4 - بَاب مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضًا 298 - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : أَنَّ زَيْنَبَ ابنة أُمِّ سَلَمَةَ ، حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا ، قَالَتْ : بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي ، قَالَ أَنُفِسْتِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضًا ) قِيلَ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَقْلُوبَةٌ ; لِأَنَّ حَقَّهَا أَنْ يَقُولَ مَنْ سَمَّى الْحَيْضَ نِفَاسًا ، وَقِيلَ يُحْمَلُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، وَالتَّقْدِيرَ : مَنْ سَمَّى حَيْضًا النِّفَاسَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مَنْ سَمَّى مَنْ أَطْلَقَ لَفْظَ النِّفَاسِ عَلَى الْحَيْضِ فَيُطَابِقُ مَا فِي الْخَبَرِ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ لَمَّا لَمْ يَجِدِ الْمُصَنِّفُ نَصًّا عَلَى شَرْطِهِ فِي النُّفَسَاءِ وَوَجَدَ تَسْمِيَةَ الْحَيْضِ نِفَاسًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ حُكْمَ دَمِ النِّفَاسِ حُكْمُ دَمِ الْحَيْضِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّرْجَمَةَ فِي التَّسْمِيَةِ لَا فِي الْحُكْمِ ، وَقَدْ نَازَعَ الْخَطَّابِيُّ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهمَا مِنْ حَيْثُ الِاشْتِقَاقُ كَمَا سَيَأْتِي ، وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ وَغَيْرُهُ : مُرَادُ الْبُخَارِيُّ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ النِّفَاسَ هُوَ الْأَصْلُ فِي تَسْمِيَةِ الدَّمِ الْخَارِجِ ، وَالتَّعْبِيرُ بِهِ تَعْبِيرٌ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ ، وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْحَيْضِ تَعْبِيرٌ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ . فَعَبَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَوَّلِ ، وَعَبَّرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بِالثَّانِي ، فَالتَّرْجَمَةُ عَلَى هَذَا مُطَابِقَةٌ لِمَا عَبَّرَتْ بِهِ أُمُّ سَلَمَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هِشَامٌ ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَخْرَجَهَا مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ . قَوْلُهُ : ( مُضْطَجِعَةٌ ) بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ النَّصْبُ . قَوْلُهُ : ( فِي خَمِيصَةٍ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ : كِسَاءٌ أَسْوَدُ لَهُ أَعْلَامٌ يَكُونُ مِنْ صُوفٍ وَغَيْرِهِ ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ بِلَفْظِ خَمِيصَةٍ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ . وَأَصْحَابُ يَحْيَى ثُمَّ أَصْحَابُ هِشَامٍ كُلُّهُمْ قَالُوا : خَمِيلَةٌ بِاللَّامِ بَدَلَ الصَّادِ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ، قِيلَ : الْخَمِيلَةُ الْقَطِيفَةُ ، وَقِيلَ الطِّنْفِسَةُ . وَقَالَ الْخَلِيلُ : الْخَمِيلَةُ ثَوْبٌ لَهُ خَمْلٌ أَيْ هُدْبٌ ، وَعَلَى هَذَا لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَمِيصَةِ وَالْخَمِيلَةِ ، فَكَأَنَّهَا كَانَتْ كِسَاءً أَسْوَدَ لَهَا أَهْدَابٌ . قَوْلُهُ : ( فَانْسَلَلْتُ ) بِلَامَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ ، أَيْ ذَهَبْتُ فِي خُفْيَةٍ . زَادَ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَةِ شَيْبَانَ ، عَنْ يَحْيَى كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فَخَرَجْتُ مِنْهَا أَيْ مِنَ الْخَمِيصَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ : كَأَنَّهَا خَافَتْ وُصُولَ شَيْءٍ مِنْ دَمِهَا إِلَيْهِ ، أَوْ خَافَتْ أَنْ يَطْلُبَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا فَذَهَبَتْ لِتَتَأَهَّبَ لِذَلِكَ ، أَوْ تَقَذَّرَتْ نَفْسُهَا وَلَمْ تَرْضَهَا لِمُضَاجَعَتِهِ ، فَلِذَلِكَ أَذِنَ لَهَا فِي الْعَوْدِ . قَوْلُهُ : ( ثِيَابُ حَيْضَتِي ) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا الْحَاءُ وَكَسْرُهَا مَعًا ، وَمَعْنَى الْفَتْحِ أَخَذْتُ ثِيَابِي الَّتِي أَلْبَسُهَا زَمَنَ الْحَيْضِ ; لِأَنَّ الْحَيْضَةَ بِالْفَتْحِ هِيَ الْحَيْضُ . وَمَعْنَى الْكَسْرِ أَخَذْتُ ثِيَابِي الَّتِي أَعْدَدْتُهَا لِأَلْبَسَهَا حَالَةَ الْحَيْضِ ، وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ بِرِوَايَةِ الْكَسْرِ وَرَجَّحَهَا النَّوَوِيُّ ، وَرَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ رِوَايَةَ الْفَتْحِ لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ حَيْضِي بِغَيْرِ تَاءٍ . قَوْلُهُ : ( أَنُفِسْتِ ) ؟ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ النَّفْسِ وَهُوَ الدَّمُ ، إِلَّا أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ بِنَاءِ الْفِعْلِ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، فَقَالُوا فِي الْحَيْضِ نَفِسَتْ بِفَتْحِ النُّونِ ، وَفِي الْوِلَادَةِ بِضَمِّهَا . انْتَهَى ، وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، لَكِنْ حَكَى أَبُو حَاتِمٍ ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ : يُقَالُ نُفِسَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْحَيْضِ وَالْوِلَادَةِ ، بِضَمِّ النُّونِ فِيهِمَا . وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَتِنَا بِالْوَجْهَيْنِ فَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ النَّوْمِ مَعَ الْحَائِضِ فِي ثِيَابِهَا ، وَالِاضْطِجَاعِ مَعَهَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ ، وَاسْتِحْبَابُ اتِّخَاذِ الْمَرْأَةِ ثِيَابًا لِلْحَيْضِ غَيْرَ ثِيَابِهَا الْمُعْتَادَةِ ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مُبَاشَرَتِهَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضًا وَالْحَيْضَ نِفَاسًا · ص 479 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من سمى النفاس حيضًا · ص 406 4 - باب من سمى النفاس حيضًا 298 - حدثنا المكي بن إبراهيم : نا هشام ، عَن يحيى بن أبي كثير ، عَن أبي سلمة ، أن زينب بنت أم سلمة حدثته ، أن أم سلمة حدثتها ، قالت : بينا أنا معَ النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعة في خميصة إذ حضت ، فانسللت ، فأخذت ثياب حيضتي ، فقالَ : ( أنفست ؟ ) فقلت : نعم ، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة . مكي بن إبراهيم أكبر شيخ للبخاري ، وَهوَ في طبقة مالك ، ويروي عَن هشام بن عروة وغيره من الأكابر . وقد أسقط بعض الرواة من إسناد هَذا الحديث ( زينب بنت أبي سلمة ) ، وجعله عَن أبي سلمة ، عَن أم سلمة ، والصواب ذكر ( زينب ) فيهِ . وقد تقدم حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي في الحج وهي تبكي ، فقالَ : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) قالت : نعم . ظاهر حديث أم سلمة وعائشة يدل على أن الحيض يسمى نفاسًا . وقد بوب البخاري على عكس ذَلِكَ ، وأن النفاس يسمى حيضًا ، وكأن مراده : إذا سمي الحيض نفاسًا فقد ثبت لأحدهما اسم الآخر ، فيسمى كل واحد منهُما باسم الآخر ، ويثبت لأحدهما أحكام الآخر . ولا شك أن النفاس يمنع ما يمنع منه الحيض ، ويوجب ما يوجب الحيض إلا في الاعتداد بهِ ؛ فإنها لا تعتد بهِ المطلقة قرءًا ، ولا تستبرأ بهِ الأمة . وقد حكى ابن جرير وغيره الإجماع على أن حكم النفساء حكم الحائض في الجملة . وقد اعتمد ابن حزم على هَذا الحديث في أن الحائض والنفاس مدتهما واحدة ، وأن أكثر النفاس كأكثر الحيض . وَهوَ قول لَم يسبق إليه ، ولو كانَ هَذا الاستنباط حقًا لما خفي على أئمة الإسلام كلهم إلى زمنه . وقريب من هَذا ما نقل حرب في ( مسائله ) ، قالَ : قلت لإسحاق : رجل قالَ لامرأته : إذا حضت فأنت طالق ، فولدت ، هل يكون دم النفاس حيضًا ؟ قالَ : تطلق ؛ لأن دم النفاس حيض ، إلا أن يقصد حين يحلف قصد الحيض . وذكر حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لها في الحج : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) انتهى . وهذا يرده أنهُ لو كانَ دم النفاس حيضًا لاعتدت بهِ المطلقة قرءًا ، ولا قائل بذلك ، بل قَد حكى أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما الإجماع على خلافه . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( أنفست ؟ ) قالَ القرطبي : قيدناه بضم النون وبفتحها ، قالَ الهروي وغيره : نفست المرأة ونفست إذا ولدت ، يعني : بالوجهين : فتح النون وضمها . قالَ : وإذا حاضت [قيل] : نفست بفتح النون لا غير . فعلى هَذا يكون ضم النون هنا خطأ ؛ فإن المراد بهِ الحيض قطعًا ، لكن حكى أبو حاتم عَن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة ، وذكر ذَلِكَ غير واحد . فعلى هَذا تصح الروايتان ، وأصل ذَلِكَ كله من خروج الدم ، وَهوَ المسمى نفسًا . انتهى . وقال الخطابي : ترجم أبو عبد الله هَذا الباب بقولِهِ : ( من سمى النفاس حيضًا ) ، والذي ظنه من ذَلِكَ وهم . قالَ : وأصل هَذهِ الكلمة من النفس ، وَهوَ الدم ، إلا أنهم فرقوا بين بناء الفعل من الحيض والنفاس ، فقالوا : نفست المرأة بفتح النون وكسر الفاء - إذا حاضت ، ونفست بضم النون وكسر الفاء ، على وزن الفعل المجهول ، فهي نفساء - إذا ولدت . انتهى . ومراده أن الرواية في هَذا الحديث هي بفتح النون ليسَ إلا ، وأن ذَلِكَ لا يراد بهِ إلا الحيض . وعلى ما ذكره القرطبي أن الرواية في الحديث جاءت بوجهين ، وأن الأصمعي حكى في الحيض والولادة وجهين - لا يحكم على البخاري بالوهم . ثم قالَ الخطابي : الحيضة بكسر الحاء التحيض ، كالقعدة والجلسة ، أي : الحالة التي تلزمها الحائض من اجتناب الأمور وتوقيها . يشير إلى قول أم سلمة : ( فأخذت ثياب حيضتي ) ، أنها بكسر الحاء . وأنكر غيره ذَلِكَ ، وقال : إنما الرواية بفتح الحاء ، والمراد ثياب الحيض . قالَ الخطابي : والخميصة : كساء أسود ، وربما كانَ لَهُ علم ، أو فيهِ خطوط . والخميلة : ثوب من صوف لَهُ خمل . وروى ابن لهيعة : نا يزيد بن أبي حبيب ، عَن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت ، عَن خبيب بن عبد الله بن الزبير ، عَن عائشة ، قالت : طرقتني الحيضة من الليل وأنا إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتأخرت ، فقالَ : ( ما لك ؟ أنفست ؟ ) قلت : لا ، ولكن حضت ، قالَ : ( فشدي عليك إزارك ، ثم عودي ) . خرجه الإمام أحمد . وَهوَ غريب جدا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من سمى النفاس حيضا · ص 262 ( باب من سمى النفاس حيضا ) أي هذا باب في بيان من سمى النفاس حيضا ، وكان ينبغي أن يقول : باب من سمى الحيض نفاسا ؛ لأن في حديث الباب ، فقال : أنفست ، أي : أحضت ، أطلق على الحيض النفاس . وقال ابن بطال : لما لم يجد البخاري للنبي صلى الله عليه وسلم نصا في النفاس ، وحكم دمها في المدة المختلفة ، وسمى الحيض نفاسا في هذا الحديث ، فهم منه أن حكم دم النفساء حكم دم الحيض في ترك الصلاة ؛ لأنه إذا كان الحيض نفاسا وجب أن يكون النفاس حيضا لاشتراكهما في التسمية من جهة اللغة ؛ لأن الدم هو النفس ، ولزم الحكم لما لم ينص عليه مما نص ، وحكم النفاس ترك الصلاة ما دام دمها موجودا . وقال الخطابي : ترجم أبو عبد الله بقوله : ( من سمى النفاس حيضا ) ، والذي ظنه من ذلك وهم ، وأصل هذه الكلمة مأخوذ من النفس ، وهو الدم إلا أنهم فرقوا فقالوا : نفست بفتح النون إذا حاضت وبضم النون إذا ولدت . وقال الكرماني : ليس الذي ظنه وهما ؛ لأنه إذا ثبت هذا الفرق والرواية التي هي بالضم صحيحة صح أن يقال حينئذ سمي النفاس حيضا ، وأيضا يحتمل أن الفرق لم يثبت عنده لغة ، بل وضعت نفست مفتوح النون ومضمومها ، عنده للنفاس بمعنى الولادة ، كما قال بعضهم بعدم الفرق أيضا بأن اللفظين للحيض والولادة كليهما . وقال ابن المنير : حاصله كيف يطابق الترجمة الحديث ، وفيه تسمية الحيض نفاسا لا تسمية النفاس حيضا . قلت : للتنبيه على أن حكم النفاس والحيض في منافاة الصلاة ونحوها واحد ، وألجأه إلى ذلك أنه لم يجد حديثا على شرطه في حكم النفاس فاستنبط من هذا الحديث أن حكمهما واحد . قلت : هذا الكلام في الحقيقة مضمون كلام ابن بطال ، وكلامه يشعر بالمساواة بين مفهومي الحيض والنفاس ، وليس كذلك لجواز أن يكون بينهما عموم وخصوص من وجه كالإنسان والحيوان ، وقول الكرماني يحتمل أن الفرق لم يثبت عنده لغة إلى آخره - غير سديد ؛ لأن هذا لا يقال عن أحد إلا ممن يكون من أئمة اللغة ، والبخاري من أئمة الحديث والصواب الذي يقال هاهنا على وجهين : أحدهما أن هذه الترجمة لا فائدة في ذكرها ؛ لأنه لا يبنى عليها مزيد فائدة ، والثاني : لو سلمنا أن لها فائدة فوجهها أن يقال لما لم يثبت الفرق عنده بين مفهومي الحيض والنفاس يجوز ذكر أحدهما وإرادة الآخر ؛ ففي الحديث ذكر النفاس وأريد الحيض ، فكذلك ذكر المصنف النفاس وأراد الحيض ، وعلى هذا معنى قوله : باب من سمى باب من ذكر النفاس حيضا ، يعني ذكر النفاس وأراد به الحيض ، فكذلك المذكور في الحديث نفاس ، والمراد حيض ، وذلك أنه لما قال صلى الله عليه وسلم لها : أنفست ؟ أجابت بنعم ، وكانت حائضا ، فقد جعلت النفاس حيضا ، فطابق الحديث ما ترجم به . 5 - حدثنا المكي بن إبراهيم قال : حدثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة أن زينب ابنة أم سلمة حدثته ، أن أم سلمة حدثتها قالت : بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعة في خميصة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي ، قال : أنفست ؟ قلت : نعم ، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة . وجه المطابقة قد ذكرناه مستقصى . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة : الأول مكي بن إبراهيم بن بشير التميمي أبو السكن البلخي رضي الله عنه ، الثاني هشام الدستوائي رضي الله عنه ، الثالث يحيى بن كثير بالثاء المثلثة رضي الله عنه ، الرابع أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه ، الخامس زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ، السادس أم سلمة أم المؤمنين واسمها هند بنت أبي أمية رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة المفرد في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أبو سلمة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما ، وليست كنيتان باعتبار شخص واحد بل سلمة الأول هو ولد ابن عبد الرحمن رضي الله تعالى عنه ، وسلمة الثاني ولد ابن عبد الأسد رضي الله تعالى عنه ، والغرض أن أبا سلمة رضي الله تعالى عنه ليس أبا ربيب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وفيه أن يحيى روى عن أبي سلمة رضي الله عنه بالعنعنة ، وفي رواية مسلم روى عنه بالتحديث قال : حدثني أبو سلمة . أخرجها من طريق معاذ بن هشام عن أبيه ، وفيه رواية التابعي عن صحابية ، وفيه أن رواته ما بين بلخي وبصري ويماني ومدني . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الصوم عن مسدد رضي الله عنه ، وفي الطهارة أيضا عن سعد بن حفص عنه ، وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي موسى محمد بن المثنى ، وأخرجه النسائي رضي الله عنه فيه عن عبيد الله بن سعيد وإسحاق بن إبراهيم ، وعن إسماعيل بن مسعود رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لغاته وإعرابه ) : قوله : ( بينا ) ، أصله بين ، أشبعت فتحة النون بالألف ، وبينا وبينما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ومضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، والأفصح في جوابها أن لا يكون فيه إذ وإذا ، وهاهنا جاء الجواب بإذ ، وهو قوله : ( إذ حضت ) ، وهو العامل فيه . قوله : ( مضطجعة ) أصله مضتجعة ؛ لأنه من باب الافتعال فقلبت التاء طاء ، ويجوز فيه الرفع والنصب ؛ أما الرفع فعلى الخبرية ، وأما النصب فعلى الحال . قوله : ( في خميصة ) ، بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم ، وهي كساء مربع له علمان ، وقيل : الخمائص ثياب من خز ثخان سود وحمر ، ولها أعلام ثخان أيضا قاله ابن سيده ، وفي الصحاح : كساء أسود مربع وإن لم يكن معلما فليس بخميصة ، وفي الغريبين ، قال الأصمعي : الخمائص ثياب خز أو صوف معلمة ، وهي سود كانت من لباس الناس . وقال ابن سيده : والخميلة والخملة القطيفة . وقال السكري : الخميل القطيفة ذات الخمل ، والخمل هدب القطيفة ونحوها مما ينسج ويفضل له فضول ، وفي الصحاح : هي الطنفسة ، وزعم النووي رحمه الله أن أهل اللغة قالوا هو كل ثوب له خمل من أي لون كان . وقيل : هو الأسود من الثياب . قولها : فانسللت أي ذهبت في خفية لاحتمال وصول شيء من الدم إليه صلى الله عليه وسلم ، أو لأنها تقذرت نفسها ولم ترتضها لمضاجعته صلى الله عليه وسلم ، وخافت أن ينزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ، فانسلت لئلا تشغله حركتها عما هو فيه من الوحي أو غيره . قوله : ( أنفست ؟ ) بفتح النون وكسر الفاء . قال النووي رحمه الله : هذا هو الصحيح في اللغة بمعنى حضت ، فأما في الولادة فنفست بضم النون وكسر الفاء ، وقيل : بضم النون وفتحها ، وفي الحيض بالفتح لا غير ، وفي الواعي نفست بضم النون حاضت ، وفي نوادر اللحياني ومن خط أبي موسى الحافظ : نفست المرأة تنفس بالكسر في الماضي والمستقبل إذا حاضت ، وفي أدب الكتاب عن ثعلب : النفساء الوالدة والحامل والحائض . وقال ابن سيده : والجمع من كل ذلك نفساوات ونفاس ونفاس ونفس ونفس ونفس ونفس ونفاس . قوله : ( ثياب حيضتي ) بكسر الحاء وهي حالة الحيض ، هذا هو الصحيح المشهور . وقال الكرماني : وقيل : يحتمل فتح الحاء هنا أيضا ؛ فإن الحيضة بالفتح هي الحيض . قلت : لا يقال هنا بالاحتمال ؛ فإن كلا منهما لغة ثبت عن العرب ، وهي أن الحيضة بالكسر الاسم من الحيض ، والحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود فأما الحيضة بالفتح فالمرة الواحدة من دفع الحيض أو ثوبه وأنت تفرق بينهما بما تقتضيه قرينة الحال من مساق الحديث ، وجاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها : ليتني كنت حيضة ملقاة ، هي بالكسر خرقة الحيض ، وجزم الخطابي هنا برواية الكسر ، ورجحها النووي ورجح القرطبي رواية الفتح لوروده في بعض طرقه بلفظ حيض بغير تاء . ( ذكر استنباط الأحكام ) : منها جواز النوم مع الحائض في ثيابها والاضطجاع معها في لحاف واحد . ومنها استحباب اتخاذ المرأة ثيابا للحيض غير ثيابها المعتادة . ومنها أن عرقها طاهر ، فإن قلت : قال الله تعالى : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ قلت : معناه : فاعتزلوا وطأهن . ومنها التنبيه على أن حكم الحيض والنفاس واحد في منع وجوب الصلاة وعدم جواز الصوم ودخول المسجد والطواف وقراءة القرآن ومس المصحف ونحو ذلك . فإن قلت : لم لم ينص البخاري على حكم النفاس وحده ؟ قلت : قال المهلب : لأنه لم يجد حديثا على شرطه في حكم النفاس . واستنبط من الحديث أن حكمهما واحد . قلت : النصوص فيها كثيرة ، منها حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها : كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما . وقال الحاكم : صحيح الإسناد . وقال الترمذي : لا نعرفه إلا من حديث سهيل عن مسة الأزدية عن أم سلمة ، وحسنه البيهقي والخطابي . وقال الأزدي : حديث مسة أحسنها ، وعند الدارقطني أن أم سلمة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : كم تجلس المرأة إذا ولدت ؟ قال : أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك . وعند ابن ماجه من حديث سلام بن سليم عن حميد عن أنس رضي الله عنه : وقت النبي صلى الله عليه وسلم للنفساء أربعين يوما . وحديث عثمان عن أبي العاص مثله ، وضعفه ابن عدي . وقال الحاكم : إن سلم هذا الإسناد من أبي بلال ، فإنه مرسل صحيح ، فإن الحسن لم يسمع من عثمان . وحديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أخرجه الحاكم في المستدرك . وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أخرجه أحمد بن حنبل في كتاب الحيض . وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ضعفه ابن عدي . وحديث عائذ بن عمرو ضعفه الدارقطني . وحديث جابر رضي الله تعالى عنه رواه الطبراني في معجمه الأوسط . وحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ضعفه ابن حزم . وحديث العلاء بن كثير عن أبي الدرداء وأبي هريرة رضي الله عنهما رواه ابن عدي بالإرسال فيما بين مكحول وبينهما , وأما موقوف ابن عباس فسنده صحيح في مسند الدارمي وخرجه أيضا ابن الجارود في المنتقى ، وفي كتاب الأحكام لأبي علي الطوسي : أجمع أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي ، فإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا : لا تدع الصلاة بعد الأربعين ، وهو قول أكثر أهل العلم من الفقهاء ، ويروى عن الحسن : تدع الصلاة خمسين يوما . وعن عطاء : ستين يوما .