34 - بَاب إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ شَيْئًا لِغَيْرِهِ 2481 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ ، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتْ الْقَصْعَةَ ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ : كُلُوا . وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا ، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ شَيْئًا لِغَيْرِهِ ) ؛ أَيْ : هَلْ يَضْمَنُ الْمِثْلَ أَوِ الْقِيمَةَ ؟ قَوْلُهُ : ( إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ ) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : أَهْدَتْ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا فِي قَصْعَةٍ ، فَضَرَبَتْ عَائِشَةُ الْقَصْعَةَ بِيَدِهَا . . . الْحَدِيثَ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ وَقَالَ : أَظُنُّهَا عَائِشَةَ . قَالَ الطِّيبِيُّ : إِنَّمَا أُبْهِمَتْ عَائِشَةُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهَا ، وَأنَّهُ مِمَّا لَا يَخْفَى وَلَا يَلْتَبِسُ أَنَّهَا هِـيَ ، لِأَنَّ الْهَدَايَا إِنَّمَا كَانَتْ تُهْدَى إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهَا . قَوْلُهُ : ( فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْخَادِمِ ، وَأَمَّا الْمُرْسِلَةُ فَهِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَيَوْمِهَا جَفْنَةً مَنْ حَيْسٍ . . . الْحَدِيثَ ، وَاسْتَفَدْنَا مِنْهُ مَعْرِفَةَ الطَّعَامِ الْمَذْكُورِ . وَوَقَعَ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ مَعَ أُمِّ سَلَمَةَ ؛ فَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا أَتَتْ بِطَعَامٍ فِي صَحْفَةٍ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ ، فَجَاءَتْ عَائِشَةُ مُتَّزِرَةً بِكِسَاءٍ وَمَعَهَا فِهْرٌ ، فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ . . . الْحَدِيثَ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ثَابِتٍ ، فَقِيلَ : عَنْهُ عَنْ أَنَسٍ ، وَرَجَّحَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْهُ رِوَايَةَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَقَالَ : إِنَّ غَيْرَهَا خَطَأٌ ، فَفِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِ عَائِشَةَ إِذْ أُتِيَ بِصَحْفَةِ خُبْزٍ وَلَحْمٍ مِنْ بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَ : فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا وَعَائِشَةُ تَصْنَعُ طَعَامًا عَجِلَةً ، فَلَمَّا فَرَغْنَا جَاءَتْ بِهِ وَرَفَعَتْ صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ فَكَسَرَتْهَا ، الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِ عَائِشَةَ مَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَنْتَظِرُونَ طَعَامًا ، فَسَبَقَتْهَا - قَالَ عِمْرَانُ : أَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهَا حَفْصَةُ - بِصَحْفَةٍ فِيهَا ثَرِيدٌ فَوَضَعَتْهَا ، فَخَرَجَتْ عَائِشَةُ - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ - فَضَرَبَتْ بِهَا فَانْكَسَرَتِ . . . الْحَدِيثَ . وَلَمْ يُصِبْ عِمْرَانُ فِي ظَنِّهِ أَنَّهَا حَفْصَةُ ؛ بَلْ هِيَ أُمُّ سَلَمَةَ كَمَا تَقَدَّمَ ، نَعَمْ وَقَعَتِ الْقِصَّةُ لِحَفْصَةَ أَيْضًا وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُوَاءَةَ غَيْرِ مُسَمًّى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَصْحَابِهِ ، فَصَنَعْتُ لَهُ طَعَامًا ، وَصَنَعَتْ لَهُ حَفْصَةُ طَعَامًا فَسَبَقَتْنِي ، فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ : انْطَلِقِي فَأَكْفِئِي قَصْعَتَهَا . فَأَكْفَأَتْهَا فَانْكَسَرَتْ وَانْتَشَرَ الطَّعَامُ ، فَجَمَعَهُ عَلَى النِّطَعِ فَأَكَلُوا ، ثُمَّ بَعَثَ بِقَصْعَتِي إِلَى حَفْصَةَ فَقَالَ : خُذُوا ظَرْفًا مَكَانَ ظَرْفِكُمْ . وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ ، وَهِيَ قِصَّةٌ أُخْرَى بِلَا رَيْبٍ ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْجَارِيَةَ هِيَ الَّتِي كَسَرَتِ الصَّحْفَةَ ، وَفِي الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّ عَائِشَةَ نَفْسَهَا هِـيَ الَّتِي كَسَرَتْهَا . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَسْرَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ صَانِعَةَ طَعَامٍ مِثْلَ صَفِيَّةَ ، أَهَدَتْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَاءً فِيهِ طَعَامٌ ، فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ كَسَرْتُهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا كَفَّارَتُهُ ؟ قَالَ : إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ وَطَعَامٌ كَطَعَامٍ . إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَلِأَحْمَدَ ، وَأَبِي دَاوُدَ عَنْهَا : فَلَمَّا رَأَيْتُ الْجَارِيَةَ أَخَذَتْنِي رِعْدَةٌ . فَهَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرَى أَيْضًا ، وَتَحَرَّرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ أُبْهِمَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ هِيَ زَيْنَبُ لِمَجِيءِ الْحَدِيثِ مِنْ مُخَرِّجِهِ وَهُوَ حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَصَصٌ أُخْرَى لَا يَلِيقُ بِمَنْ يُحَقِّقُ أَنْ يَقُولَ فِي مِثْلِ هَذَا : قِيلَ : الْمُرْسِلَةُ فُلَانَةٌ ، وَقِيلَ : فُلَانَةٌ . . . إِلَخْ ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيرٍ . قَوْلُهُ : ( بِقَصْعَةٍ ) بِفَتْحِ الْقَافِ : إِنَاءٌ مِنْ خَشَبٍ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ : بِصَحْفَةٍ ؛ وَهِيَ قَصْعَةٌ مَبْسُوطَةٌ ، وَتَكُونُ مِنْ غَيْرِ الْخَشَبِ . قَوْلُهُ : ( فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ ) زَادَ أَحْمَدُ : نِصْفَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : فَجَاءَتْ عَائِشَةُ وَمَعَهَا فِهْرٌ فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ : فَضَرَبَتِ الَّتِي فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ . وَالْفَلْقُ بِالسُّكُونِ الشَّقُّ ، وَدَلَّتِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَلَى أَنَّهَا انْشَقَّتْ ثُمَّ انْفَصَلَتْ . قَوْلُهُ : ( فَضَمَّهَا ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ : فَجَمَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِلَقَ الصَّحْفَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ : غَارَتْ أُمُّكُمْ . وَلِأَحْمَدَ : فَأَخَذَ الْكِسْرَتَيْنِ فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ حُمَيْدٍ نَحْوَهُ ، وَزَادَ : كُلُوا ، فَأَكَلُوا . قَوْلُهُ : ( وَحَبَسَ الرَّسُولُ ) زَادَ ابْنُ عُلَيَّةَ : حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا . قَوْلُهُ : ( فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةِ ) زَادَ ابْنُ عُلَيَّةَ : إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا ، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ . زَادَ الثَّوْرِيُّ : وَقَالَ : إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ ، وَطَعَامٌ كَطَعَامٍ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ فِيمَنِ اسْتَهْلَكَ عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا ، فَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا اسْتَهْلَكَ . قَالُوا : وَلَا يُقْضَى بِالْقِيمَةِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ . وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى الْقِيمَةِ مُطْلَقًا ، وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ كَالْأَوَّلِ ، وَعَنْهُ مَا صَنَعَهُ الْآدَمِيُّ فَالْمِثْلُ ، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَالْقِيمَةُ . وَعَنْهُ مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَالْقِيمَةُ وَإِلَّا فَالْمِثْلُ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ . وَمَا أَطْلَقَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ نَظَرٌ ، وَإِنَّمَا يُحْكَمُ فِي الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ إِذَا كَانَ مُتَشَابِهَ الْأَجْزَاءِ وَأَمَّا الْقَصْعَةُ فَهِيَ مِنَ الْمُتَقَوَّمَاتِ لِاخْتِلَافِ أَجْزَائِهَا . وَالْجَوَابُ مَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْقَصْعَتَيْنِ كَانَتَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتَيْ زَوْجَتَيْهِ فَعَاقَبَ الْكَاسِرَةَ بِجَعْلِ الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ فِي بَيْتِهَا وَجَعْلِ الصَّحِيحَةِ فِي بَيْتِ صَاحِبَتِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَضْمِينٌ ، وَيُحْتَمَلُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْقَصْعَتَانِ لَهُمَا أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ سَدَادًا بَيْنَهُمَا فَرَضِيَتَا بِذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الَّذِي كَانَتِ الْعُقُوبَةُ فِيهِ بِالْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا ، فَعَاقَبَ الْكَاسِرَةَ بِإِعْطَاءِ قَصْعَتِهَا لِلْأُخْرَى . قُلْتُ : وَيَبْعُدُ هَذَا التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ : إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ ، وَأَمَّا التَّوْجِيهُ الْأَوَّلُ فَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : مَنْ كَسَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ : فَصَارَتْ قَضِيَّةً ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حُكْمًا عَامًّا لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَيَبْقَى دَعْوَى مَنِ اعْتَذَرَ عَنِ الْقَوْلِ بِهِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا ، لَكِنَّ مَحَلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا أَفْسَدَ الْمَكْسُورَ ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَسْرُ خَفِيفًا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ فَعَلَى الْجَانِي أَرْشُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الطَّعَامِ فَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمَعُونَةِ وَالْإِصْلَاحِ دُونَ بَتِّ الْحُكْمِ بِوُجُوبِ الْمِثْلِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ مَعْلُومٌ ، وَفِي طُرُقِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الطَّعَامَيْنِ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاحْتَجَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ إِذَا تَغَيَّرَتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ حَتَّى زَالَ اسْمُهَا وَعِظَمُ مَنَافِعِهَا زَالَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ عَنْهَا وَمَلَكَهَا الْغَاصِبُ وَضَمِنَهَا ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ لِذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَإِنَّمَا وُصِفَتِ الْمُرْسِلَةُ بِأَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إِيذَانًا بِسَبَبِ الْغَيْرَةِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ عَائِشَةَ وَإِشَارَةً إِلَى غَيْرَةِ الْأُخْرَى حَيْثُ أَهْدَتْ إِلَى بَيْتِ ضَرَّتِهَا . وَقَوْلُهُ : غَارَتْ أُمُّكُمْ اعْتِذَارٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِئَلَّا يُحْمَلَ صَنِيعُهَا عَلَى مَا يُذَمُّ ، بَلْ يَجْرِي عَلَى عَادَةِ الضَّرَائِرِ مِنَ الْغَيْرَةِ ، فَإِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ فِي النَّفْسِ بِحَيْثُ لَا يُقْدَرُ عَلَى دَفْعِهَا . وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي الْحَدِيثِ حُسْنُ خُلُقِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْصَافُهُ وَحِلْمُهُ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُؤَدِّبِ الْكَاسِرَةَ وَلَوْ بِالْكَلَامِ لِمَا وَقَعَ مِنْهَا مِنَ التَّعَدِّي لِمَا فَهِمَ مِنْ أَنَّ الَّتِي أَهْدَتْ أَرَادَتْ بِذَلِكَ أَذَى الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا وَالْمُظَاهَرَةَ عَلَيْهَا ، فَاقْتَصَرَ عَلَى تَغْرِيمِهَا لِلْقَصْعَةِ . قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يُغَرِّمْهَا الطَّعَامَ لِأَنَّهُ كَانَ مُهْدًى ، فَإِتْلَافُهُمْ لَهُ قَبُولٌ أَوْ فِي حُكْمِ الْقَبُولِ ، وَغَفَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّا وَرَدَ فِي الطُّرُقِ الْأُخْرَى ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ) هُوَ سَعِيدٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ بَيَانَ التَّصْرِيحِ بِتَحْدِيثِ أَنَسٍ ، لِحُمَيْدٍ ، وَقَدْ وَقَعَ تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا مِنْ عِنْدِ ابْنِ حَزْمٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ شَيْئًا لِغَيْرِه · ص 148 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره · ص 36 باب إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره أي : هذا باب يذكر فيه إذا كسر شخص قصعة ، بفتح القاف ، وسكون الصاد ، وهي إناء من عود ، وقال ابن سيده : ، وهي صحفة تشبع عشرة ، وهي واحدة القصاع ، والقصع . قوله : أو شيئا ، من باب عطف العام على الخاص ، أي : أو كسر شيئا ، وجواب إذا محذوف ، تقديره : هل يضمن المثل ، أو القيمة ، هكذا قدره بعضهم ، وفيه نظر ؛ لأن القصعة ونحوها ليست من المثليات أصلا ، ولكن يمشي ما قاله في قوله : أو شيئا ؛ لأنه أعم من أن يكون من المثليات ، أو من ذوات القيم . فإن قلت في الحديث : إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دفع قصعة صحيحة عوض القصعة التي كسرتها عائشة على ما يجيء ؟ ( قلت ) : لم يكن ذلك من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ على سبيل الحكم على الخصم ، وكان دفعه القصعة عوض المكسورة تطييبا لقلب صاحبتها ، فلا يدل ذلك على أن القصعة ونحوها من المثليات . 54 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن حميد ، عن أنس رضي الله عنه ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام ، فضربت بيدها فكسرت القصعة فضمها ، وجعل فيها الطعام ، وقال : كلوا ، وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا ، فدفع القصعة الصحيحة ، وحبس المكسورة . مطابقته للترجمة في قوله : فكسرت القصعة ، ويحيى بن سعيد القطان . قوله : كان عند بعض نسائه . وروى الترمذي من رواية سفيان الثوري ، عن حميد ، عن أنس قال : أهدت بعض أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ طعاما في قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها ، فألقت ما فيها ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : طعام بطعام ، وإناء بإناء . ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . وأخرجه أحمد ، عن ابن أبي عدي ، ويزيد بن هارون ، عن حميد ، به . وقال : أظنها عائشة . وقال الطيبي : إنما أبهمت عائشة تفخيما لشأنها ، قيل : إنه مما لا يخفى ولا يلتبس أنها هي ؛ لأن الهدايا إنما كانت تهدى إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بيتها ، ورد بأن هذا مجرد دعوى يحتاج إلى البيان . وقال شيخنا : لم يقع في رواية أحد من البخاري ، والترمذي ، وابن ماجه تسمية زوج النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ التي أهدت له الطعام ، وقد ذكر ابن حزم من طريق الليث ، عن جرير بن حازم ، عن حميد ، عن أنس ، أن التي أهدته إليه زينب بنت جحش ، أهدت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وهو في بيت عائشة ، ويومها جفنة من حيس ، فقامت عائشة فأخذت القصعة فضربت بها ، فكسرتها فقام رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى قصعة لها فدفعها إلى رسول زينب ، فقال : هذه مكان صحفتها ، وروى أبو داود والنسائي من رواية جسرة بنت دجاجة عن عائشة قالت : ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية صنعت لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ طعاما فبعثت به فأخذني أفكل ، يعني رعدة ، فكسرت الإناء ، فقلت : يا رسول الله ، ما كفارة ما صنعت ؟ قال : إناء مثل إناء ، وطعام مثل طعام . قال الخطابي : في إسناده مقال . وقال الشيخ : يحتمل أنهما واقعتان ، وقعت لعائشة مرة مع زينب ، ومرة مع صفية ، فلا مانع من ذلك ، فإن كان ذلك واقعة واحدة رجعنا إلى الترجيح . وحديث أنس أصح ، وفي بعض طرقه زينب ، والله أعلم ، وذكر أبو محمد المنذري في الحواشي أن مرسلة القصعة أم سلمة رضي الله تعالى عنها . وروى النسائي من طريق حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أبي المتوكل ، عن أم سلمة ، أنها أتت بطعام في صحفة إلى النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وأصحابه ، فجاءت عائشة متزرة بكساء ، ومعها فهر ، ففلقت الصحفة . الحديث . وفي ( الأوسط ) للطبراني من طريق عبيد الله العمري عن ثابت ، عن أنس ، أنهم كانوا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بيت عائشة إذ أتي بصحفة خبز ، ولحم من بيت أم سلمة ، فوضعنا أيدينا ، وعائشة تصنع طعاما عجلة ، فلما فرغنا جاءت به ، ورفعت صحفة أم سلمة فكسرتها ، وروى ابن أبي شيبة وابن ماجه من طريق رجل من بني سواءة غير مسمى عن عائشة قالت : كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مع أصحابه ، فصنعت له طعاما ، وصنعت له حفصة طعاما ، فسبقتني فقلت للجارية : انطلقي فأكفئي قصعتها ، فألقتها فانكسرت ، وانتثر الطعام فجمعه على النطع ، فأكلوا ثم بعث بقصعتي إلى حفصة ، فقال : خذوا ظرفا مكان ظرفكم ، والظاهر أنها قصة أخرى ؛ لأن في هذه القصة أن الجارية هي التي كسرت ، وفي الذي تقدم أن عائشة نفسها هي التي كسرتها . قوله : فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين ، قد تقدم من الأحاديث أن التي أرسلت دائرة بين عائشة ، وزينب بنت جحش ، وصفية ، وأم سلمة رضي الله تعالى عنهن ، فإن كانت القصة متعددة فلا كلام فيها ، وإلا فالعمل بالترجيح ، كما ذكرنا . قوله : مع خادم ، يطلق الخادم على الذكر والأنثى ، وهنا المراد الأنثى بدليل تأنيث الضمير في قوله : فضربت بيدها فكسرت القصعة . وذكر هنا القصعة ، وفي غيره ذكر الجفنة والصحفة كما مر . قوله : فيها طعام ، قد ذكر في حديث زينب أنه حيس ، بفتح الحاء المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره سين مهملة ، وهو الطعام المتخذ من التمر ، والأقط ، والسمن ، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق ، أو الفتيت . وفي حديث الطبراني : خبز ولحم . قوله : فضمها ، أي : ضم القصعة التي انكسرت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ . قوله : وقال : كلوا ، أي : قال صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه الذين كانوا معه . قوله : وحبس الرسول ، أي : أوقف الخادم الذي هو رسول إحدى أمهات المؤمنين . قوله : والقصعة ، أي : حبس القصعة المكسورة أيضا عنده . قوله : حتى فرغوا ، أي : حتى فرغت الصحابة الذين كانوا معه من الأكل . قوله : فدفع ، أي : أمر بإحضار قصعة صحيحة من عند التي هو في بيتها ، فدفعها إلى الرسول ، وحبس القصعة المكسورة عنده ورأيت في بعض المواضع في أثناء مطالعتي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخذ القصعة المكسورة ، وكانت قطعا فاستوت صحيحة في كفه المبارك كما كانت أولا . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال ابن التين : احتج بهذا الحديث من قال : يقضى في العروض بالأمثال ، وهو مذهب أبي حنيفة ، والشافعي ، ورواية عن مالك ، وفي رواية أخرى كل ما صنع الآدميون غرم مثله كالثوب ، وبناء الحائط ، ونحو ذلك ، وكل ما كان من صنع الله عز وجل مثل العبد والدابة ففيه القيمة والمشهور من مذهبه أن كل ما كان ليس بمكيل ، ولا موزون ففيه القيمة ، وما كان مكيلا ، أو موزونا فيقضى بمثله يوم استهلاكه . وقال ابن الجوزي : فإن قيل : الصحفة من ذوات القيم ، فكيف غرمها فالجواب من وجهين : أحدهما أن الظاهر ما يحويه بيته صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أنه ملكه ، فنقل من ملكه إلى ملكه لا على وجه الغرامة بالقيمة . الثاني : أن أخذ القصعة من بيت الكاسرة عقوبة ، والعقوبة بالأموال مشروعة ، ولما استدل ابن حزم بحديث القصعة قال : هذا قضاء بالمثل لا بالدراهم . قال : وقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، وابن مسعود ، أنهما قضيا فيمن استهلك فصلانا بفصلان مثلها ، وشبهه داود بجزاء الصيد في العبد العبد ، وفي العصفور العصفور ، وفي ( التوضيح ) ، واختلف العلماء فيمن استهلك عروضا ، أو حيوانا فذهب الكوفيون ، والشافعي ، وجماعة إلى أن عليه مثل ما استهلك . قالوا : ولا يقضي بالقيمة إلا عند عدم المثل ، وذهب مالك إلى أن من استهلك شيئا من العروض أو الحيوان ، فعليه قيمته يوم استهلاكه ، والقيمة أعدل في ذلك ، ثم قال : واتفق مالك ، والكوفيون ، والشافعي ، وأبو ثور فيمن استهلك ذهبا أو ورقا ، أو طعاما مكيلا ، أو موزونا ، أن عليه مثل ما استهلك في صفته ، ووزنه ، وكيله . ( قلت ) : مذهب أبي حنيفة أن كل ما كان مثليا إذا استهلكه شخص يجب عليه مثله ، وإن كان من ذوات القيم يجب عليه قيمته ، والمثلي كالمكيل مثل الحنطة والشعير ، والموزون كالدراهم والدنانير ، لكن بشرط أن لا يكون الموزون مما يضر بالتبعيض ، يعني غير المصوغ منه فهو يلحق بذوات القيم . وغير المثلي كالعدديات المتفاوتة كالبطيخ ، والرمان ، والسفرجل ، والثياب ، والدواب . والعددي المتقارب كالجوز ، والبيض . والفلوس كالمكيل . والجواب عن حديث الباب ما قاله ابن الجوزي المذكور آنفا ، وقد ذكرنا في أول الباب ما يكفي عن الجواب ، عن الحديث . وفيه بسط عذر المرأة في حالة الغيرة ؛ لأنه لم ينقل أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عاتب عائشة على ذلك ، فإنما قال : غارت أمكم ، ويقال : إنما لم يؤدبها ، ولو بالكلام ؛ لأنه فهم أن المهدية كانت أرادت بإرسالها ذلك إلى بيت عائشة أذاها ، والمظاهرة عليها ، فلما كسرتها لم يزد على أن قال : غارت أمكم ، وجمع الطعام بيده ، وقال : قصعة بقصعة ، وأما طعام بطعام ؛ لأنه كان يعلم بإتلافه قبول له ، أو في حكمه . وقال القاضي أبو بكر : ولم يغرم الطعام ؛ لأنه كان مهدى ، فإتلافه قبول له ، أو في حكم القبول قيل فيه نظر ؛ لأن الطعام لم يتلف ؛ فإنه دعى بقصعة فوضعه فيها ، وقال : كلوا ، غارت أمكم . وأجيب بأن هذا الطعام إن كان هدية فيستدعي أن يكون ملكا للمهدي فلا غرامة ، وإن كان ملكا للنبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باعتبار أن ما كان في بيوت أزواجه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو ملك له ، فلا يتصور فيه الغرامة . وقال ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا يحيى بن أيوب ، قال : حدثنا حميد ، قال : حدثنا أنس ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ . ابن أبي مريم اسمه سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم ، وهو أحد شيوخ البخاري ، وأراد بهذا الكلام بيان التصريح بتحديث أنس لحميد .