19 - بَاب مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تُوُفِّيَ فُجَاءَةً أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ ، وَقَضَاءِ النُّذُورِ عَنْ الْمَيِّتِ 2760 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ، وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ، قَالَ : نَعَمْ تَصَدَّقْ عَنْهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تُوُفِّيَ فُجَاءَةً ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِالْجِيمِ الْخَفِيفَةِ وَالْمَدِّ ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْفَاءِ وَسُكُونُ الْجِيمِ بِغَيْرِ مَدٍّ ( أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ ، وَقَضَاءُ النُّذُورِ عَنِ الْمَيِّتِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ ، وَكَأَنَّهُ رَمَزَ إِلَى أَنَّ الْمُهِمَّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ : إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا ، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ عَنِ النَّذْرِ وَعَنِ الصَّدَقَةِ عَنْهَا ، وَبَيَّنَ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ سَنَدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : سَقْيُ الْمَاءِ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ عَنْهُ بِإِسْنَادِ الْحَدِيثِ الثَّانِي فِي هَذَا الْبَابِ ، لَكِنْ بِلَفْظِ : إنَّ سَعْدًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَنْتَفِعُ أُمِّي إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا وَقَدْ مَاتَتْ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : اسْقِ الْمَاءَ ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ مَالِكٍ مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَةُ أُمِّ سَعْدٍ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( افْتُلِتَتْ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَ الْفَاءِ السَّاكِنَةِ ، وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ أُخِذَتْ فَتلةً ، أَيْ بَغْتَةً ، وَقَوْلُهُ : ( نَفْسُهَا ) بِالضَّمِّ عَلَى الْأَشْهَرِ ، وَبِالْفَتْحِ أَيْضًا وَهُوَ مَوْتُ الْفَجْأَةِ ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ هُنَا الرُّوحُ . قَوْلُهُ : ( وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ ) بِضَمِّ هَمْزَةِ أُرَاهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ : وَأَظُنُّهَا ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ ، وَإِنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصْحِيفٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَمْ تَتَكَلَّمْ فَلَمْ تَتَصَدَّقْ ، لَكِنْ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : خَرَجَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ وَحَضَرَتْ أُمَّهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ ، فقِيلَ لَهَا : أَوْصِي ، فَقَالَتْ : فِيمَ أُوصِي ؟ الْمَالُ مَالُ سَعْدٍ ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ سَعْدٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَأْوِيلُ رِوَايَةِ الْبَابِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَيْ بِالصَّدَقَةِ ، وَلَوْ تَكَلَّمَتْ لَتَصَدَّقَتْ أَيْ فَكَيْفَ أُمْضِي ذَلِكَ ؟ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ سَعْدًا مَا عَرَفَ بِمَا وَقَعَ مِنْهَا ، فَإِنَّ الَّذِي رَوَى هَذَا الْكَلَامَ فِي الْمُوَطَّأِ هُـوَ سَعِيدُ بْنِ عُبَادَةَ أَوْ وَلَدُهُ شُرَحْبِيلُ مُرْسَلًا ، فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يَتَّحِدْ رَاوِي الْإِثْبَاتِ وَرَاوِي النَّفْيِ ، فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا ) فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْجَنَائِزِ فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ وَلِبَعْضِهِمْ أَتَصَدَّقُ عَلَيْهَا أَوْ أَصْرِفُهُ عَلَى مَصْلَحَتِهَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تُوُفِّيَ فُجَاءَةً أَنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ وَقَضَاءِ النُّذُورِ عَنْ الْمَيِّت · ص 456 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يستحب لمن يتوفى فجأة أن يتصدقوا عنه وقضاء النذور عن الميت · ص 55 باب ما يستحب لمن يتوفى فجأة أن يتصدقوا عنه وقضاء النذور عن الميت أي هذا باب في بيان ما يستحب لمن يموت ، فجاءة ، أي : بغتة ، وهو بضم الفاء ، وتخفيف الجيم ممدودة ، ويجوز فتح الفاء ، وسكون الجيم بغير مد . قوله : ( أن يتصدقوا ) كلمة أن مصدرية ، والضمير في أن يتصدقوا لأهل الميت ، أو لأصحابه بقرينة الحال . قوله : ( وقضاء النذور ) بالجر عطف على قوله : ( لمن يتوفى ) ، والتقدير : وفي بيان استحباب قضاء النذور عن الميت الذي مات وعليه نذر . 22 - حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن أمي افتلتت نفسها ، وأراها لو تكلمت تصدقت ، أفأتصدق عنها ، قال : نعم ، تصدق عنها . مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة ، وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وهشام هو ابن عروة بن الزبير بن العوام ، يروي عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عائشة . والحديث أخرجه النسائي أيضا في الوصايا عن محمد بن سلمة ، عن ابن القاسم ، عن مالك به . قوله : ( افتلتت ) بلفظ المجهول من الافتلات ، أي : ماتت بغتة ، وكل شيء عوجل مبادرة ، فهو فلتة . قوله : ( نفسها ) بالنصب على أنه مفعول ثان ، وبالرفع على أنه مفعول أقيم مقام الفاعل ، والنفس مؤنثة ، وهي هنا الروح ، وقد تكون النفس بمعنى الذات ، وقال بعضهم : كأن البخاري رمز إلى أن المبهم في حديث عائشة هو سعد بن عبادة الذي تقدم في حديث ابن عباس في قصة سعد بن عبادة بلفظ آخر ، ولا تنافي بين قوله : ( إن أمي ماتت وعليها نذر ) وبين قوله : ( إن أمي توفيت وأنا غائب عنها ، فهل ينفعها شيء إن تصدقت به عنها ) لاحتمال أن يكون سأل عن النذر ، وعن الصدقة عنها . انتهى . ( قلت ) : المنافاة بين حديث عائشة وبين حديث ابن عباس ظاهرة بلا شك إن قرئ قوله : أراها بفتح الهمزة ، وإن قرئ بضمها ، فكذلك ؛ لأن الرجل يخبر عن حال أمه مشاهدة ، ( فإن قلت ) : يحتمل أن الرجل سأل عن النذر ، وعن الصدقة جميعا ، ( قلت ) : هذا هنا احتمال ، ومثل هذا الاحتمال لا يقطع به ، فالمنافاة حاصلة ، ( فإن قلت ) : الحديث قد مضى في كتاب الجنائز في باب موت الفجاءة ، ولفظه : ( إن أمي افتلتت نفسها ، وأظنها لو تكلمت تصدقت ) الحديث ، فهذا يدل قطعا على أن الهمزة في أراها مضمومة ، وأنه بمعنى : وأظنها لو تكلمت ، فهذا يوجه دعوى عدم المنافاة ، ( قلت ) : في رواية النسائي عن ابن القاسم ، عن مالك بلفظ : ( وأنها لو تكلمت تصدقت ) ، فهذا صريح في أن هذا الرجل في حديث عائشة غير سعد بن عبادة ، وأنه سأل عن الصدقة عن أمه ، وأن سعدا سأل عن الصدقة في رواية ابن عباس ، وفي رواية أخرى عنه أنه سأل عن النذر ، وعدم المنافاة يتأتى في رواية سعد فقط ، وأما المنافاة بين حديث عائشة هنا ، وبين حديث ابن عباس فظاهرة برواية النسائي ، والله أعلم . قوله : ( أفأتصدق عنها ) ، قال ، وفي الرواية التي مرت في الجنائز : ( فهل لها أجر إن تصدقت عنها ) ، قال : نعم . قوله : ( نعم ) يدل على أن الصدقة تنفع الميت ، وكذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ) الحديث يدل على ذلك ، وحديث سعد بن عبادة لما أمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالتصدق عن أمه ، قال : ( أي الصدقة أفضل ، قال : سقي الماء ) ، فهذه الأحاديث عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دلت على أن تأويل قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى على الخصوص ، وقال ابن المنذر : أما العتق عن الميت ، فلا أعلم فيه خبرا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أعتقت عبدا عن أخيها عبد الرحمن ، وكان مات ولم يوص ، وأجاز ذلك الشافعي ، قال بعض أصحابه : لما جاز أن يتطوع بالنفقة ، وهي مال ، فكذا العتق ، وفرق غيره بينهما ، فقال : إنما أجزناها للأخبار الثابتة ، والعتق لا خير فيه ، بل في قوله : ( الولاء لمن أعتق ) دلالة على منعه ؛ لأن الحي هو المعتق بغير أمر الميت ، فله الولاء إذا ثبت له الولاء ، فليس للميت منه شيء ، وهذا ليس بصحيح ؛ لأنه قد روي في حديث سعد بن عبادة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ( إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها ، قال : نعم ) فدل على أن العتق ينفع الميت ، ويشهد لذلك فعل عائشة الذي سبق .