36 - بَاب قَضَاءِ الْوَصِيِّ دُيُونَ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْوَرَثَةِ 2781 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ - أَوْ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ فِرَاسٍ قَالَ : قَالَ الشَّعْبِيُّ : ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا ، فَلَمَّا حَضَرَهُ جِذاذ النَّخْلِ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ . قَالَ : اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيَة ، فَفَعَلْتُ ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : ادْعُ أَصْحَابَكَ فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي ، وَأَنَا وَاللَّهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي تَمْرَةً ، فَسَلِمَ وَاللَّهِ الْبَيَادِرُ كُلُّهَا حَتَّى أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّه لَمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : أُغْرُوا بِي يَعْنِي هِيجُوا بِي : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ قَوْلُهُ : ( بَابُ قَضَاءِ الْوَصِيِّ دُيُونَ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنَ الْوَرَثَةِ ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ جَائِزٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ، أَوِ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا بِالشَّكِّ ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ الْبَغْدَادِيِّ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ بِوَاسِطَةٍ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ فِي الْجِهَادِ ، وَهُوَ عَقِبَ هَذَا سَوَاءً ، وَفِي الْمَغَازِي وَالنِّكَاحِ وَالْأَشْرِبَةِ ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ فَتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْبُيُوعِ ، وَأَخْرَجَ عَنْهُ أَيْضًا فِي الْجِزْيَةِ وَغَيْرِهَا ، وَشَيْبَانُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَفِرَاسٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ . وَحَدِيثُ جَابِرٍ الْمَذْكُورُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الصُّلْحِ وَالِاسْتِقْرَاضِ وَفِي الْهِبَةِ وَغَيْرِهَا ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : اذْهَبْ فَبَيْدِرْ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا دَالٌ مَكْسُورَةٌ بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ ، أَيِ : اجْعَلْ كُلَّ صِنْفٍ فِي بَيْدَرٍ - أَيْ جَرِينٍ - يَخُصُّهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ فَبَادِرْ . وَقَوْلُهُ : وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي تَمْرَةً كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِتَمْرَةٍ بِإِثْبَاتِهَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أُغْرُوا بِي يَعْنِي هُيِّجُوا بِي ) فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَقَعَ هَذَا لِلْمُسْتَمْلِيِّ وَحْدَهُ ، وَأُغْرُوا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، يُقَالُ : أُغْرِيَ بِكَذَا إِذَا لَهِجَ بِهِ وَأُوْلِعَ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ الْإِغْرَاءُ التَّهْيِيجُ وَالْإِفْسَادُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( خَاتِمَةٌ ) : اشْتَمَلَ كِتَابُ الْوَصَايَا وَمَا مَعَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْوَقْفِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى سِتِّينَ حَدِيثًا ، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا ، وَالْخَالِصُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا . وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ ، وَحَدِيثِهِ هُمَا وَالِيَانِ ، وَحَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، وَحَدِيثِ الدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَمَذْكُورٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِالْمَعْنَى ، وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ رُومَةَ فَمَا هُـوَ عِنْدَهُ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الشُّرْبِ مُخْتَصَرًا مُعَلَّقًا ، وَأَغْفَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ هُنَا وَهُنَاكَ . وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَثَرًا . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَضَاءِ الْوَصِيِّ دُيُونَ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الْوَرَثَة · ص 484 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قضاء الوصي دين الميت بغير محضر من الورثة · ص 77 ( باب قضاء الوصي دين الميت بغير محضر من الورثة ) أي : هذا باب في بيان جواز قضاء الوصي دين الميت ، وفي بعض النسخ " ديون الميت " بغير حضور الورثة ، ولا خلاف بين العلماء في جواز ذلك . 42 - حدثنا محمد بن سابق ، أو الفضل بن يعقوب ، عنه ، قال : حدثنا شيبان أبو معاوية ، عن فراس ، قال : قال الشعبي ، حدثني جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما ، أن أباه استشهد يوم أحد وترك ست بنات ، وترك عليه دينا ، فلما حضر جداد النخل أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد وترك عليه دينا كثيرا ، وإني أحب أن يراك الغرماء . قال : اذهب فبيدر ، كل تمر على ناحيته . ففعلت ، ثم دعوت ، فلما نظروا إليه أغروا بي تلك الساعة ، فلما رأى ما يصنعون ، أطاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات ثم جلس عليه ثم قال : ادع أصحابك ، فما زال يكيل لهم ، حتى أدى الله أمانة والدي ، وأنا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع إلي ، فسلم والله البيادر كلها أخواتي بتمرة ، حتى أني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه لم ينقص تمرة واحدة . مطابقته للترجمة من حيث إن جابر بن عبد الله أوفى دين والده بغير حضور أخواته اللاتي هن من الورثة . ومحمد بن سابق أبو جعفر التميمي مولاهم البغدادي البزاز ، وأصله فارسي كان بالكوفة ، روى عنه البخاري هنا فقط بلا واسطة ، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين ، وروى عنه بواسطة في الجهاد وفي المغازي والنكاح والأشربة ، ومع هذا تردد البخاري هنا حيث قال : محمد بن سابق أو الفضل بن يعقوب ، الرخامي البغدادي ، روى عنه البخاري في البيوع والتوحيد والجزية وعمرة الحديبية ، وهو من أفراده . وشيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي ، أبو معاوية ، سكن الكوفة ، أصله بصري . وفراس بكسر الفاء وتخفيف الراء وبالسين المهملة ، ابن يحيى الهمداني ، أبو يحيى الحارثي الكوفي المكتب . والشعبي هو عامر بن شراحيل من شعب همدان ، الكوفي . والحديث مضى في مواضع في الاستقراض والصلح والهبة وغيرها ، وسيأتي أيضا ، وقد مضى الكلام فيه غير مرة . قوله : " حضر جداد النخل " بفتح الجيم وكسرها ، وهو صرام النخل ، وهو قطع ثمرتها ، يقال : جد الثمرة يجدها جدا . قوله : " فبيدر " بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، وكسر الدال المهملة ، أمر من بيدر أي : اجعل كل صنف في بيدر ، أي : جرين يخصه ، والبيدر المكان الذي يداس فيه الطعام ، وهنا المكان الذي يجعل فيه التمر المجدود . قوله : " أغروا بي " مشتق من الإغراء ، وهو فعل ما لم يسم فاعله ، أي : لهجوا ، يقال : أغري بكذا إذا لهج به وأولع به ، وقال ابن الأثير : وفي حديث جابر " فلما رأوه أغروا بي تلك الساعة " أي : لجوا في مطالبتي وألحوا . قوله : " ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة " كذا هو في رواية الكشميهني وفي رواية غيره " تمرة " بنزع الخافض . قال أبو عبد الله : أغروا بي ، يعني : هيجوا بي فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، فسر معنى " أغروا بي " بقوله : يعني هيجوا بي ، والمعنى : أن الإغراء هو التهييج . وقال أبو عبيدة : في المجاز ، في قوله : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ الإغراء التهييج والإفساد .