3 - بَاب لَا يَظْلِمُ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ وَلَا يُسْلِمُهُ 2442 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَوْلُهُ ( بَابُ لَا يَظْلِمُ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ وَلَا يُسْلِمُهُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ يُقَالُ : أَسْلَمَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا أَلْقَاهُ إِلَى الْهَلَكَةِ وَلَمْ يَحْمِهِ مِنْ عَدُوِّهِ ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ أُسْلِمَ لِغَيْرِهِ ، لَكِنْ غَلَبَ فِي الْإِلْقَاءِ إِلَى الْهَلَكَةِ . قَوْلُهُ : ( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ) هَذِهِ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّ كُلَّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُطْلِقُ بَيْنَهُمَا اسْمَ الْأُخُوَّةِ ، وَيَشْتَرِكُ فِي ذَلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْبَالِغُ وَالْمُمَيِّزُ . قَوْلُهُ : ( لَا يَظْلِمُهُ ) هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ ، فَإِنَّ ظُلْمَ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ حَرَامٌ ، وَقَوْلُهُ : وَلَا يُسْلِمُهُ أَيْ لَا يَتْرُكُهُ مَعَ مَنْ يُؤْذِيهِ وَلَا فِيمَا يُؤْذِيهِ ، بَلْ يَنْصُرُهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ تَرْكِ الظُّلْمِ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ سَالِمٍ وَلَا يُسْلِمُهُ فِي مُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِهِ وَلِمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا يَحْقِرُهُ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ ، وَفِيهِ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً ) أَيْ غُمَّةً ، وَالْكَرْبُ هُوَ الْغَمُّ الَّذِي يَأْخُذُ النَّفْسَ ، وَكُرُبَاتٌ بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ كُرْبَةٍ وَيَجُوزُ فَتْحُ رَاءِ كُرُبَاتٍ وَسُكُونُهَا . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا ) أَيْ رَآهُ عَلَى قَبِيحٍ فَلَمْ يُظْهِرْهُ أَيْ لِلنَّاسِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي تَرْكَ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَنَصَحَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ عَنْ قَبِيحِ فِعْلِهِ ثُمَّ جَاهَرَ بِهِ ، كَمَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَسْتَتِرَ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَلَوْ تَوَجَّهَ إِلَى الْحَاكِمِ وَأَقَرَّ لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّتْرَ مَحَلُّهُ فِي مَعْصِيَةٍ قَدِ انْقَضَتْ ، وَالْإِنْكَارَ فِي مَعْصِيَةٍ قَدْ حَصَلَ التَّلَبُّسُ بِهَا فَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَإِلَّا رَفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ ، وَلَيْسَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ بَلْ مِنَ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ الْغِيبَةِ لِأَنَّ مَنْ أَظْهَرَ مَسَاوِئَ أَخِيهِ لَمْ يَسْتُرْهُ . قَوْلُهُ : ( سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ : سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَفِي الْحَدِيثِ حَضٌّ عَلَى التَّعَاوُنِ وَحُسْنِ التَّعَاشُرِ وَالْأُلْفَةِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُجَازَاةَ تَقَعُ مِنْ جِنْسِ الطَّاعَاتِ ، وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنَّ فُلَانًا أَخُوهُ وَأَرَادَ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَحْنَثْ . وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ حَنْظَلَةَ فِي أَبِي دَاوُدَ فِي قِصَّةٍ لَهُ مَعَ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا يَظْلِمُ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ وَلَا يُسْلِمُه · ص 116 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه · ص 288 ( باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه ) أي هذا باب يذكر فيه لا يظلم المسلمُ المسلم ؛ الأول مرفوع على الفاعلية ، والثاني منصوب على المفعولية ، قوله : " ولا يسلمه " بضم الياء ، يقال أسلم فلان فلانا إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه ، ويقال : معنى لا يسلمه لا يتركه مع من يؤذيه بل ينصره ويدفع عنه . 15 - حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب : أن سالما أخبره أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وعقيل بضم العين ابن خالد وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الإكراه عن يحيى ، وأخرجه مسلم وأبو داود جميعا ، والترمذي في الحدود ، وأخرجه النسائي في الرجم ، وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه الترمذي : من حديث الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن ستر على مسلم في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ، وعن عقبة بن عامر أخرجه أبو داود والنسائي من رواية أبي الهيثم عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موؤدة . زاد الحاكم في المستدرك : من قبرها . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، وعن ابن عباس أخرجه ابن ماجه من حديث عكرمة عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ، وعن كعب بن عجرة أخرجه الطبراني من حديث محمد بن كعب القرظي ، عن كعب بن عجرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : " من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربة يوم القيامة ، ومن ستر على مؤمن عورة ستر الله عليه عورته يوم القيامة ، ومن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربته . وعن مسلمة بن مخلد أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي أيوب عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : من ستر مسلما في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة ... الحديث ، وإسناده صحيح ، وعن أبي سعيد أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا أدخله الله الجنة . وعن جابر بن عبد الله أخرجه الطبراني أيضا في الأوسط من حديث محمد بن المنكدر عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : من ستر على أخيه عورة فكأنما أحيا موؤدة ، وضعفه ابن عدي ، وعن نبيط بن شريط أخرجه الطبراني في الصغير عن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبيه نبيط قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ستر عورة حرمة مؤمنة ستره الله من النار . وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أخرجه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب من رواية محمد بن إسحاق العكاشي ، عن عمرو بن وثاب ، عن قبيصة بن ذؤيب ، عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : من ستر مؤمنا فكأنما يستر الله عز وجل ، والعكاشي ضعيف . ( ذكر معناه ) قوله : " المسلم أخو المسلم " يعني أخوه في الإسلام ، وكل شيئين يكون بينهما اتفاق تطلق عليهما اسم الأخوة ، وقوله : " المسلم " يتناول الحر والعبد والبالغ والمميز ، قوله : " لا يظلمه " نفي بمعنى الأمر ، وهو من باب التأكيد ؛ لأن ظلم المسلم للمسلم حرام ، قوله : " ولا يسلمه " قد فسرناه الآن ، وزاد الطبراني في روايته عن سالم ولا يسلمه في مصيبة ، وقال ابن التين : لا يظلمه فرض ، ولا يسلمه مستحب ، وظاهر كلام الداودي أنه كظلمه قال : وفيه تفصيل الوجوب إذا فجئه عدو وشبه ذلك ، والاستحباب فيما كان من إعانة في شيء من الدنيا . وقال ابن بطال : نصر المظلوم فرض كفاية وتتعين فرضيته على السلطان ، قلت : الوجوب والاستحباب بحسب اختلاف الأحوال ، والستر على المسلم لا يمنع الإنكار عليه خفية ، وهذا في غير المجاهر ، وأما المجاهر فخارج عن هذا ولا غيبة له لقوله صلى الله عليه وسلم : " أترعون عن ذكر الفاجر متى يعرفه الناس ، اذكروه بما فيه يحذره الناس " رواه صاحب التلويح بإسناده عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، وقال صاحب التوضيح : هو ضعيف ، وجد بهز هو معاوية بن حيدة بن معاوية القشيري ، وعن يحيى بن معين بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده إسناده صحيح إذا كان دونه ثقة ، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : بهز شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به ، وقال النسائي : ثقة ، وقال أبو داود : هو حجة عندي ، استشهد به البخاري في الصحيح ، وروى له في الأدب ، وروى له الأربعة ، قوله : " كربة " بضم الكاف ، وهو الغم الذي يأخذ النفس ، وكذلك الكرب على وزن الضرب تقول منه : كربه الغم إذا اشتد عليه ، قوله : " من كربات " جمع كربة ، ويروى من كرب بضم الكاف وفتح الراء ، وابن التين اقتصر على الأول ، وقال : ضبط بضم الراء ويجوز فتحها وإسكانها ، قوله : " ومن ستر مسلما " أي رآه على قبيح فلم يظهره للناس ، وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه خفية . وفي الحديث حض على التعاون وحسن المعاشرة والألفة والستر على المؤمن ، وترك التسمع به والإشهار لذنوبه ، وفيه أن المجازاة قد تكون في الآخرة من جنس الطاعة في الدنيا ، وهذا الحديث يحتوي على كثير من آداب المسلمين ، وقال الكرماني : الستر إنما هو في معصية وقعت وانقضت ، أما فيما تلبس الشخص بها فيجب المبادرة بإنكارها ومنعه منها ، وأما ما يتعلق بجرح الرواة والشهود ، فلا يحل الستر عليهم ، وليس هذا من الغيبة المحرمة ، بل من النصيحة الواجبة .