3 - بَاب الْغُسْلِ بِالصَّاعِ وَنَحْوِهِ 251 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شُعْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ : دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ ، فَسَأَلَهَا أَخُوهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوٍ مِنْ صَاعٍ ، فَاغْتَسَلَتْ وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَبَهْزٌ ، وَالْجُدِّيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ : قَدْرِ صَاعٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْغُسْلِ بِالصَّاعِ ) أَيْ بِمِلْءِ الصَّاعِ ( وَنَحْوِهِ ) أَيْ مَا يُقَارِبُهُ ، وَالصَّاعُ تَقَدَّمَ أَنَّهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِرِطْلِ بَغْدَادَ ، وَهُوَ عَلَى مَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا ، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ، وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ سَبَبَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّهُ فِي الْأَصْلِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعٍ ، ثُمَّ زَادُوا فِيهِ مِثْقَالًا لِإِرَادَةِ جَبْرِ الْكَسْرِ فَصَارَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ ، قَالَ : وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ تَقْدِيرِ الْعُلَمَاءِ بِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ) هُوَ الْجُعْفِيُّ ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ ) أَيِ ابْنُ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، شَارَكَ شَيْخَهُ أَبَا سَلَمَةَ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - فِي كَوْنِهِ زُهْرِيًّا مَدَنِيًّا مَشْهُورًا بِالْكُنْيَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ اسْمَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَبْدُ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( وَأَخُو عَائِشَةَ ) زَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ أَخُوهَا لِأُمِّهَا وَهُوَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَلَا يَصِحُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ; لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَأَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ : إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي الْجَنَائِزِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيعِ عَائِشَةَ عَنْهَا فَذَكَرَ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدِي أَنَّهُ الْمُرَادُ هُنَا ; لِأَنَّ لَهَا أَخًا آخَرَ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَهُوَ كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ رَضِيعُ عَائِشَةَ رَوَى عَنْهَا أَيْضًا وَحَدِيثُهُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ لِلْبُخَارِيِّ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِهِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْهُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بَصْرِيٌّ ، وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ كُوفِيٌّ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْهَمُ هُنَا أَحَدَهُمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوٍ ) بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ صِفَةٌ لِإِنَاءٍ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ نَحْوًا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَجْرُورِ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ أَوْ بِإِضْمَارِ أَعْنِي . قَوْلُهُ : ( وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا رَأَيَا عَمَلَهَا فِي رَأْسِهَا وَأَعَالِي جَسَدِهَا مِمَّا يَحِلُّ نَظَرُهُ لِلْمَحْرَمِ ; لِأَنَّهَا خَالَةُ أَبِي سَلَمَةَ مِنَ الرَّضَاعِ أَرْضَعَتْهُ أُخْتُهَا أُمُّ كُلْثُومٍ ، وَإِنَّمَا سَتَرَتْ أَسَافِلَ بَدَنِهَا مِمَّا لَا يَحِلُّ لِلْمَحْرَمِ النَّظَرُ إِلَيْهِ قَالَ : وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِاغْتِسَالِهَا بِحَضْرَتِهِمَا مَعْنًى ، وَفِي فِعْلِ عَائِشَةَ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّعْلِيمِ بِالْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ ، وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ مُحْتَمِلًا لِلْكَيْفِيَّةِ وَالْكَمِّيَّةِ ثَبَتَ لَهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرَيْنِ مَعًا : أَمَّا الْكَيْفِيَّةُ فَبِالِاقْتِصَارِ عَلَى إِفَاضَةِ الْمَاءِ وَأَمَّا الْكَمِّيَّةُ فَبِالِاكْتِفَاءِ بِالصَّاعِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) أَيِ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ ( قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا . قَوْلُهُ : ( وَبَهْزٌ ) بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ ابْنُ أَسَدٍ وَحَدِيثُهُ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِمَا مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَعِنْدَهُمَا أَيْضًا عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثًا وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَالْجُدِّيُّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ نِسْبَةً إِلَى جُدَّةَ سَاحِلِ مَكَّةَ ، وَكَانَ أَصْلُهُ مِنْهَا لَكِنَّهُ سَكَنَ الْبَصْرَةَ . قَوْلُهُ : ( قَدْرِ صَاعٍ ) بِالْكَسْرِ عَلَى الْحِكَايَةِ ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالْمُرَادُ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الِاغْتِسَالَ وَقَعَ بِمِلْءِ الصَّاعِ مِنَ الْمَاءِ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْغُسْلِ بِالصَّاعِ وَنَحْوِهِ · ص 434 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الغُسْلِ بِالصاعِ ونَحْوه · ص 247 3 - بَابُ الغُسْلِ بِالصاعِ ونَحْوه خرج فيهِ ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 251 - من رواية : عبد الصمد ، عن شعبة ، حدثني أبو بكر بن حفص ، قالَ : سمعت أبا سلمة يقول : دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة رضي الله عنها ، فسألها أخوها عن غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فدعت بإناء نحو من صاع ، فاغتسلت وأفاضت على رأسها ، وبيننا وبينها حجاب . قالَ أبو عبد الله : وقال يزيد بن هارون وبهز والجدي ، عن شعبة : قدر صاع . هذا الحديث خرجه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون ، عن شعبة - مختصرًا . وفي حديثه ( قدر الصاع ) كما أشار إليه البخاري . وخرجه مسلم من طريق معاذ العنبري ، عن شعبة ، وفي حديثه ( قدر صاع ) أيضًا . ولفظه : عن أبي سلمة ، قالَ : دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاعة ، فسألها عن غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة ، فدعت بإناء قدر الصاع ، فاغتسلت ، وبيننا وبينها ستر ، وأفرغت على رأسها ثلاثًا . قالَ : وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يأخذن من رءوسهن حتى يكون كالوفرة . والمقصود من إيراد هذا الحديث في هذا الباب أن عائشة لما سئلت عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم دعت بإناء قدر الصاع ، فاغتسلت به . وفي رواية : ( نحو الصاع ) . وهذا مما يدل على أن تقدير ماء الغسل ليس هوَ على وجه التحديد ، بل على التقريب ، وقد سبق التنبيه عليهِ . قالَ القرطبي : ظاهر هذا الحديث أنهما - يعني : أبا سلمة وأخا عائشة - أدركا عملها في رأسها وأعلى جسدها مما يحل لذي المحرم أن يطلع عليهِ من ذوات محارمه ، وأبو سلمة ابن أخيها نسبًا ، والآخر أخوها من الرضاعة . وتحققا بالسماع كيفية غسل ما لم يشاهداه من سائر الجسد ، ولولا ذَلِكَ لاكتفت بتعليمهما بالقول ، ولم تحتج إلى ذَلِكَ الفعل . قالَ : وإخباره عن كيفية شعور أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يدل على رؤيته شعرها ، وهذا لم يختلف في جوازه لذي المحرم ، إلا ما يحكى عن ابن عباس من كراهة ذَلِكَ . انتهى . وقوله : ( إن أبا سلمة كانَ ابن أخيها نسبًا ) - غلط ظاهر ؛ لأن أبا سلمة هوَ ابن عبد الرحمن بن عوف ، ولعل القرطبي ظنه ابن عبد الرحمن بن أبي بكر ، وإنما ابن عبد الرحمن بن أبي بكر هوَ القاسم . والظاهر أن أبا سلمة كانَ إذ ذاك صغيرًا دون البلوغ ، والآخر كانَ أخاها من الرضاعة . وقد اختلف العلماء فيما يباح للمحرم أن ينظره من محارمه من النساء : هل هوَ ما يظهر غالبًا في البيوت كالرأس واليدين والذراعيين والساقين والوجه والرقبة والشعر ؟ أو ما ليس بعورة ، وهو الوجه والكفان ؟ أو الوجه فقط ؟ أو لهُ النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة ؟ وفي ذَلِكَ خلاف مشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره . وكذلك اختلفوا في الصبي المميز ، إذا كانَ ذا شهوة هل هوَ كالمحرم ؟ أو كالأجنبي البالغ ؟ وفيه روايتان عن أحمد . وقد روى هذا الحديث ابن وهب ، عن أسامة بن زيد ، أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قالَ : دخلت على عائشة ، فقلت لها : كيف غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة ؟ فقالت : أدخل معك يا بن أخي رجلًا من بني أبي القعيس من بني أخيها من الرضاعة ، فأخبر أبا سلمة بما تصنع . فأخذت إناء ، فأكفأته ثلاث مرات على يدها قبل أن تدخل يدها فيهِ ، فقالَ : صبت على يدها من الإناء يا أبا سلمة ثلاث مرات قبل أن تدخل يدها ، فقالت : صدق . ثم مضمضت واستنثرت ، فقالَ : هي تمضمض وتستنثر ، فقالت : صدق . ثم غسلت وجهها ثلاث مرات ، ثم حفنت على رأسها ثلاث حفنات ، ثم قالت بيدها في الإناء جميعًا ، ثم نضحت على كتفيها ومنكبيها . كل ذَلِكَ تقول إذا أخبر ابن أبي القعيس ما تصنع : صدق . خرجه بقي بن مخلد وابن جرير الطبري . وهذا سياق غريب جدًا . وأسامة بن زيد الليثي ليس بالقوي . وهذه الرواية تدل على أن ابن أخيها من الرضاعة اطلع على غسلها ، وهذا يتوجه على قول من أباح للمحرم أن ينظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة ، وهو قول ضعيف شاذ . ورواية ( الصحيحين ) تخالف ذَلِكَ ، وتدل على أن أبا سلمة وأخا عائشة كانا جميعًا من وراء حجاب . وروى الإمام أحمد : ثنا إسماعيل هوَ ابن علية : نا يونس ، عن الحسن قالَ : قالَ رجل : قلت لعائشة : ما كانَ يقضي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة ؟ قالَ : فدعت بإناء ، حزره صاعًا بصاعكم هذا . وهذا الإسناد فيهِ انقطاع . وقوله : ( بصاعكم هذا ) - ربما أشعر بأنه الصاع الذي زيد فيهِ في زمن بني أمية كما سبق ذكر ذَلِكَ في ( باب الوضوء بالمد ) . وهذا يشهد لحديث مجاهد ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يغتسل بنحو ثمانية أرطال ، وفي رواية : أو تسعة ، أو عشرة . وقد سبق ذكره أيضًا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الغسل بالصاع ونحوه · ص 196 باب الغسل بالصاع ونحوه أي هذا باب في بيان حكم الغسل بالماء قدر ملء الصاع ؛ لأن الصاع اسم للخشبة فلا يتصور الغسل به . قوله : ونحوه ، أي : ونحو الصاع من الأواني التي يسع فيها ما يسع في الصاع . قال الجوهري : الصاع الذي يكال به وهو أربعة أمداد ، والجمع أصوع ، وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة ، والصواع لغة فيه ، ويقال : هو إناء يشرب فيه ، وقال ابن الأثير : الصاع مكيال يسع أربعة أمداد ، والمد مختلف فيه ، فقيل : هو رطل وثلث بالعراقي ، وبه قال الشافعي وفقهاء الحجاز ، وقيل : هو رطلان ، وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق ، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا أو ثمانية أرطال ، وقال عياض : جمع الصاع أصوع وآصع لكن الجاري على العربية أصوع لا غير ، والواحد صاع وصواع وصوع ، ويقال : أصؤع بالهمزة ، وهو مكيال لأهل المدينة معروف يسع أربعة أمداد بمد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال أبو عمر : قال الخليل : الصاع طاس يشرب فيه ، وفي ( المطالع ) يجمع على آصوع وصيعان ، وقال بعضهم : قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهم : إن الصاع ثمانية أرطال وتمسكوا بما روى مجاهد عن عائشة رضي الله عنها أنه حرز الماء ثمانية أرطال والصحيح الأول فإن الحرز لا يعارض به التحديد ، انتهى . قلت : هذه العبارة تدل على أن هذا القائل لم يعرف أنه مذهب الإمام أبي حنيفة إذ لو عرف لم يأت بهذه العبارة ولم ينفرد بهذا بل ذهب إليه أيضا إبراهيم النخعي والحجاج بن أرطأة والحكم بن عتيبة وأحمد في رواية وتمسكوا في هذا بما أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح ، قال : حدثنا ابن أبي عمران ، قال : حدثنا محمد بن شجاع وسليمان بن بكار ، وأحمد بن منصور الزيادي ، قالوا : حدثنا يعلى بن عبيد عن موسى الجهني عن مجاهد ، قال : دخلنا على عائشة رضي الله تعالى عنها فاستسقى بعضنا فأتي بعس ، قالت عائشة : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغتسل بملء هذا . قال مجاهد : فحرزته فيما أحرز ثمانية أرطال تسعة أرطال . عشرة أرطال ، وابن أبي عمران هو أحمد بن موسى بن عيسى الفقيه البغدادي نزيل مصر ، وثقه ابن يونس ومحمد بن شجاع البغدادي أبوعبد الله الثلجي بالتاء المثلثة فلأجل التكلم فيه ذكر معه شيخين آخرين أحدهما سليمان بن بكار أبو الربيع المصري والآخر أحمد بن منصور الزيادي شيخ ابن ماجه وأبو عوانة الأسفرائني . قال الدارقطني : ثقة ، ويعلى بن عبيد الإيادي روى له الجماعة وموسى بن عبد الله الجهني الكوفي روى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه ، والحديث أخرجه النسائي أيضا ، قال : حدثنا محمد بن عبيد ، قال : حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن موسى الجهني ، قال : أتى مجاهد بقدح ، فقال : حرزته ثمانية أرطال ، فقال : حدثنتي عائشة رضي الله تعالى عنها ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يغتسل بمثل هذا ، ثم قال المتمسكون به : مجاهد لم يشك في ثمانية ، وإنما شك فيما فوقها فثبت الثمانية بهذا الحديث وانتفى ما فوقها . قلت : الدليل على عدم شك مجاهد في الثمانية رواية النسائي ، ثم قول هذا القائل : والصحيح الأول غير صحيح ؛ لأن الأول فيه ذكر الفرق وهو كما ترى فيه أقوال ، فكيف يقول الحرز لا يعارض به التحديد ، ففي أي موضع التحديد المعين ، وأما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فالمذكور فيه الفرق الذي كان يغتسل منه النبي عليه الصلاة والسلام ، ولم يذكر مقدار الماء الذي كان يكون فيه هل هو ملؤه أو أقل من ذلك . 4 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثني عبد الصمد ، قال : حدثني شعبة قال : حدثني أبو بكر بن حفص ، قال : سمعت أبا سلمة يقول : دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة ، فسألها أخوها عن غسل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدعت بإناء نحو من صاع ، فاغتسلت وأفاضت على رأسها وبيننا وبينها حجاب . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) وهم سبعة . الأول عبد الله بن محمد الجعفي المسندي بضم الميم تقدم في باب الإيمان . الثاني عبد الصمد بن عبد الوارث التنوري مر في كتاب العلم في باب من أعاد الحديث ثلاثا . الثالث : شعبة بن الحجاح تكرر ذكره . الرابع : أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص وهو مشهور بالكنية ، وقيل : اسمه عبد الله . الخامس : أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف مر في باب الوحي ، وهو ابن أخت عائشة من الرضاعة أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فعائشة خالته . السادس : أخو عائشة من الرضاعة كما جاء مصرحا به في ( صحيح مسلم ) واسمه فيما قيل : عبد الله بن يزيد ، قاله النووي ، وقال مسلم في ( الطبقات ) عبد الله بن يزيد رضيع عائشة ، وقال الداودي في شرحه : إنه أخوها عبد الرحمن . قيل : إنه وهم منه ، وقيل : هو أخوها لأمها وهو الطفيل بن عبد الله . قيل : هو غير صحيح ، والدليل على فساد هذين القولين ما رواه مسلم من طريق معاذ والنسائي من طريق خالد بن الحارث وأبو عوانة من طريق يزيد ابن هارون كلهم عن شعبة في هذا الحديث أنه أخوها من الرضاعة ، ثم الذي ادعى أنه عبد الله بن يزيد استدل بما رواه مسلم في الجنائز عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد رضيع عائشة ، فذكر حديثا غير هذا . قلت : لا يلزم من هذا أن يكون هو عبد الله بن يزيد ؛ لأن لها أخا آخر من الرضاعة وهو كثير بن عبيد رضيع عائشة رضي الله تعالى عنها روى عنها أيضا ، والظاهر أنه لم يتعين ، والأقرب أنه عبد الرحمن ولا يلزم من رواية مسلم وغيره أن يتعين عبد الله بن يزيد ؛ لأن الذي سألها عن غسل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يتعين أن يكون هو الذي روى عنه أبو قلابة في الجنائز . السابع : عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما . ( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع . وفيه : السماع والسؤال . وفيه : راويان كلاهما بالكنية مشهوران ومشاركان في الاسم على قول من يقول أن اسم أبي بكر عبد الله ، وكلاهما زهريان ومدنيان . ( بيان المعنى واستنباط الأحكام ) قوله : يقول جملة في محل النصب على الحال ، هذا هو الصحيح إن سمعت لا يتعدى إلى مفعول واحد ، وعلى قول من يقول يتعدى إلى مفعولين ، منهم الفارسي تكون الجملة في محل النصب على أنها مفعول ثان . قوله : وأخو عائشة عطف على الضمير المرفوع المتصل بعد التوكيد بضمير منفصل ، وهو قوله : أنا وهذه القاعدة . أنه لا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل بارزا كان أو مستترا إلا بعد توكيده بضمير منفصل نحو : لقد كنتم أنتم وآباؤكم . قوله : نحو من صاع بالجر والتنوين في نحو ؛ لأنه صفة إناء ، وفي رواية كريمة : نحوا بالنصب فيحتمل وجهين : أحدهما كون موصوفه منصوب المحل ؛ لأنه مفعول . قوله : فدعت والآخر بإضمار أعني ونحوه . قوله : وأفاضت ، أي : أسالت الماء على رأسها ، وهذه الجملة كالتفسير لقوله : فاغتسلت . قوله : وبيننا وبينها حجاب ، جملة وقعت حالا . وقال القاضي عياض : ظاهر هذا الحديث أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها مما يحل للمحرم نظره من ذات الرحم ، ولولا أنهما شاهدا ذلك لم يكن لاستدعائها الماء وطهارتها بحضرتهما معنى إذ لو فعلت ذلك كله في ستر عنهما لرجع الحال إلى وصفها لهما ، وإنما فعلت الستر لستر أسافل البدن وما لا يحل للمحرم النظر إليها ، وفي فعلها هذا دلالة على استحباب التعلم بالفعل فإنه أوقع في النفس من القول وأدل عليه ، وقال بعضهم : ولما كان السؤال محتملا للكيفية والكمية فأتت لهما ما يدل على الأمرين معا ، أما الكيفية فبالاقتصار على إفاضة الماء ، وأما الكمية فبالاكتفاء بالصاع . قلت : لا نسلم أن السؤال عن الكمية أيضا ، ولئن سلمنا فلم تبين إلا الكيفية ولا تعرض فيه للكمية ؛ لأنه قال : فدعت بإناء نحو من صاع ، فلا يدل ذلك على حقيقة الكمية ؛ لأنها طلبت إناء ماء مثل صاع ، فيحتمل أن يكون ذلك الماء ملء الإناء أو أقل منه . وفيه : ما يدل على أن العدد والتكرار في إفاضة الماء ليس بشرط ، والشرط وصول الماء إلى جميع البدن . ( قال أبو عبد الله : قال يزيد بن هارون وبهز والجدي عن شعبة : قدر صاع ) . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، حاصل كلامه أن هؤلاء الثلاثة رووا عن شعبة بن الحجاج هذا الحديث ، ولفظه : قدر صاع بدل نحو من صاع ، ويزيد بن هارون مر في باب التبرز في البيوت وبهز بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء ، وفي آخره زاي معجمة ابن أسد أبو الأسود الإمام الحجة البصري مات بمرو في بضع وتسعين ومائة ، والجدي بضم الجيم وتشديد الدال نسبة إلى جدة التي بساحل البحر من ناحية مكة وهو عبد الملك بن إبراهيم مات سنة خمس ومائتين وأصله من جدة لكنه سكن البصرة وروى له أبو داود والبخاري مقرونا بغيره . قوله : عن شعبة متعلق بهؤلاء الثلاثة ، وهذه متابعة ناقصة ذكرها البخاري تعليقا ، أما طريق يزيد فرواها أبو نعيم في ( مستخرجه ) عن أبي بكر بن خلاد عن الحارث بن محمد عنه ، وكذلك رواه أبو عوانة في ( مستخرجه ) وأما طريق بهز فرواها الإسماعيلي ، حدثنا المنيعي ، حدثنا يعقوب وأحمد ، ثنا إبراهيم ، قالا : حدثنا بهز بن أسد ، حدثنا شعبة . وأما طريق الجد فلم أقف عليه . قوله : قدر صاع تقديره : فدعت بإناء قدر صاع ويجوز الوجهان المذكوران في نحو من صاع هاهنا ، وقال بعضهم : والمراد من الروايتين أن الاغتسال وقع بملء الصاع من الماء تقريبا لا تحديدا . قلت : هذا القائل ذكر في الباب السابق من حديث مجاهد عن عائشة أنه حزر الإناء بثمانية أرطال إن الحزر لا يعارض به التحديد ونقض كلامه هذا بقوله والمراد من الروايتين إلى آخره . 5 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا زهير ، عن أبي إسحاق ، قال : حدثنا أبو جعفر ، أنه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قوم فسألوه عن الغسل ، فقال : يكفيك صاع ، فقال رجل : ما يكفيني ، فقال جابر : كان يكفي من هو أوفى منك شعرا وخير منك ، ثم أمنا في ثوب ) . هذا أيضا مطابق للترجمة . ( بيان رجاله ) وهم سبعة : الأول عبد الله بن محمد الجعفي تقدم عن قريب . الثاني : يحيى بن آدم الكوفي مات سنة ثلاث ومائتين . الثالث : زهير بضم الزاي ابن معاوية الكوفي ، ثم الجزري . الرابع : أبو إسحاق السبيعي بفتح السين عمرو بن عبد الله الكوفي . الخامس : أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر دفن بالبقيع في القبة المشهورة بالعباس ، تقدم في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين . السادس : أبوه هو زين العابدين . السابع : جابر الصحابي رضي الله تعالى عنه . ( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع . وفيه العنعنة في موضع واحد . وفيه : السؤال والجواب . وفيه : أن بين عبد الله بن محمد وبين زهير يحيى بن آدم ، قال الغساني : قد سقط ذكر يحيى في بعض النسخ وهو خطأ إذ لا يتصل الإسناد إلا به . وفيه : أن أكثر الرواة كوفيون والحديث أخرجه النسائي ، قال : أخبرنا قتيبة ، قال : أخبرنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي جعفر ، قال : تمار ينافي الغسل عند جابر بن عبد الله ، فقال جابر : يكفي في الغسل من الجنابة صاع من ماء . قلنا : ما يكفي صاع ولا صاعان . قال جابر : قد كان يكفي من كان خيرا منك وأكثر شعرا . ( بيان معانيه وإعرابه ) قوله : هو وأبوه ، أي : محمد بن علي وأبوه علي بن الحسين . قوله : وعنده قوم هكذا في أكثر النسخ ، وفي بعضها : وعنده قومه ، وكذا وقع في العمدة . قوله : فسألوه عن الغسل ، أي : مقدار ماء الغسل ، وفي مسند إسحاق بن راهويه أن متولي السؤال هو أبو جعفر . قال الكرماني : القوم هم السائلون فلم أفرد الكاف حيث قال : يكفيك صاع ، والظاهر يقتضي أن يقال : يكفي كل واحد منكم صاع ( قلت ) السائل كان شخصا واحدا من القوم وأضيف السؤال إليهم ؛ لأنه منهم كما يقال : النبوة في قريش وإن كان النبي منهم واحدا أو يراد بالخطاب العموم كما في قوله تعالى : ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم ، وكقوله صلى الله تعالى عليه وسلم . بشر المشائين في ظلم الليالي إلى المساجد بالنور التام ، أي : يكفي لكل من يصح الخطاب له صاع . قوله : فقال رجل المراد به الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب الذي يعرف أبوه بابن الحنفية ، مات في سنة مائة أو نحوها واسم الحنفية خولة بنت جعفر ، وفي رواية الإسماعيلي : فقال رجل منهم ، أي : من القوم . قوله : أوفى منك شعرا ارتفاعه بالخبرية وشعرا منصوب على التمييز وأراد به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قوله : وخير منك روي بالرفع والنصب أما الرفع فبكونه عطفا على أوفى وأما النصب فبكونه عطفا على الموصول أعني قوله : من فاته منصوب ؛ لأنه مفعول يكفي ، وفي رواية الأصيلي وخبرا بالنصب . قوله : ثم أمنا ، أي : جابر رضي الله تعالى عنه ، والضمير المرفوع الذي فيه يرجع إليه ، وقال الكرماني : قوله : ثم أمنا إما مقول جابر فهو معطوف على قوله : كان يكفي ، فالإمام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأما مقول أبي جعفر فهو عطف على فقال رجل فالإمام جابر رضي الله عنه ، وقال بعضهم : فاعل أمنا جابر كما سيأتي ذلك واضحا في كتاب الصلاة ولا التفات إلى من جعله مقوله والفاعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قلت : أراد بهذا الرد على الكرماني فيما ذكرنا عنه وجزم بقوله : إن الإمام جابر ، واحتج عليه بما جاء في كتاب الصلاة ، وهو ما روى عن محمد بن المنكدر ، قال : رأيت جابرا يصلي في ثوب واحد ، وقال : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في ثوب فإن كان استدلاله بهذا الحديث في رده على الكرماني فلا وجه له ، وهو ظاهر لا يخفى . ( بيان استنباط الأحكام ) فيه بيان ما كان السلف عليه من الاحتجاج بفعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والانقياد إلى ذلك . وفيه : جواز الرد على من يماري بغير علم إذ القصد من ذلك إيضاح الحق والإرشاد إلى من لا يعلم . وفيه : كراهية الإسراف في استعمال الماء . وفيه : استحباب استعمال قدر الصاع في الاغتسال . وفيه : جواز الصلاة في الثوب الواحد .