30 - باب لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ 2621 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، وَشُعْبَةُ قَالَا : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ ) كَذَا بَتَّ الْحَكَمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ فِيهَا ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ أَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ لِلْوَالِدِ الرُّجُوعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِلْوَلَدِ ، فَيُمْكِنُ أَنَّهُ يَرَى صِحَّةَ الرُّجُوعِ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا بِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى تَفَاصِيلِ مَذَاهِبِهِمْ فِي بَابِ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ وَلَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْهديةِ وَالْهِبَةِ ، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ الْقَبْضِ . وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقَيْنِ ، إِحْدَاهُمَا : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هِـشَامٌ ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ ، ( وَشُعْبَةُ ) كَذَا أَخْرَجَهُ وَتَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَأَبُو خَلِيفَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ ، كُلُّهُمْ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، وَأَبَانُ ، وَهَمَّامٌ وَتَابَعه إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِيَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فَكَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ جَمَاعَةٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) فِي رِوَايَةِ شَهْرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي آخِرِهِ قَالَ هَمَّامٌ : قَالَ قَتَادَةُ : وَلَا أَعْلَمُ الْقَيْءَ إِلَّا حَرَامًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وَصَدَقَتِه · ص 278 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته · ص 174 باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته أي : هذا باب يذكر فيه لا يحل ... إلى آخره . فإن قلت : ليس لفظ لا يحل ولا لفظ يدل عليه في أحاديث الباب ، وكيف يترجم بهذه الترجمة ؟ قلت : قيل إنه ترجم بهذه الترجمة لقوة الدليل عنده فيها ، ولكن يعكر عليه بشيئين ؛ الأول : أنه يرى للوالد الرجوع فيما وهبه لولده ، فكيف يقول هنا لا يحل لأحد أن يرجع في هبته والنكرة في سياق النفي تقتضي العموم ؟ وانتهض بعضهم مساعدة له فقال : يمكن أن يرى صحة الرجوع له وإن كان حراما بغير عذر . قلت : سبحان الله ! ما أبعد هذا عن منهج الصواب ؛ لأنه كيف يرى صحة شيء مع كونه في نفس الأمر حراما ، وبين كون الشيء صحيحا وبين كونه حراما منافاة ، فالصحيح لا يقال له حرام ولا الحرام يقال له صحيح . والثاني أنه قيل في ترجمته بهذه الترجمة لقوة الدليل عنده ، فإن كانت هذه القوة لدليله بحديث ابن عباس فذا لا يدل على عدم الحل ، لأنا قد ذكرنا في أوائل باب هبة الرجل لامرأته أن جعله - صلى الله عليه وسلم - العائد في هبته كالعائد في قيئه من باب التشبيه من حيث إنه ظاهر القبح مروءة لا شرعا ، فلا يثبت بذلك عدم الحل في الرجوع حتى يقال لا يحل لأحد أن يرجع في هبته ، وأيضا كيف تثبت القوة لدليله مع ورود قوله صلى الله عليه وسلم : الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها . رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ، وأخرجه الدارقطني في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه ، ورُوي عن ابن عباس أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها . رواه الطبراني ، فإن قال المساعد له هذان الحديثان لا يقاومان حديثه الذي رواه في هذا الباب - قلت : ولئن سلمنا ذلك فما يقول في حديث ابن عمر ، أخرجه الحاكم في المستدرك عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها . وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . ورواه الدارقطني أيضا في سننه ، فإن قال مساهلة الحاكم في التصحيح مشهورة يقال له : حديث ابن عمر صحيح مرفوعا ورواته ثقات ، كذا قال عبد الحق في الأحكام وصححه ابن حزم أيضا ، ففيه الكفاية لمن يهتدي إلى مدارك الأشياء ومسالك الدلائل . 53 - حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا هشام وشعبة ، قالا : حدثنا قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : العائد في هبته كالعائد في قيئه . ليس فيه لفظ يدل على لفظ الترجمة ، ولا يتم به استدلاله على نفي حل الرجوع عن هبته . وهشام هو الدستوائي ، والحديث مر عن قريب . وقال ابن بطال : جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجوع في الهبة كالرجوع في القيء وهو حرام ، فكذا الرجوع في الهبة . قلنا : الراجع في القيء هو الكلب لا الرجل ، والكلب غير متعبد بتحليل وتحريم ، فلا يثبت منع الواهب من الرجوع ، فهو يدل على تنزيه أُمته من أمثال الكلب لا أنه أبطل أن يكون لهم الرجوع في هباتهم . فإن قلت : روي لا يحل لواهب أن يرجع في هبته - قلت : قال الطحاوي : قوله لا يحل لا يستلزم التحريم ، وهو كقوله لا تحل الصدقة لغني ، وإنما معناه : لا تحل له من حيث تحل لغيره من دون الحاجة ، وأراد بذلك التغليظ في الكراهة . قال : وقوله كالعائد في قيئه وإن اقتضى التحريم لكون القيء حراما لكن الزيادة في الرواية الأخرى وهي قوله كالكلب يدل على عدم التحريم ؛ لأن الكلب غير متعبد فالقيء ليس حراما عليه ، والمراد التنزيه عن فعل يشبه فعل الكلب . واعترض عليه بعضهم بقوله : ما تأوله مستبعد وينافي سياق الأحاديث ، وإن عرف الشرع في مثل هذه الأشياء يريد به المبالغة في الزجر ، كقوله من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ، انتهى . قلت : لا يستبعد إلا ما قاله هذا المعترض حيث لم يبين وجه الاستبعاد ولا بين وجه منافرة سياق الأحاديث ، ونحن ما ننفي المبالغة فيه ، بل نقول : المبالغة في التغليظ في الكراهة وقبح هذا الفعل ، وكل ذلك لا يقتضي منع الرجوع ، فافهم .