتجارة ، قيل : أراد البخاري إباحة الحرث بدليل إباحة اقتناء الكلاب المنهي عن اتخاذها لأجل الحرث ، فإذا رخص من أجل الحرث في الممنوع من اتخاذه كان أقل درجاته أن يكون مباحا . ( قلت ) : هذا استنباط عجيب ؛ لأن إباحة الحرث بالنص ولو فرض موضع ليس فيه كلب لا يباح فيه الحرث . 3 - حدثنا معاذ بن فضالة قال : حدثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أمسك كلبا ، فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط إلا كلب حرث أو ماشية . مطابقته للترجمة في قوله : إلا كلب حرث ، ومعاذ بضم الميم وبذال معجمة ابن فضالة بفتح الفاء أبو زيد البصري وهشام الدستوائي . والحديث أخرجه مسلم في البيوع عن زهير بن حرب : حدثني إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا هشام الدستوائي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من مسك كلبا ، فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط إلا كلب حرث أو كلب ماشية . وروى مسلم أيضا من حديث الزهري عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية ، أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط ، قال الزهري : فذكر لابن عمر قول أبي هريرة فقال : يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع . فإن قلت : ما أراد ابن عمر بقوله : يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع ، قلت قيل : أنكر زيادة الزرع عليه ، والأحوط أن يقال : إنه أراد بذلك الإشارة إلى تثبيت رواية أبي هريرة ، وإن سبب حفظه لهذه الزيادة دون غيره أنه كان صاحب زرع مشتغلا بشيء يحتاج إلى معرفة أحكامه ، ومع هذا جاء لفظ زرع في حديث ابن عمر في رواية مسلم على ما نذكرها الآن ، وروى مسلم أيضا من حديث نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو ضارية نقص من عمله كل يوم قيراط ، وروى أيضا من حديث سالم عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من اقتنى كلبا إلا كلب صيد وماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان ، وروى أيضا من حديث عبد الله بن دينار ، أنه سمع ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اقتنى كلبا إلا كلب ضارية أو ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان ، وروى أيضا من حديث سالم بن عبد الله ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيما أهل دار اتخذوا كلبا إلا كلب ماشية ، أو كلب صائد نقص من علمه كل يوم قيراطان . وروى أيضا من حديث أبي الحكم قال : سمعت ابن عمر يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من اتخذ كلبا إلا كلب زرع أو غنم أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراط وروى أيضا من حديث سعيد ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ، ولا ماشية ، ولا أرض ، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان . وروى الترمذي من حديث عبد الله بن مغفل : ما من أهل بيت يربطون كلبا إلا نقص من عملهم كل يوم قيراط ، إلا كلب صيد أو كلب حرث أو كلب غنم ، وقال : حديث حسن . قوله : قيراط القيراط هنا مقدار معلوم عند الله ، والمراد : نقص جزء من أجزاء عمله . فإن قلت : ما التوفيق بين قوله : قيراط وقوله : قيراطان ؟ قلت : يجوز أن يكونا في نوعين من الكلاب : أحدهما أشد إيذاء ، وقيل : القيراطان في المدن والقرى ، والقيراط في البوادي ، وقيل : هما في زمانين ، فذكر القيراط أولا ثم زاد التغليظ فذكر القيراطين ، واختلفوا في سبب النقص ، فقيل : امتناع الملائكة من دخول بيته أو ما يلحق المارين من الأذى ، أو ذلك عقوبة لهم لاتخاذهم ما نهي عن اتخاذه ، أو لكثرة أكله النجاسات ، أو لكراهة رائحتها ، أو لأن بعضها شيطان أو لولوغه في الأواني عند غفلة صاحبها ، قوله : أو ماشية كلمة أو للتنويع أي : أو كلب ماشية ، والماشية اسم يقع على الإبل والبقر والغنم ، وأكثر ما يستعمل في الغنم ، ويجمع على مواشي . واختلف في الأجر الذي ينقص هل هو من العمل الماضي أو المستقبل ، حكى الروياني هذا ، وقال ابن التين : المراد به أنه لو لم يتخذه لكان علمه كاملا ، فإذا اقتناه نقص من ذلك العمل ، ولا يجوز أن ينقص من عمل مضى ، وإنما أراد أنه ليس عمله في الكمال عمل من لم يتخذ ، انتهى . فإن قلت : هل يجوز اتخاذه لغير الوجوه المذكورة ؟ قلت : قال ابن عبد البر ما حاصله أن هذه الوجوه الثلاثة تثبت بالسنة ، وما عداها فداخل في باب الحظر ، وقيل : الأصح عند الشافعية إباحة اتخاذه لحراسة الدرب إلحاقا للمنصوص بما في معناه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب اقتناء الكلب للحرث · ص 158 وقال ابن سيرين ، وأبو صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا كلب غنم أو حرث أو صيد أي : قال محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله : وأبو صالح أي وقال أبو صالح : ذكوان الزيات السمان ، ووصل تعليقه أبو الشيخ عبد الله بن محمد الأصبهاني في كتاب الترغيب له من طريق الأعمش ، عن أبي صالح ، ومن طريق سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة بلفظ : من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية ، أو صيد أو حرث ، فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراطان ولم يقل : سهيل أو حرث .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب اقتناء الكلب للحرث · ص 158 وقال أبو حازم ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلب صيد أو ماشية أبو حازم هذا هو سلمان الأشجعي مولى عزة الأشجعية ، ذكره المزي في الأطراف ، وقال أبو حازم ، عن أبي هريرة ولم يذكر شيئا غيره ، وهذا التعليق وصله أبو الشيخ من طريق زيد بن أبي أنيسة عن عدي بن ثابت عن أبي حازم بلفظ : أيما أهل دار ربطوا كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية نقص من أجرهم كل يوم قيراط .