29 - بَاب غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ 292 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ الْحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ ؟ قَالَ عُثْمَانُ : يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ ، قَالَ عُثْمَانُ : سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ ، قَالَ يَحْيَى : وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ ) أَيِ الرَّجُلُ ( مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ ) أَيْ مِنْ رُطُوبَةٍ وَغَيْرِهَا . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْحُسَيْنِ ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ الْمُعَلِّمِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَيْ قَالَ الْحُسَيْنُ قَالَ يَحْيَى وَلَفْظُ قَالَ الْأُولَى تُحْذَفُ فِي الْخَطِّ عُرْفًا . قَوْلُهُ : ( وَأَخْبَرَنِي ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ ، أَيْ أَخْبَرَنِي بِكَذَا ، وَأَخْبَرَنِي بِكَذَا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِحَذْفِ الْوَاوِ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لَمْ يَسْمَعْهُ الْحُسَيْنُ مِنْ يَحْيَى ؛ فَلِهَذَا قَالَ قَالَ يَحْيَى كَذَا ذَكَرَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ يَحْيَى ، وَلَيْسَ الْحُسَيْنُ بِمُدَلِّسٍ ، وَعَنْعَنَةُ غَيْرِ الْمُدَلِّسِ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ إِذَا لَقِيَهُ عَلَى الصَّحِيحِ . عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ يَحْيَى بِالتَّحْدِيثِ وَلَفْظُهُ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْحُسَيْنُ مَعَ ذَلِكَ بِهِ ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى أَيْضًا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ شَاهِينَ ، وَشَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ ، وَسَبَقَ الْكَلَامُ هُنَاكَ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْإِسْنَادِ وَأَلْفَاظِ الْمَتْنِ . قَوْلُهُ : ( فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ ) فِيهِ الْتِفَاتٌ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَقُولَ فَأَمَرُونِي أَوْ هُوَ مَقُولُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ فَيَكُونُ مُرْسَلًا . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْجَامِعِ الَّذِي فِي ضِمْنِ إِذَا جَامَعَ وَجَزَمَ أَيْضًا بِأَنَّهُ عَنْ عُثْمَانَ إِفْتَاءٌ وَرِوَايَةٌ مَرْفُوعَةٌ ، وَعَنِ الْبَاقِينَ إِفْتَاءٌ فَقَطْ . قُلْتُ : وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ أَمَرُوهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ عُثْمَانُ ، فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي عَدَمِ الرَّفْعِ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ الرَّفْعُ ; لِأَنَّ عُثْمَانَ أَفْتَاهُ بِذَلِكَ وَحَدَّثَهُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْمِثْلِيَّةُ تَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَيْضًا أَفْتَوْهُ وَحَدَّثُوهُ ، وَقَدْ صَرَّحَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِالرَّفْعِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ وَلَفْظُهُ : فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ غَيْرُ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْكِتَابِ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِلْبَاقِينَ قَالَ يَحْيَى : وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ وَهُوَ الْمُرَادُ ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ بِالْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ مُعَلَّقًا ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِيهِ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هُوَ وَهْمٌ ; لِأَنَّ أَبَا أَيُّوبَ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَمَا قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ . قُلْتُ : الظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ سَمِعَهُ مِنْهُمَا لِاخْتِلَافِ السِّيَاقِ ; لِأَنَّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قِصَّةً لَيْسَتْ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَكْبَرُ قَدْرًا وَسِنًّا وَعِلْمًا مِنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ عُرْوَةَ مِنْ بَابِ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ ; لِأَنَّهُمَا تَابِعِيَّانِ فَقِيهَانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ; لِأَنَّهُمَا فَقِيهَانِ صَحَابِيَّانِ كَبِيرَانِ وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَدْ حَكَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ مَعْلُولٌ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ الْفَتْوَى بِخِلَافِ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ حَكَى يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ شَاذٌّ . وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ اتِّصَالِ إِسْنَادِهِ وَحِفْظِ رُوَاتِهِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ نَحْوَ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ ، فَلَيْسَ هُوَ فَرْدًا ، وَأَمَّا كَوْنُهُمْ أَفْتَوْا بِخِلَافِهِ فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ نَاسِخُهُ ، فَذَهَبُوا إِلَيْهِ ، وَكَمْ مِنْ حَدِيثٍ مَنْسُوخٍ وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ الصِّنَاعَةِ الْحَدِيثِيَّةِ . وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالْوُضُوءِ إِذَا لَمْ يُنْزِلِ الْمُجَامِعُ مَنْسُوخٌ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ الْمَذْكُورَانِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى النَّسْخِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ بِهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ . صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، كَذَا قَالَ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى عِلَّتِهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَهُ مِنْ سَهْلٍ . نَعَمْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلٍ ، وَلِهَذَا الْإِسْنَادِ أَيْضًا عِلَّةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَفِي الْجُمْلَةِ هُوَ إِسْنَادٌ صَالِحٌ لِأَنْ يُحْتَجَّ بِهِ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي النَّسْخِ . عَلَى أَنَّ حَدِيثَ الْغُسْلِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ أَرْجَحُ مِنْ حَدِيثِ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ ; لِأَنَّهُ بِالْمَنْطُوقِ ، وَتَرْكُ الْغُسْلِ مِنْ حَدِيثِ الْمَاءِ بِالْمَفْهُومِ أَوْ بِالْمَنْطُوقِ أَيْضًا ، لَكِنَّ ذَاكَ أَصْرَحُ مِنْهُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَهِيَ مَا يَقَعُ فِي الْمَنَامِ مِنْ رُؤْيَةِ الْجِمَاعِ ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ . ( تَنْبِيهٌ ) : فِي قَوْلِهِ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ جِنَاسٌ تَامٌّ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ مَاءُ الْغُسْلِ وَبِالثَّانِي الْمَنِيُّ ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَنَابَةَ تُطْلَقُ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى الْجِمَاعِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ خُوطِبَ بِأَنَّ فُلَانًا أَجْنَبَ مِنْ فُلَانَةَ ، عَقِلَ أَنَّهُ أَصَابَهَا ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ، قَالَ : وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّ الزِّنَا الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ هُوَ الْجِمَاعُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : إِيجَابُ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْزَالِ نَظِيرُ إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُرُوجِ الْبَوْلِ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ دَلِيلًا وَتَعْلِيلًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ · ص 471 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبغسل ما يصيب مِن فرج المرأة · ص 373 29 - باب غسل ما يصيب مِن فرج المرأة 292 - حدثنا أبو معمر : نا عبد الوارث ، عَن الحسين المعلم : قالَ يحيى : وأخبرني أبو سلمة أن عطاء بن يسار أخبره ، أن زيد بن خالد الجهني أخبره ، أنهُ سأل عثمان بن عفان ، فقالَ : أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ، فلم يمن ؟ فقالَ عثمان : يتوضأ كَما يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره . وقال عثمان : سمعته مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فسألت عَن ذَلِكَ علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وأبي بن كعب - فأمروه بذلك . وأخبرني أبو سلمة أن عروة بن الزبير أخبره أن أبا أيوب أخبره أنهُ سمع ذَلِكَ مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 293 - حدثنا مسدد : نا يحيى ، عَن هشام بن عروة ، قالَ : أخبرني أبي ، قالَ : أخبرني أبو أيوب ، قالَ : أخبرني أبي بن كعب ، أنهُ قالَ : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا جامع الرجل [المرأة] ، فلم ينزل ! قالَ : ( يغسل ما مس المرأة منهُ ، ثم يتوضأ ويصلي ) . قالَ أبو عبد الله : الغسل أحوط ، وذلك الأخير ؛ إنما بينا لاختلافهم . الذِي وقع في الرواية الأولى عَن أبي سلمة ، عَن عروة ، أن أبا أيوب أخبره ، أنهُ سمع ذَلِكَ مِن النبي صلى الله عليه وسلم - وهم ، نبه عليهِ الدارقطني وغيره . تدل عليهِ الرواية الثانية ، عَن هشام بن عروة ، عَن أبيه : أخبرني أبو أيوب ، قالَ : أخبرني أبي بن كعب ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روى عبد الرحمن بن سعاد ، عَن أبي أيوب ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( الماء مِن الماء ) . خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه ، وليس فيهِ تصريح أبي أيوب بسماعه مِن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد خرج البخاري فيما تقدم في ذكر نواقض الوضوء حديث ذكوان أبي صالح ، عَن أبي سعيد ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( إذا أعجلت ، أو أقحطت - فلا غسل عليك ) . وخرج أيضا حديث يحيى بن أبي كثير الذِي خرجه هنا مِن طريق شيبان ، عَن يحيى ، إلى قوله في آخر الحديث : ( وأبي بن كعب ، فأمروه بذلك ) ، ولم يذكر ما بعده ، ولعله تركه لما وقع فيهِ مِن الوهم الذِي ذكرناه . وعند البخاري في كلتا الروايتين أن عليًا والزبير وطلحة وأبي بن كعب أفتوا بذلك ، ولم يرفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقد وقع في رواية غيره أنهم رفعوه أيضا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقد قالَ علي بن المديني في هَذا الحديث : إنه شاذ . وقال ابن عبد البر : هوَ منكر ؛ لَم يتابع عليهِ يحيى بن أبي كثير . وقد صح عَن أكثر من ذكر عَنهُ من الصحابة أنهُ لا غسل بدون الإنزال - خلاف ذَلِكَ . قالَ علي بن المديني : قَد روي عَن علي وعثمان وأبي بن كعب بأسانيد جياد أنهم أفتوا بخلاف ما في هَذا الحديث . وقالَ الدارقطني : رواه زيد بن أسلم ، عَن عطاء بن يسار ، عَن زيد بن خالد - أنهُ سأل خمسة أو أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمروه بذلك ، ولم يرفعه . يشير إلى أن زيد بن أسلم يخالف أبا سلمة في رفعه ، ولم يرفع منهُ شيئًا . وقد كانَ قوم من الأنصار قديمًا يقولون : ( إن الماء من الماء ) ، ثم استقر الأمر على أنهُ إذا التقى الختانان وجب الغسل ، ورجع أكثر من كان يخالف في ذَلِكَ عَنهُ . وأما المهاجرون فقد صح عَنهُم أنهم قالوا : ( إذا التقى الختانان وجب الغسل ) ، منهُم عمر ، وعثمان ، وعلي . فدل على أن عثمان وعليًا علموا أن ( الماء من الماء ) نسخ ، وإلا فكيف يروي عثمان أو غيره عَن النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ، ثم يرجع عَن القول بهِ ؟ وفي ( صحيح مسلم ) عَن أبي موسى ، قالَ : اختلف في ذَلِكَ رهط من المهاجرين والأنصار ، فقالَ الأنصاريون : لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء ، فقالَ المهاجرون : بل إذا خالط فقد وجب الغسل . قالَ : قالَ أبو موسى : فأنا أشفيكم من ذَلِكَ . وذكر قيامه إلى عائشة وما روته لهُ عَن النبي صلى الله عليه وسلم كَما سبق ذكره . وروى وكيع ، عَن القاسم بن الفضل ، عَن أبي جعفر محمد بن علي ، قالَ : قالَ المهاجرون : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل ، وقال الأنصار : الماء من الماء . وروى ابن أبي شيبة ، عَن حفص بن غياث ، عَن حجاج ، عَن أبي جعفر ، قالَ : أجمع المهاجرون أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي - أن ما أوجب الحدين : الجلد والرجم ، أوجب الغسل . وروى إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في ( كِتابِ الطهور ) عَن ابن نمير ، عَن يحيى بن سعيد ، عَن سعيد بن المسيب ، قالَ : كانَ أبو بكر وعمر يأمران بالغسل ، يعني : من الإكسال . وروى مالك عَن ابن شهاب ، عَن سعيد بن المسيب ، قالَ : إن عمر وعثمان وعائشة كانوا يقولون : إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل . وروى عبد الرزاق عَن معمر ، عَن الزهري ، عَن سعيد بن المسيب ، قالَ : كانَ عمر وعثمان وعائشة والمهاجرون الأولون يقولون : إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل . وروى وكيع ، عَن محمد بن قيس الأسدي ، عَن علي بن ربيعة ، عَن علي ، قالَ : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل . وروى ابن أبي شيبة والأثرم بإسنادهما ، عَن عاصم ، عَن زر ، عَن علي ، قالَ : إذا التقى الختانان وجب الغسل . وقد روي عَن علي من وجوه متعددة . فهؤلاء الخلفاء الراشدون - رضي الله عَنهُم - قَد أجمعوا على ذَلِكَ ، معَ أن بعضهم روى عَن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه ، فلولا أنهم علموا أن ما خالف ذَلِكَ منسوخ لما خالفوا ما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم . ووافقهم على ذَلِكَ أكابر الصحابة ، منهُم : ابنِ مسعود ، وابن عمر ، وأبو ذر ، وأبو هريرة ، ومعاذ بن جبل فقيه الأنصار ، وأبو هريرة ، وعائشة أم المؤمنين وهي أعلم الناس بهذا ، وإليها مرجع الناس كلهم . وقد صح عنها أنها أفتت بذلك ، وأمرت بهِ ، وأن الصحابة الذين سمعوا منها رجعوا إلى قولها في ذَلِكَ ؛ فإنها لا تقول مثل هَذا إلا عَن علم عندها فيهِ عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا سيما وقد علمت اختلاف الصحابة في ذَلِكَ . وجمع عمر الناس كلهم على قولها ، فلو كانَ قولها رأيًا مجردًا عَن رواية لما استجازت رد روايات غيرها من الصحابة برأيها . وقد روي عنها من وجوه كثيرة ، وبعضها صحيح كَما تقدم - أنها روته عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا أو فعلًا . فما بقي بعد ذَلِكَ سوى العناد والتعنت ، ونعوذ بالله من مخالفة ما أجمع عليهِ الخلفاء الراشدون ، وجمع عليهِ عمر كلمة المسلمين ، وأفتت بهِ عائشة أم المؤمنين أفقه نساء هَذهِ الأمة ، وهي أعلم بمستند هَذهِ المسألة من الخلق أجمعين . فروى مالك عَن يحيى بن سعيد ، عَن سعيد بن المسيب ، أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة أم المؤمنين ، فقالَ لها : لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر إني لأعظم أن أستقبلك بهِ ! قالت : ما هو ؟ ما كنت سائلًا عَنهُ أمك فسلني عَنهُ ! قالَ لها : الرجل يصيب أهله ، ثم يكسل ولا ينزل ؟ فقالت : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل . فقالَ أبو موسى : لا أسأل عَن هَذا أحدًا بعدك . ورواه حماد بن زيد وعبد الوهاب الثقفي وغيرهما ، عَن يحيى بن سعيد - بنحوه . وسمى عبد الوهاب في روايته من قالَ : لا يجب الغسل بذلك : أبي بن كعب وأبا أيوب وزيد بن ثابت ، وسمى ممن يأمر بالغسل عمر وعثمان . وروى ابن إسحاق ، عَن يزيد بن أبي حبيب ، عَن معمر بن عبد الله بن أبي حيية ، عَن عبيد بن رفاعة بن رافع ، عَن أبيه رفاعة ، قالَ : كنت عند عمر ، فقيل لَهُ : إن زيد بن ثابت يفتي برأيه في الذِي يجامع ولا ينزل . فدعاه ، فقالَ : أي عدو نفسه ! قَد بلغت أن تفتي الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيك ! قالَ : ما فعلت ، ولكن حدثني عمومتي عَن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالَ : أي عمومتك ؟ قالَ : أبي بن كعب ، وأبو أيوب ، ورفاعة بن رافع . قالَ : فالتفت عمر إلي ، فقلت : كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالَ : فسألتم عَنهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالَ : كنا نفعله على عهده . قالَ : فجمع الناس ، وأصفق الناس على أن الماء لا يكون إلا من الماء ، إلا رجلين : علي بن أبي طالب ، ومعاذ بن جبل ، قالا : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل . فقالَ علي : يا أمير المؤمنين ، إن أعلم الناس بهذا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إلى حفصة ، فقالت : لا علم لي . فأرسل إلى عائشة ، فقالت : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل . قالَ : فتحطم عمر - يعني : تغيظ - ثم قالَ : لا يبلغني أن أحدًا فعله ولم يغتسل إلا أنهكته عقوبة . خرجه الإمام أحمد وبقي بن مخلد في ( مسنديهما ) ، ومسلم في ( كِتابِ التفصيل ) وَهوَ ( كِتابِ الناسخ والمنسوخ ) لَهُ . ثم خرجه من طريق عبد الله بن صالح ، عَن الليث : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عَن معمر بن أبي حيية ، عَن عبيد بن رفاعة ، أن زيد بن ثابت كانَ يقول - فذكره بنحوه ، ولم يقل : ( عَن أبيه ) . ومعمر بن أبي حيية ، ويقال : ابن أبي حبيبة - وثقه ابن معين وغيره . وعبيد بن رفاعة ذكره ابن حبان في ( ثقاته ) . وهذه الرواية يستفاد منها أمور : منها أن كثيرًا من الأنصار كانَ يقلد بعضهم بعضًا في هَذهِ المسألة ، ولم يسمع ذَلِكَ من النبي صلى الله عليه وسلم إلا قليل منهُم . ومنها أنهُ لَم يظهر في ذَلِكَ المجلس شيء من روايات الأنصار الصريحة عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما ظهر التمسك بفعل كانوا يفعلونه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأل عمر : هل علم بهِ النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فلم يكن لَهُم جواب ، وهذا مما يدل على أن تلك الروايات التصريحية حصل الوهم في نقلها من بعض الرواة . ومنها أن المهاجرين الذين روي أنهم كانوا يخالفون في ذَلِكَ ويروون عَن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه كعثمان رجعوا عما سمعوه منهُ ، وكذلك الأنصار أيضا ورأسهم أبي بن كعب رجع ، وأخبر أن ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم في ذَلِكَ كانَ رخصة في أول الأمر ، ثم نسخ وزال . وهذا يدل على أنهُ تبين لَهُم نسخ ما كانوا سمعوه بيانًا شافيًا ، بحيث لَم يبق فيهِ لبس ولا شك . وقد ذكر الشَافِعي أنهُ اتفق هوَ ومن ناظره في هَذهِ المسألة على أن هَذا أقوى مما يستدل بهِ عليها . ويدل على رجوع أبي وغيره من الأنصار ما روى الزهري ، عَن سهل بن سعد ، عَن أبي بن كعب ، قالَ : إنما كانَ الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ، ثم نهي عنها . خرجه الترمذي ، وقال : حسن صحيح . وخرجه ابن ماجه مختصرًا . وخرجه الإمام أحمد ولفظه : إن الفتيا التي كانوا يقولون : الماء من الماء - رخصة كانَ النبي صلى الله عليه وسلم رخص بها في أول الإسلام ، ثم أمرنا بالغسل بعد . وخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) من طريق معمر ، عَن الزهري ، قالَ : أخبرني سهل بن سعد ، قالَ : إنما كانَ قول الأنصار : الماء من الماء - رخصة في أول الإسلام ، ثم أمرنا بالغسل . ولم يذكر في إسناده ( أبيًا ) ، وصرح فيهِ بسماع الزهري . وقيل : إنه وهم في ذَلِكَ ؛ فإن الزهري لَم يسمعه من سهل ؛ فقد خرجه أبو داود وابن خزيمة أيضا من طريق عمرو بن الحارث ، عَن الزهري ، قالَ : حدثني بعض من أرضى ، عَن سهل ، عَن أبي - فذكره . ورجح هَذهِ الرواية الإمام أحمد والدارقطني ، وغيرهما . ورجح آخرون سماع الزهري لهُ من سهل ، منهُم ابن حبان . ووقع في بعض نسخ ( سنن أبي داود ) ما يدل عليهِ ؛ فإنه لم يذكر أحد من أصحاب الزهري بين الزهري وسهل رجلًا [غير] عمرو بن الحارث ، فلا يقضى لَهُ على سائر أصحاب الزهري . وقد خرجه ابن شاهين من طريق ابن المبارك ، عَن يونس ، عَن الزهري ، قالَ : حدثني سهل بن سعد ، عَن أبي بن كعب - فذكره ، بهِ . وبتقدير أن يكون ذَلِكَ محفوظًا فقد أخبر الزهري أن هَذا الذِي حدثه يرضاه ، وتوثيق الزهري كاف في قبول خبره . وقد قيل : إنهُ أبو حازم الزاهد ، وَهوَ ثقة جليل ، فقد خرج أبو داود وابن خزيمة من رواية أبي غسان محمد بن مطرف ، عَن أبي حازم ، عَن سهل بن سعد ، قالَ : حدثني أبي بن كعب - فذكره . قالَ البيهقي : هَذا إسناد صحيح موصول . وقد ذكر ابن أبي حاتم ، عَن أبيه ، أن بعضهم ذكر أنه لا يعرف لَهُ أصلًا . وفي ذَلِكَ نظر . وقد روي عَن أبي بن كعب من وجوه أخر : روى شعبة ، عَن سيف بن وهب ، عَن أبي حرب بن أبي الأسود ، عَن عميرة بن يثربي ، عَن أبي بن كعب قالَ : إذا التقى ملتقاهما فقد وجب الغسل . خرجه ابن أبي شيبة والبخاري في ( تاريخه ) . وروى مالك ، عَن يحيى بن سعيد ، عَن عبد الله بن كعب مولى عثمان ، أن محمود بن لبيد سأل زيد بن ثابت عَن الرجل يصيب أهله ، ثم يكسل ولا ينزل ، فقالَ زيد : يغتسل . فقالَ لَهُ محمود بن لبيد : إن أبي بن كعب كانَ لا يرى الغسل ! فقالَ لَهُ زيد : إن أبيا نزع عَن ذَلِكَ قبل أن يموت . وقال الشَافِعي : أنا إبراهيم بن محمد ، عَن خارجة بن زيد ، عَن أبيه ، عَن أبي بن كعب ، أنهُ كانَ يقول : ليسَ على من لَم ينزل غسل ، ثم نزع عَن ذَلِكَ أبي قبل أن يموت . وقد روي عَن عائشة ما يدل على النسخ من رواية الحسين بن عمران : حدثني الزهري ، قالَ : سألت عروة عَن الذِي يجامع ولا ينزل ، قالَ : نول الناس أن يأخذوا بالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حدثتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ يفعل ذَلِكَ ولا يغتسل ، وذلك قبل فتح مكة . ثم اغتسل بعد ذَلِكَ ، وأمر الناس بالغسل . خرجه ابن حبان في ( صحيحه ) والدارقطني . والحسين بن عمران ذكره ابن حبان في ( ثقاته ) ، وقال الدارقطني : لا بأس بهِ ، وقال البخاري : لا يتابع على حديثه . وقال العقيلي بعد تخريجه لهذا الحديث : الحديث ثابت عَن النبي صلى الله عليه وسلم في الغسل لالتقاء الختانين ، ولا يحفظ هذا اللفظ إلا في هَذا الحديث . والقول بأن ( الماء من الماء ) - نسخ بالأمر بالغسل من التقاء الختانين هوَ المشهور عند العلماء من الفقهاء والمحدثين ، وقد قرره الشافعي وأحمد ومسلم بن الحجاج والترمذي وأبو حاتم الرازي وغيرهم من الأئمة . وقد روي معنى ذَلِكَ عَن سعيد بن المسيب وغيره من السلف . وقد قيل : إن ( الماء من الماء ) - إنما كانَ في الاحتلام . وقد روي عَن ابن عباس هَذا التأويل . خرجه الترمذي من وجه فيهِ مقال . وروي أيضا عَن عكرمة ، وذهب إليه طائفة . وهذا التأويل إن احتمل في قوله : ( الماء من الماء ) ، فلا يحتمل في قوله : ( إذا أعجلت - أو أقحطت - فلا غسل عليك ) ، وفي قوله : ( يغسل ما مس المرأة منهُ ، ويتوضأ ، ويصلي ) . وقال طائفة من العلماء : لما اختلفت الأحاديث في هَذا وجب الأخذ بأحاديث الغسل من التقاء الختانين ؛ لما فيها من الزيادة التي لَم يثبت لها معارض ، ولم تبرأ الذمة بدون الاغتسال ؛ لأنه قَد تحقق أن التقاء الختانين موجب لطهارة . ووقع التردد : هل يكفي الوضوء ؟ أو لا يكفي دونَ غسل البدن كله ؟ فوجب الأخذ بالغسل ؛ لأنه لا يتيقن براءة الذمة بدونه . وهذا معنى قول البخاري : الغسل أحوط . ولذلك قالَ أحمد في رواية ابن القاسم : الأمر عندي في الجماع أن آخذ بالاحتياط فيهِ ، ولا أقول : الماء من الماء . وسلك بعضهم مسلكًا آخر ، وَهوَ أن المجامع وإن لَم ينزل يسمى جنبًا ومجامعًا وواطئًا ، ويترتب جميع أحكام الوطء عليهِ ، والغسل من جملة الأحكام . وهذا معنى قول من قالَ من السلف : أنوجب المهر والحد ، ولا نوجب الغسل ؟ وهذا القول هوَ الذِي استقر عليهِ عمل المسلمين . وقد خالف فيهِ شرذمة من المتقدمين ، منهُم أبو سلمة وعروة وهشام بن عروة والأعمش وابن عيينة ، وحكي عَن الزهري وداود . وقال ابن عبد البر : اختلف أصحاب داود في هَذهِ المسألة . وقال ابن المنذر : لا أعلم اليوم بين أهل العلم في ذَلِكَ اختلافًا . وذهب إليه طائفة من أهل الحديث ، منهُم بقي بن مخلد الأندلسي . وقد نسبه بعضهم إلى البخاري ، وليس في كلامه ما يصرح بهِ . وحكاه الشَافِعي عَن بعض أهل الحديث من أهل ناحيتهم وغيرهم ، وذكر مناظرته لَهُم . وقد كانَ بعض الناس قي زمن الإمام أحمد ينسب ذَلِكَ إليه ، فكان أحمد ينكر ذَلِكَ ، ويقول : ما أحفظ أني قلت بهِ قط . وقيل لَهُ : بلغنا أنك تقوله ، فقالَ : الله المستعان . وقال أيضا : من يكذب علي في هَذا أكثر من ذاك . وأحمد من أبعد الناس عَن هَذهِ المقالة ، فظاهر كلامه يدل على أن الخلاف فيها غير سائغ ؛ فإنه نص على أنهُ لو فعل ذَلِكَ مرة أنهُ يعيد الصلاة التي صلاها بغير غسل من التقاء الختانين ، ونص على أنهُ لا يصلى خلف من يقول : ( الماء من الماء ) ، معَ قوله : إنه يصلي خلف من يحتجم ولا يتوضأ ، ومن يمس ذكره ولا يتوضأ متأولًا ؛ فدل على أن القول بأن ( الماء من الماء ) لا مساغ للخلاف فيهِ . وكذلك ذكر ابن أبي موسى وغيره من الأصحاب . وحمل أبو بكر عبد العزيز كلام أحمد على أنه لَم يكن متأولًا ، وهذا لا يصح ؛ لأن القول بأن ( الماء من الماء ) - لا يكون بغير تأويل . والله أعلم . وقد سبق عَن عمر أنهُ قالَ : لا أوتى بأحد فعله إلا أنهكته عقوبة . وقد روي عَنهُ من وجه آخر ، رواه ابن أبي شيبة عَن ابن إدريس ، عَن الشيباني ، عَن بكير بن الأخنس ، عَن سعيد بن المسيب ، قالَ : قالَ عمر : لا أوتى برجل فعله - يعني : جامع ولم يغتسل ؛ يعني : وَهوَ لَم ينزل - إلا أنهكته عقوبة . وخرجه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في ( كِتابِ الطهور ) عَن أسباط بن محمد ، عَن الشيباني - بهِ . وفي رواية أن سعيد بن المسيب قالَ : سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول : لا أجد أحدًا جامع امرأته ولم يغتسل ، أنزل أو لَم ينْزل - إلا عاقبته . وقد قالَ عمر هَذا بمحضر من المهاجرين والأنصار ، ولم يخالف فيهِ أحد . والظاهر أن جميع من كانَ يخالف فيهِ من الأنصار رجع عَنهُ ، ورأسهم أبي بن كعب وزيد بن ثابت ، ومن المهاجرين عثمان بن عفان . وفي رجوع أبي بن كعب وعثمان بن عفان معَ سماعهما من النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذَلِكَ - دليل على أنهُ ظهر لهما أن ما سمعاه زال حكمه ، واستقر العمل على غيره . وعامة من روي عَنهُ ( إن الماء من الماء ) - روي عَنهُ خلاف ذَلِكَ ، والغسل من التقاء الختانين ، منهُم : عثمان ، وعلي ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وأبي بن كعب ، ورافع بن خديج . وهذا يدل على رجوعهم عما قالوه في ذَلِكَ ؛ فإن القول بنسخ ( الماء من الماء ) مشهور بين العلماء ، ولم يقل أحد منهُم بالعكس . وقد روت عائشة وأبو هريرة عَن النبي صلى الله عليه وسلم الغسل بالتقاء الختانين . وقد روي ذَلِكَ أيضا من رواية عبد الله بن عمرو ورافع بن خديج ومعاذ بن جبل وابن عمر وأبي أمامة وغيرهم ، إلا أن في أسانيدها ضعفًا . وفي حديث رافع التصريح بنسخ الرخصة أيضا . اعلم أن هَذا الضعف إنما هوَ في الطرق التي وصلت إلينا منها هَذهِ الأخبار ، فأما المجمع الذِي جمع عمر فيهِ المهاجرين والأنصار ، ورجع فيهِ أعيان من كانَ سمع من النبي صلى الله عليه وسلم الرخصة - فإنهم لَم يرجعوا إلا لأمرٍ ظهر لَهُم في ذَلِكَ الجمع وبعده ، وعلموه وتيقنوه ، وإن كانت تفاصيله لَم تنقل إلينا . واستقر من حينئذ العمل على الغسل من التقاء الختانين ، ولم يصح عَن أحد من الصحابة بعد ذَلِكَ إظهار الفتيا بخلافه . فوجب اتباع سبيل المؤمنين ، والأخذ بما جمع عليهِ الأمة أمير المؤمنين ، والرجوع إلى من رجعت إليه الصحابة في العلم بهذه المسألة ، وهي أم المؤمنين . والمخالف يشغب بذكر الأحاديث التي رجع عنها رواتها ، ويقول : هي صحيحة الأسانيد ، وربما يقول : هي أصح إسنادًا من الأحاديث المخالفة لها . ومن هنا كره طوائف من العلماء ذكر مثل هَذهِ الأحاديث والتحديث بها ؛ لأنها تورث الشبهة في نفوس كثير من الناس . وخرج الإسماعيلي في ( صحيحه ) من حديث زيد بن أخزم ، قالَ : سمعت يحيى - يعني : القطان - وسئل عَن حديث هشام بن عروة حديث أبي أيوب : ( الماء من الماء ) ، فقالَ : نهاني عَنهُ عبد الرحمن ، يعني : ابن مهدي . ولهذا المعنى - والله أعلم - لَم يخرج مالك في ( الموطأ ) شيئًا من هَذهِ الأحاديث ، وهي أسانيد حجازية على شرطه . والمقصود بهذا أن هذه المسائل التي اجتمعت كلمة المسلمين عليها من زمن الصحابة ، وقل المخالف فيها وندر ، ولم يجسر على إظهارها لإنكار المسلمين عليهِ - [كلها] يجب على المؤمن الأخذ بما اتفق المسلمون على العمل بهِ ظاهرًا ؛ فإن هَذهِ الأمة لا يظهر أهل باطلها على أهل حقها ، كَما أنها لا تجتمع على ضلالة ، كَما روي ذَلِكَ عن النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه أبو داود وغيره . فهذه المسائل قَد كُفي المسلم أمرها ، ولم يبق فيها إلا اتباع ما جمع عليهِ الخلفاء الراشدون أولي العلم والعدل والكمال ، دونَ الاشتغال فيها بالبحث والجدال وكثرة القيل والقال ؛ فإن هَذا كله لَم يكن يخفى عمن سلف ، ولا يظن ذَلِكَ بهم سوى أهل الجهل والضلال . والله المسئول العصمة والتوفيق .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب غسل ما يصيب من رطوبة فرج المرأة · ص 251 ( باب غسل ما يصيب من رطوبة فرج المرأة ) أي :هذا باب في بيان حكم غسل ما يصيب الرجل من فرج المرأة من رطوبة ، والمناسبة بين البابين من حيث إن الإصابة المذكورة تكون عند التقاء الختانين . 43 - قال : حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، عن الحسين ، قال يحيى : وأخبرني أبو سلمة ، أن عطاء بن يسار ، أخبره أن زيد بن خالد الجهني ، أخبره أنه سأل عثمان بن عفان قال : أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن . قال عثمان : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره . قال عثمان : سمعته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله ، وأبي بن كعب رضي الله عنهم ، فأمروه بذلك . قال يحيى : وأخبرني أبو سلمة ، أن عروة بن الزبير ، أخبره أن أبا أيوب أخبره ، أنه سمع ذلك من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : " ويغسل ذكره " يعني إذا جامع امرأته فلم ينزل يغسل ذكره ؛ لأنه لا شك أصابه من رطوبة فرج المرأة . ذكر رجاله : والمذكورون فيه أربعة عشر نفسا ، منهم سبعة من الصحابة الأجلاء ، وهم : عثمان بن عفان ، وزيد بن خالد ، وعلي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وأبي بن كعب ، وأبو أيوب الأنصاري واسمه خالد بن زيد ، والسبعة الباقية : أبو معمر - بفتح الميم - عبد الله بن عمرو ، وعبد الوارث بن سعيد ، والحسين بن ذكوان المعلم ، ورواية الأكثرين عن الحسين فقط ، وفي رواية أبي ذر عن الحسين المعلم ، ويحيى بن أبي كثير ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وعطاء بن يسار ضد اليمين ، وعروة بن الزبير بن العوام . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه : العنعنة في موضع واحد . وفيه : لفظ الإخبار في خمسة مواضع منها بلفظ أخبرني في موضعين ، وبلفظ أخبره في أربعة مواضع . وفيه لفظ القول في موضعين : أحدهما هو قوله : قال يحيى ، أي : قال الحسين : قال يحيى ، ولفظ قال الأولى يحذف في الخط في اصطلاحهم ، وقال الآخر : قوله : قال عثمان . وفيه : السؤال في موضعين . وفيه : السماع في موضعين . وفيه : قال يحيى ، وأخبرني هذا عطف على مقدر تقديره : قال يحيى : أخبرني بكذا وكذا ، وأخبرني بهذا ، وإنما احتجنا إلى التقدير ؛ لأن أخبرني مقول قال ، وهو مفعول حقيقة فلا يجوز دخول الواو بينهما ، ووقع في رواية مسلم بحذف الواو على الأصل ، وفي رواية البخاري دقة وهوالإشعار بأن هذا من جملة ما سمع يحيى من أبي سلمة ، فإن قلت : قول الحسين : قال يحيى يوهم أنه لم يسمع من يحيى ، ولذا قال ابن العربي : إنه لم يسمع من يحيى ، فلذلك قال : قال يحيى : قلت : وقع في رواية مسلم في هذا الموضع عن الحسين عن يحيى ، فإن قلت : العنعنة لا تدل صريحا على التحديث . قلت : الحسين ليس بمدلس ، وعنعنة غير المدلس محمولة على السماع على أنه قد وقع التصريح في رواية ابن خزيمة ، وفي رواية الحسين عن يحيى بالتحديث ، ولفظه : حدثني يحيى بن أبي كثير ، وأيضا لم ينفرد به الحسين ، فقد رواه عن يحيى أيضا معاوية بن سلام ، أخرجه ابن شاهين وشيبان بن عبد الرحمن ، أخرجه البخاري في باب الوضوء من المخرجين ، حدثنا سعد بن حفص ، قال : حدثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، أن عطاء بن يسار أخبره ، أن زيد بن خالد أخبره ، أنه سأل عثمان بن عفان... الحديث . وقد تقدم الكلام فيه . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هاهنا عن أبي معمر ، وفي باب الوضوء من المخرجين عن سعد بن حفص ، كما ذكرناه الآن . وأخرجه مسلم عن زهير بن حرب ، وعبد بن حميد ، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ، ثلاثتهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه ، عن حسين المعلم به . ( ذكر معناه ) الجهني بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون نسبة إلى جهينة بن زيد . قوله : " فقال : أرأيت " ، أي : فقال زيد لعثمان : أرأيت . وفي بعض النسخ : قال له : أرأيت ، أي : قال زيد لعثمان . قوله : " أرأيت " ، أي : أخبرني . قوله : " فلم يمن " بضم الياء آخر الحروف من الإمناء ، أراد أنه لم ينزل المني ، وهذا أفصح اللغات . والثاني منها فتح الياء . والثالث بضم الياء مع فتح الميم وتشديد النون . قوله : " فقال عثمان : سمعته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الضمير المنصوب فيه يرجع إلى ما ذكره من قوله : " يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره " ، وذلك باعتبار المذكور ، وهذا سماع ورواية : وقوله : أو لا فتوى منه . قوله : " فسألت عن ذلك " ، أي : عمن يجامع امرأته فلم يمن ، والظاهر أن سؤاله عن علي والزبير وطلحة وأبي رضي الله تعالى عنهم استفتاء من عثمان ، وفتوى منهم لا رواية ، لكن رواه الإسماعيلي مرة بإظهار أنه رواية ، وصرح به أخرى ، ولم يذكر عليا ، ثم ذكر بعد ذلك روايات ، وقال : لم يقل أحد منهم عن النبي عليه الصلاة والسلام غير الحماني ، وليس هو من شرط هذا الكتاب . قوله : " فأمروه " ، الضمير المرفوع فيه يرجع إلى الصحابة الأربعة ، وهم : علي والزبير وطلحة وأبي بن كعب ، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى المجامع الذي يدل عليه . قوله : " إذا جامع الرجل امرأته " ، وهذا من قبيل قوله تعالى : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى أي : العدل أقرب للتقوى ، وقال بعضهم : فيه التفات ؛ لأن الأصل فيه أن يقول : فأمروني . قلت : ليس فيه التفات أصلا ؛ لأن عثمان سأل هؤلاء عن المجامع الذي لم يمن ، فأجابوا له بما أجابوا ، والكلام على أصله ؛ لأن قوله : فأمروه عطف على قوله : فسألت ، أي : فأمروا المجامع الذي لم يمن بذلك ، أي : بغسل الذكر والوضوء ، والإشارة ترجع إلى الجملة باعتبار المذكور . قوله : " وأخبرني أبو سلمة " ، كذا وقع في رواية أبي ذر ، ووقع في رواية الباقين قال يحيى : وأخبرني أبو سلمة ، وهذا هو المراد ؛ لأنه معطوف على قوله : قال يحيى : وأخبرني أبو سلمة أن عطاء بن يسار ، فيكون داخلا في الإسناد فيندفع بهذا قول من يقول : إن ظاهره معلق ، والدليل عليه أيضا ما رواه مسلم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه بالإسنادين جميعا . قوله : " أنه سمع ذلك " ، أي : أخبر أبو أيوب الأنصاري عروة بن الزبير أنه سمع ذلك ، أي : غسل الذكر والوضوء كوضوء الصلاة وتذكير الإشارة باعتبار المذكور كما قلنا آنفا مثله . وقال الدارقطني : فيه وهم ؛ لأن أبا أيوب لم يسمعه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإنما سمعه من أبي بن كعب ، عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قال ذلك هشام ، عن أبيه ، عن أبي أيوب ، عن أبي بن كعب . قلت : قوله : لم يسمعه من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفي ، وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عن أبي أيوب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو إثبات ، والإثبات مقدم على النفي على أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أكبر قدرا وسنا وعلما من هشام بن عروة . وحديث الإثبات رواه الدارمي وابن ماجه ، فإن قلت : حكى الأثرم عن أحمد أن حديث زيد بن خالد المذكور في هذا الباب معلول ؛ لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث . قلت : كونهم أفتوا بخلافه لا يقدح في صحة الحديث ؛ لأنه كم من حديث منسوخ وهو صحيح فلا منافاة بينهما ، ألا ترى أن أبيا رضي الله تعالى عنه كان يرى الماء من الماء لظاهر الحديث ، ثم أخبر عنه سهل بن سعد ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ، ثم نهى عن ذلك وأمره بالغسل . وأما الذي يستنبط من حديث الباب أن الذي يجامع امرأته ولم ينزل منيه لا يجب عليه الغسل ، وإنما عليه أن يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة ، وهذا منسوخ لما بيناه ، ومذهب الجمهور هو أن إيجاب الغسل لا يتوقف على إنزال المني ، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة ، ولهذا جاء في رواية أخرى في ( الصحيح ) وإن لم ينزل ، وفي ( المغني ) لابن قدامة تغييب الحشفة في الفرج هو الموجب للغسل ، سواء كان الفرج قبلا أو دبرا من كل حيوان آدمي أو بهيم حيا أو ميتا طائعا أو مكرها نائما أو مستيقظا ، انتهى . وقال أصحابنا : والتقاء الختانين يوجب الغسل ، أي : مع تواري الحشفة فإن نفس ملاقاة الفرج بالفرج من غير التواري لا يوجب الغسل ، ولكن يوجب الوضوء عندهما خلافا لمحمد ، وفي ( المحيط ) : لو أتى امرأته وهي بكر فلا غسل ما لم ينزل ؛ لأن ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج ، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت فعليهما الغسل لوجود الإنزال ؛ لأنه لا حبل بدونه ، وقال أبو حنيفة : لا يجب الغسل بوطء البهيمة أو الميتة إلا بإنزال .