10 - بَاب هَلْ يُشِيرُ الْإِمَامُ بِالصُّلْحِ ؟ 2705 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَخِي ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ : سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُم ، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ ، وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ ؟ فَقَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ هَلْ يُشِيرُ الْإِمَامُ بِالصُّلْحِ ) أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى الْخِلَافِ ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ اسْتَحَبُّوا لِلْحَاكِمِ أَنْ يُشِيرَ بِالصُّلْحِ وَإِنِ اتَّجَهَ الْحَقُّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ مَا تَرْجَمَ بِهِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْحَضُّ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ الْحَقِّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِذَلِكَ بِمَعْنَى الصُّلْحِ ، عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ مَا جَزَمَ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي أَخِي ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْحَمِيدِ ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَأَبُو الرِّجَالِ بِالْجِيمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيِ ابْنِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقِيلَ لَهُ : أَبُو الرِّجَالِ ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ ذُكُورٍ ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ ، وَكَذَا الرَّاوِي عَنْهُ ; وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ مِنْهُمْ قَرِينَانِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ فَعَدَّهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمُنْقَطِعِ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ فِي إِسْنَادِهِ مُبْهَمٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْكِسَائِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، وَرُوِّينَاهُ فِي الْمَحَامِلِيَّاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَبِيبٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَسَّرَ مَنْ أَبْهَمَهُ مُسْلِمٌ بِهَؤُلَاءِ أَوْ بَعْضِهِمْ ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بَلْ تَابَعَهُ أَيُّوبُ بْنُ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا ، وَلَا انْفَرَدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ أَبِيهِ . قَوْلُهُ : ( سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمْ ) فِي رِوَايَةٍ أَصْوَاتُهُمَا ، وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بِاعْتِبَارِ مَنْ حَضَرَ الْخُصُومَةَ وَثَنَّى بِاعْتِبَارِ الْخَصْمَيْنِ ، أَوْ كَأَنَّ التَّخَاصُمَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَجَمَعَ ثُمَّ ثَنَّى بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الْخَصْمِ ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ جَوَّزَ صِيغَةَ الْجَمْعِ بِالِاثْنَيْنِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ ، وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ : عَالِيَةٍ الْجَرُّ عَلَى الصِّفَةِ وَالنَّصْبُ عَلَى الْحَالِ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الْآخَرَ ) أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ الْوَضِيعَةَ ، أَيِ الْحَطِيطَةَ مِنَ الدِّينِ . قَوْلُهُ : ( وَيَسْتَرْفِقُهُ ) أَيْ يَطْلُبُ مِنْهُ الرِّفْقَ بِهِ . وَقَوْلُهُ : ( فِي شَيْءٍ ) وَقَعَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ ، فَقَالَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ : دَخَلَتِ امْرَأَةٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنِّي ابْتَعْتُ أَنَا وَابْنِي مِنْ فُلَانٍ تَمْرًا فَأَحْصَيْنَاهُ . لَا وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ مَا أَحْصَيْنَا مِنْهُ إِلَّا مَا نَأْكُلُهُ فِي بُطُونِنَا أَوْ نُطْعِمُهُ مِسْكِينًا ، وَجِئْنَا نَسْتَوْضِعُهُ مَا نَقَصْنَا الْحَدِيثَ ، فَظَهَرَ بِهَذَا تَرْجِيحُ ثَانِي الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قَبْلُ ، وَأَنَّ الْمُخَاصَمَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ الْبَائِعِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَأَمَّا تَجْوِيزُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْمُتَخَاصِمَيْنِ هُمَا الْمَذْكُورَانِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ فَفِيهِ بُعْدٌ لِتَغَايُرِ الْقِصَّتَيْنِ ، وَعُرِفَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَصْلُ الْقِصَّةِ . قَوْلُهُ : ( أَيْنَ الْمُتَأَلِّي ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ ، أَيِ : الْحَالِفُ الْمُبَالِغُ فِي الْيَمِينِ ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَلِيَّةِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهِيَ الْيَمِينُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فَقَالَ : آلَى أَنْ لَا يَصْنَعَ خَيْرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ صَاحِبَ التَّمْرِ . قَوْلُهُ : ( فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبُّ ) أَيْ مِنَ الْوَضْعِ أَوِ الرِّفْقِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ : فَقَالَ : إِنْ شِئْتَ وَضَعْتُ مَا نَقَصُوا وإِنْ شِئْتَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، فَوَضَعَ مَا نَقَصُوا وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَضْعِ الْحَطُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَبِالرِّفْقِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ وَتَرْكُ الزِّيَادَةِ ، لَا كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِالرِّفْقِ الْإِمْهَالَ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالْغَرِيمِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ بِالْوَضْعِ عَنْهُ ، وَالزَّجْرُ عَنِ الْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ فِعْلِ الْخَيْرِ ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ : إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ أَمْرٍ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ وُقُوعَهُ ، وَعَنِ الْمُهَلَّبِ نَحْوُهُ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكُرِهَ الْحَلِفُ لِمَنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ خَيْرًا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كُرِهَ لَهُ قَطْعُ نَفْسِهِ عَنْ فِعْلِ الْخَيْرِ ، قَالَ : وَيُشْكِلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ : وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ حَلِفَهُ عَلَى تَرْكِ الزِّيَادَةِ وَهِيَ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ ، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ كَانَ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالِاسْتِمَالَةِ إِلَى الدُّخُولِ فِيهِ فَكَانَ يَحْرِصُ عَلَى تَرْكِ تَحْرِيضِهِمْ عَلَى مَا فِيهِ نَوْعُ مَشَقَّةٍ مَهْمَا أَمْكَنَ ، بِخِلَافِ مَنْ تَمَكَّنَ فِي الْإِسْلَامِ فَيَحُضُّهُ عَلَى الِازْدِيَادِ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ . وَفِيهِ سُرْعَةُ فَهْمِ الصَّحَابَةِ لِمُرَادِ الشَّارِعِ ، وَطَوَاعِيَتُهُمْ لِمَا يُشِيرُ بِهِ ، وَحِرْصُهُمْ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ ، وَفِيهِ الصَّفْحُ عَمَّا يَجْرِي بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ مِنَ اللَّغَطِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ . وَفِيهِ جَوَازُ سُؤَالِ الْمَدِينِ الْحَطِيطَةَ مِنْ صَاحِبِ الدَّيْنِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَاعْتَلَّ بِمَا فِيهِ مِنْ تَحَمُّلِ الْمِنَّةِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَ كَرَاهَتَهُ أَرَادَ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى . وَفِيهِ هِبَةُ الْمَجْهُولِ ، كَذَا قَالَ ابْنُ التِّينِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ يُشِيرُ الْإِمَامُ بِالصُّلْح · ص 362 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل يشير الإمام بالصلح · ص 284 ( باب هل يشير الإمام بالصلح ) أي هذا باب يذكر فيه هل يشير الإمام لأحد الخصمين أو لهما جميعا بالصلح وإن اتجه الحق لأحدهما ، وفيه خلاف فلذلك لم يذكر جواب الاستفهام ، فالجمهور استحبوا ذلك ، ومنعه المالكية ، وقال ابن التين : ليس في حديثي الباب ما ترجم به ، وإنما فيه الحض على ترك بعض الحق ، ورد عليه بأن إشارته صلى الله عليه وسلم بحط بعض الحق بمعنى الصلح . 14 - حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثني أخي ، عن سليمان ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن أن أمه عمرة بنت عبد الرحمن قالت : سمعت عائشة رضي الله عنها تقول : سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما ، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء وهو يقول : والله لا أفعل ، فخرج عليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " أين المتألي على الله لا يفعل المعروف ؟ " فقال : أنا يا رسول الله وله أي ذلك أحب . مطابقته للترجمة من حيث إن في قوله : " وله أي ذلك أحب " معنى الصلح ، وأخو إسماعيل هو عبد الحميد بن أبي أويس واسمه عبد الله بن أبي بكر الأصبحي المدني ، وسليمان هو ابن بلال أبو أيوب ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وأبو الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري ، وكني بأبي الرجال لما كان له أولاد عشرة كلهم صاروا رجالا كاملين ، وأمه عمرة بفتح العين المهملة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية ماتت سنة ست ومائة ، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون ، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق واحد . والحديث أخرجه مسلم في الشركة وقال : حدثنا غير واحد عن إسماعيل بن أبي أويس قال عياض : إن قول الراوي حدثنا غير واحد أو حدثنا الثقة أو بعض أصحابنا ليس من المقطوع ولا من المرسل ولا من المعضل عند أهل هذا الفن ، بل هو من باب الرواية عن المجهول ، قال : ولعل مسلما أراد بقوله غير واحد البخاري وغيره ، وأبو داود عد هذا النوع مرسلا ، وعند أبي عمر والخطيب هو منقطع . ( ذكر معناه ) قوله : ( صوت خصوم ) الخصوم بضم الخاء جمع خصم ، قال الجوهري : الخصم يستوي فيه الجمع والمؤنث لأنه في الأصل مصدر ، ومن العرب من يثنيه ويجمعه فيقول خصمان وخصوم ، والخصم بفتح الخاء وكسر الصاد أيضا الخصم والجمع خصماء ويقال الخصم بكسر الصاد شديد الخصومة ، والخصومة الاسم ، قوله : ( عالية أصواتهما ) ويروى : ( أصواتهم ) أي أصوات الخصوم ، وهو ظاهر لأن الخصوم جمع ، وأما وجه أصواتهما بتثنية الضمير فباعتبار الخصمين المتنازعين ، وقال الكرماني : هذا على قول من قال أقل الجمع اثنان ، وقال بعضهم : وليس فيه حجة لمن يجوز صيغة الجمع بالاثنين كما زعم بعض الشراح ، ( قلت ) : إن كان مراده من بعض الشراح الكرماني فليس كذلك لأنه لم يزعم ذلك بل ذكر أنه على قول من قال أقل الجمع اثنان ، ويروى أصواتها بإفراد الضمير للمؤنث ووجهه أن يكون بالنظر إلى لفظ الخصوم الذي يستوي فيه المذكر والمؤنث كما قلنا ، قوله : ( عالية ) يجوز فيه الجر والنصب ، أما الجر فعلى أنه صفة ، وأما النصب فعلى الحال ، وقوله : ( أصواتهما ) بالرفع بقوله عالية لأن اسم الفاعل يعمل عمل فعله ، قوله : ( وإذا أحدهما ) كلمة إذا للمفاجأة وأحدهما مرفوع بالابتداء ويستوضع خبره ، وإنما قال أحدهما بتثنية الضمير لما قلنا إنه باعتبار الخصمين ، ومعنى يستوضع يطلب أن يضع من دينه شيئا ، قوله : ( ويسترفقه ) أي يطلب منه أن يرفق به في الاستيفاء والمطالبة ، قوله : ( في شيء ) أي من الدين وحاصله في حط شيء منه ، قوله : ( وهو يقول ) أي والحال أن الآخر وهو الطالب يقول : ( والله لا أفعل ) أي لا أحط شيئا ، قوله : ( فخرج عليهما ) أي على المتخاصمين اللذين بالباب ، قوله : ( أين المتألي ) بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوق والهمزة وتشديد اللام المكسورة أي الحالف المبالغ في اليمين ، مأخوذ من الألية بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد الياء آخر الحروف وهي اليمين ، قوله : ( فله أي ذلك أحب ) أي فلخصمي أي شيء من الحط أو الرفق أحب ، وفي رواية ابن حبان : دخلت امرأة على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقالت : " إني ابتعت أنا وابني من فلان تمرا فأحصيناه ، لا والذي أكرمك بالحق ما أحصينا منه إلا ما نأكله في بطوننا أو نطعمه مسكينا ، وجئنا نستوضعه ما نقصنا فقال : إن شئت وضعت ما نقصوا وإن شئت من رأس المال ، فوضع ما نقصوا " وقال بعضهم : هذا يشعر بأن المراد بالوضع الحط من رأس المال وبالرفق الاقتصار عليه وترك الزيادة لا كما زعم بعض الشراح أنه يريد بالرفق الإمهال ، ( قلت ) : قد فسر الشيخ محيي الدين الرفق بالرفق في المطالبة وهو الإمهال . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الحض على الرفق بالغريم والإحسان إليه بالوضع عنه ، وفيه الزجر عن الحلف على ترك فعل الخير ، وقال الداودي : إنما كره ذلك لكونه حلف على ترك أمر عسى أن يكون قد قدر الله وقوعه ، واعترض عليه ابن التين بأنه لو كان كذلك لكره الحلف لمن حلف ليفعلن خيرا ، وليس كذلك بل الذي يظهر أنه كره له قطع نفسه عن فعل الخير ، قال : ويشكل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي قال : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ، فقال : أفلح إن صدق ، ولم ينكر عليه حلفه على ترك الزيادة وهي من فعل الخير ، وأجيب بأن في قصة الأعرابي كان في مقام الدعاء إلى الإسلام والاستمالة إلى الدخول فيه بخلاف من تمكن في الإسلام فيحضه على الازدياد من نوافل الخير ، وفيه سرعة فهم الصحابة لمراد الشارع وطواعيتهم لما يشير إليه وحرصهم على فعل الخير ، وفيه الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللغط ورفع الصوت عند الحاكم ، وفيه جواز سؤال المديون الحطيطة من صاحب الدين خلافا لمن كرهه من المالكية ، واعتل بما فيه من تحمل المنة ، وقال القرطبي : لعل من أطلق كراهته أنه أراد أنه خلاف الأولى ، ( قلت ) : ينبغي أن يكون مذهب أبي حنيفة أيضا هكذا لأنه علل في جواز تيمم المسافر الذي عدم الماء ومع رفيقه ماء بقوله : لأن في السؤال ذلا ، وقال النووي : وفيه أنه لا بأس بالسؤال بالوضع والرفق لكن بشرط أن لا ينتهي إلى الإلحاح وإهانة النفس أو الإيذاء ونحو ذلك إلا من ضرورة ، وفيه الشفاعة إلى أصحاب الحقوق وقبول الشفاعة في الخير ، ( فإن قلت ) : هل كانت في يمين المتألي المذكور كفارة أم لا ؟ ( قلت ) : قال صاحب ( التوضيح ) : إن كانت يمينه بعد نزول الكفارة ففيها الكفارة ، وقال النووي : ويستحب لمن حلف أن لا يفعل خيرا أن يحنث فيكفر عن يمينه .