12 - بَاب هَلْ يَنْتَفِعُ الْوَاقِفُ بِوَقْفِهِ ؟ وَقَدْ اشْتَرَطَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ، وَقَدْ يَلِي الْوَاقِفُ وَغَيْرُهُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا لِلَّهِ ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا كَمَا يَنْتَفِعُ بِهَا غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ . 2754 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ : ارْكَبْهَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ : ارْكَبْهَا وَيْلَكَ ، أَوْ وَيْحَكَ . 2755 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً ، فَقَالَ : ارْكَبْهَا ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ ، قَالَ : ارْكَبْهَا وَيْلَكَ . فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ هَلْ يَنْتَفِعُ الْوَاقِفُ بِوَقْفِهِ ) أَيْ بِأَنْ يَقِفَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ عَلَى غَيْرِهِ ، أَوْ بِأَنْ يَشْرِطَ لِنَفْسِهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ جُزْءًا مُعَيَّنًا ، أَوْ يَجْعَلَ لِلنَّاظِرِ عَلَى وَقْفِهِ شَيْئًا ، وَيَكُونَ هُوَ النَّاظِرَ ؟ وَفِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافٌ ، فَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى النَّفْسِ فَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابِ الْوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ ، وَأَمَّا شَرْطُ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْفَعَةِ فَسَيَأْتِي فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ فَأَذْكُرُهُ هُنَا . وَوَقَعَ قَبْلَ الْبَابِ فِي الْمُسْتَخْرَجِ لِأَبِي نُعَيْمٍ كِتَابُ الْأَوْقَافِ ، بَابُ هَلْ يَنْتَفِعُ الْوَاقِفُ بِوَقْفِهِ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدِ اشْتَرَطَ عُمَرُ ... إِلَخْ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ قِصَّةِ وَقْفِ عُمَرَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَوْصُولَةً فِي آخِرِ الشُّرُوطِ ، وَقَوْلُهُ : وَقَدْ يَلِي الْوَاقِفُ وَغَيْرُهُ ... إِلَخْ . هُوَ مِنْ تَفَقُّهِ الْمُصَنِّفِ ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ وِلَايَةَ النَّظَرِ لِلْوَاقِفِ لَا نِزَاعَ فِيهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَكَأَنَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَهُ ، وَإِلَّا فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَقِيلَ : إِنْ دَفَعَهُ الْوَاقِفُ لِغَيْرِهِ لِيَجْمَعَ غَلَّتَهُ وَلَا يَتَوَلَّى تَفْرِقَتَهَا إِلَّا الْوَاقِفُ جَازَ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَإِنَّمَا مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ كَأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ ، أَوْ يَطُولَ الْعَهْدُ فَيُنْتَسَى الْوَقْفُ ، أَوْ يُفْلِسَ الْوَاقِفُ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ لِنَفْسِهِ ، أَوْ يَمُوتَ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ وَرَثَتُهُ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ إِذَا حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ ذَلِكَ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنَّ النَّظَرَ يَجُوزُ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ . نَعَمْ ، إِنْ شَرَطَ ذَلِكَ جَازَ عَلَى الرَّاجِحِ ، وَالَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ قِصَّةِ عُمَرَ ظَاهِرٌ فِي الْجَوَازِ ، ثُمَّ قَوَّاهُ بِقَوْلِهِ : وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ جَعَلَ بَدَنَةً أَوْ شَيْئًا لِلَّهِ فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ كَمَا يَنْتَفِعَ غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ . أَوْرَدَ حَدِيثَيْ أَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي سَاقَ الْبَدَنَةَ وَأَمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرُكُوبِهَا ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الْحَجِّ مُسْتَوْفًى وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَمَنْ مَنَعَ وَمَنْ قَيَّدَ بِالضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ الْوَقْفَ عَلَى النَّفْسِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ إِذَا جَازَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِمَا أَهْدَاهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، فَجَوَازُهُ بِالشَّرْطِ أَوْلَى ، وَقَدِ اعْتَرَضَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الْمُتَكَلِّمَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ ، وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ فِي الْأُصُولِ ، قَالَ : وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَحْكِيمُ الْعُرْفِ حَتَّى يَخْرُجَ غَيْرُ الْمُخَاطَبِ مِنَ الْعُمُومِ بِالْقَرِينَةِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَا يَجُوزُ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِوَقْفِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ لِلَّهِ وَقَطَعَهُ عَنْ مِلْكِهِ فَانْتِفَاعُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ رُجُوعٌ فِي صَدَقَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إِنْ شَرَطَهُ فِي الْوَقْفِ أَوِ افْتَقَرَ هُوَ أَوْ وَرَثَتُهُ . انْتَهَى . وَالَّذِي عِنْدَ الْجُمْهُورِ جَوَازُ ذَلِكَ إِذَا وَقَفَهُ عَلَى الْجِهَةِ الْعَامَّةِ دُونَ الْخَاصَّةِ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْوَصَايَا فِي تَرْجَمَةٍ مُفْرَدَةٍ ، وَمِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ : لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا ثُمَّ صَارَ فَقِيرًا أَوْ أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ هَلْ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ ؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِهِ لِئَلَّا يَدَّعِيَ أَنَّهُ مِلْكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ يَنْتَفِعُ الْوَاقِفُ بِوَقْفِه · ص 450 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل ينتفع الواقف بوقفه · ص 48 باب هل ينتفع الواقف بوقفه أي هذا باب يذكر فيه هل ينتفع الواقف بوقفه الذي وقفه ، وإنما ذكره بكلمة هل الاستفهامية لمكان الخلاف فيه ، وانتفاع الواقف بوقفه أعم من أن يكون الوقف على نفسه ، أو أن يجعل جزءا من ريعه على نفسه ، أو أن يجعل النظر عليه لنفسه . وقد اشترط عمر رضي الله عنه لا جناح على من وليه أن يأكل . هذه قطعة من قصة وقف عمر رضي الله تعالى عنه ، وقد مضى موصولا في آخر الشروط ، قيل : ذكره لاشتراط عمر لا حجة فيه ؛ لأن عمر أخرجها عن يده ، ووليها غيره ، فجعل لمن وليها أن يأكل على شرطه . قوله : ( أن يأكل ) ، ويروى ( أن يأكل منها ) ، وقال ابن بطال : لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه ؛ لأنه أخرجه لله تعالى وقطعه عن ملكه ، فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته ، وقد نهى الشارع عن ذلك ، وإنما يجوز له الانتفاع به إن شرط ذلك في الوقف ، أو أن يفتقر المحبس ، أو ورثته ، فيجوز لهم الأكل منه ، وقال ابن القصار : من حبس دارا ، أو سلاحا ، أو عبدا في سبيل الله ، فأنفذ ذلك في وجوهه زمانا ، ثم أراد أن ينتفع به مع الناس ، فإن كان من حاجة ، فلا بأس ، وذكر ابن حبيب عن مالك ، قال : من حبس أصلا يجري غلته على المساكين ، فإن ولده يعطون منه إذا افتقروا كانوا يوم مات ، أو حبس فقراء ، أو أغنياء ، غير أنهم لا يعطون جميع الغلة مخافة أن يندرس الحبس ، ويكتب على الولد كتاب أنهم إنما يعطون منه ما أعطوا على المسكنة ، وليس لهم على حق فيه دون المساكين ، واختلفوا إذا أوصى بشيء للمساكين فغفل عن قسمته حتى افتقر بعض ورثته ، وكانوا يوم أوصى أغنياء ، أو مساكين ، فقال مطرف : أرى أن يعطوا من ذلك على المسكنة ، وهم أولى من الأباعد ، وقال ابن الماجشون : إن كانوا يوم أوصى أغنياء ، ثم افتقروا أعطوا منه ، وإن كانوا مساكين لم يعطوا منه ؛ لأنه أوصى وهو يعرف حاجتهم ، فكأنه أزاحهم عنه ، وقال ابن القاسم : لا يعطوا منه شيئا مساكين كانوا أو أغنياء يوم أوصى . وقد يلي الواقف ، أو غيره . هذا من تفقه البخاري ، يعني : قد يلي الواقف أمر وقفه ، أو يلي غيره ، وكلامه هذا يشعر أن الواقف إذا شرط ولاية النظر له جاز ، وقال ابن بطال : ذكر ابن المواز عن مالك أنه إن اشترط في حبسه أن يليه هو لم يجز ، وعن ابن عبد الحكم ، قال مالك : إن جعل الواقف الوقف بيد غيره يحوزه ، ويجمع غلته ، ويدفعها إلى الذي حبسه يلي تفرقته ، وعلى ذلك حبس أن ذلك جائز ، وقال ابن كنانة : من حبس ناقة في سبيل الله ، فلا ينتفع بشيء منها ، وله أن ينتفع بلبنها لقيامه عليها ، فمن أجاز للواقف أن يليه ، فإنما يجوز له الأكل منه بسبب ولايته عليه ، كما يأكل الوصي من مال يتيمه بالمعروف من أجل ولايته ، وعمله ، وإلى هذا المعنى أشار البخاري في هذا الباب ، ولم يجز مالك للواقف أن يلي وقفه قطعا للذريعة إلى الانفراد بغلته ، فيكون ذلك رجوعا فيه . وكذلك من جعل بدنة ، أو شيئا لله ، فله أن ينتفع بها كما ينتفع غيره ، وإن لم يشترط . أشار بهذا أيضا إلى جواز انتفاع الواقف بوقفه ما لم يضره ، وإن لم يشترط ذلك في أصل الوقف ، وقال الداودي : ليس فيه حجة لما بوب له ؛ لأن مهديها إنما جعلها لله عز وجل إذا بلغت محلها ، وأبقى ملكه عليها ، مع ما عليه من الخدمة من السوق ، والعلف ألا ترى أنها إن كانت واجبة أن عليه بدلها إن عطبت قبل محلها ، وإنما أمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بركوبها لمشقة السفر ، ولأنه لم ير له مركبا غيرها ، وإذا كان ركوبها مهلكا لها لم يجز له ذلك كما لا يجوز له أكل شيء من لحمها . 17 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة ، فقال له : اركبها ، فقال : يا رسول الله ، إنها بدنة ، فقال في الثالثة ، أو الرابعة : اركبها ، ويلك ، أو ويحك . أبو عوانة بفتح العين المهملة اسمه الوضاح اليشكري ، والحديث مضى في كتاب الحج في باب ركوب البدن ، فإنه رواه هناك عن أبي هريرة ، وعن أنس ، ومضى الكلام فيه هناك .