7 - بَاب تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الْآيَةَ . وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ في كُلِّ أَحْيَانِهِ ، وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ : كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الْحُيَّضُ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ الْآيَةَ ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ : حَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي ، وَقَالَ الْحَكَمُ : إِنِّي لَأَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ ، وَقَالَ اللَّهُ تعالى وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ 305 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكِ ؟ قُلْتُ : لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ . قَالَ : لَعَلَّكِ نُفِسْتِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَقْضِي الْحَائِضُ ) أَيْ تُؤَدِّي ( الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ) قِيلَ : مَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ بِمَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ أَنَّ الْحَيْضَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْجَنَابَةِ لَا يُنَافِي جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ ، بَلْ صَحَّتْ مَعَهُ عِبَادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ مِنْ أَذْكَارٍ وَغَيْرِهَا ، فَمَنَاسِكُ الْحَجِّ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَا يُنَافِيهَا إِلَّا الطَّوَافَ فَقَطْ . وَفِي كَوْنِ هَذَا مُرَادَهُ نَظَرٌ ; لِأَنَّ كَوْنَ مَنَاسِكِ الْحَجِّ كَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالنَّصِّ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ ، وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ ابْنُ رَشِيدٍ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ : إِنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ لِكَوْنِهِ صَلَاةً مَخْصُوصَةً ، وَأَعْمَالُ الْحَجِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرٍ وَتَلْبِيَةٍ وَدُعَاءٍ ، وَلَمْ تُمْنَعِ الْحَائِضُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ الْجُنُبُ ; لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِهِ ، وَمَنْعُ الْقِرَاءَةِ إِنْ كَانَ لِكَوْنِهِ ذِكْرًا لِلَّهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ ، وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ غَيْرِهِ ، لَكِنَّ أَكْثَرَهَا قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ كَمَا سَنُشِيرُ إِلَيْهِ ، وَلِهَذَا تَمَسَّكَ الْبُخَارِيُّ وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ غَيْرُهُ كَالطَّبَرِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَدَاوُدَ بِعُمُومِ حَدِيثِ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ ; لِأَنَّ الذِّكْرَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ بِالْعُرْفِ . وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ أَثَرَ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ النَّخَعِيُّ بِأَنَّ مَنْعَ الْحَائِضِ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ بِلَفْظِ أَرْبَعَةٌ لَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ : الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَعِنْدَ الْخَلَاءِ وَفِي الْحَمَّامِ ، إِلَّا الْآيَةَ وَنَحْوَهَا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَوَازُ لِلْحَائِضِ دُونَ الْجُنُبِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، ثُمَّ أَوْرَدَ أَثَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِلَفْظِ إِنَّ عَبَّاسًا كَانَ يَقْرَأُ وِرْدَهُ وَهُوَ جُنُبٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ فَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْعِيدَيْنِ . وَقَوْلُهُ فِيهِ وَيَدْعُونَ كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَدْعِينَ بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ بَدَلَ الْوَاوِ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَغَيْرِهَا ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَى الرُّومِ وَهُمْ كُفَّارٌ وَالْكَافِرُ جُنُبٌ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : إِذَا جَازَ مَسُّ الْكِتَابِ لِلْجُنُبِ مَعَ كَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى آيَتَيْنِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَتُهُ ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ رَشِيدٍ . وَتَوْجِيهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ إِنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِنَّمَا كَتَبَ إِلَيْهِمْ لِيَقْرَءُوهُ ، فَاسْتَلْزَمَ جَوَازَ الْقِرَاءَةِ بِالنَّصِّ لَا بِالِاسْتِنْبَاطِ ، وَقَدْ أجيبَ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ - وَهُمُ الْجُمْهُورُ - بِأَنَّ الْكِتَابَ اشْتَمَلَ عَلَى أَشْيَاءَ غَيْرِ الْآيَتَيْنِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ذَكَرَ بَعْضَ الْقُرْآنِ فِي كِتَابٍ فِي الْفِقْهِ أَوْ فِي التَّفْسِيرِ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ قِرَاءَتَهُ وَلَا مَسَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ التِّلَاوَةُ ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّبْلِيغِ ، وَقَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْجَوَازَ بِالْقَلِيلِ كَالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ ، قَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يُعَلِّمَ الرَّجُلُ النَّصْرَانِيَّ الْحَرْفَ مِنَ الْقُرْآنِ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ ، وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ الْآيَةَ هُوَ كَالْجُنُبِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ : أَكْرَهُ أَنْ يَضَعَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَعَنْهُ إِنْ رَجَا مِنْهُ الْهِدَايَةَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا ، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ مَنَعَ : لَا دَلَالَةَ فِي الْقِصَّةِ عَلَى جَوَازِ تِلَاوَةِ الْجُنُبِ الْقُرْآنَ ; لِأَنَّ الْجُنُبَ إِنَّمَا مُنِعَ التِّلَاوَةَ إِذَا قَصَدَهَا وَعَرَفَ أَنَّ الَّذِي يَقْرَؤُهُ قُرْآنٌ ، أَمَّا لَوْ قَرَأَ فِي وَرَقَةٍ مَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ . وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( تَنْبِيهٌ ) : ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ ، وَالنَّسَفِيِّ ، وَعَبْدُوسٍ هُنَا ( وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ ) بِزِيَادَةِ وَاوٍ قَالَ : وَسَقَطَتْ لِأَبِي ذَرٍّ ، وَالْأَصِيلِيِّ وَهُوَ الصَّوَابُ . قُلْتُ : فَأَفْهَمَ أَنَّ الْأُولَى خَطَأٌ لِكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِلتِّلَاوَةِ ، وَلَيْسَتْ خَطَأً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ إِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَطَاءٌ ، عَنْ جَابِرٍ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مَوْصُولٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ ، وَفِي آخِرِهِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي ، وَأَمَّا أَثَرُ الْحَكَمِ - وَهُوَ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ - فَوَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْهُ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الذَّبْحَ مُسْتَلْزِمٌ لِذِكْرِ اللَّهِ بِحُكْمِ الْآيَةِ الَّتِي سَاقَهَا ، وَفِي جَمِيعِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ نِزَاعٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ تَصَرُّفِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ . وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْجُبُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ ، لَيْسَ الْجَنَابَةُ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ رُوَاتِهِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ ، لَكِنْ قِيلَ : فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ مَا عَدَاهُ ، وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فَضَعِيفٌ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَيْضِ ، وَقَوْلُهَا طَمَثْتُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ حِضْتُ ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ ، يُقَالُ : طَمِثَتِ الْمَرْأَةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي الْمَاضِي ، تَطْمُثُ بِالضَّمِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ · ص 485 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب تقضي الحائض المناسك كلها إلاّ الطواف بالبيت · ص 423 7 - باب تقضي الحائض المناسك كلها إلاّ الطواف بالبيت وقال إبراهيم : لا بأس أن تقرأ الآية . ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه . وقالت أم عطية : كنا نؤمر أن يخرج الحيض ، فيكبرن بتكبيرهم ويدعون . قالَ ابن عباس : أخبرني أبو سفيان أن هرقل دعا بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه ، فإذا فيهِ : بسم الله الرحمن الرحيم : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ الآية وقال عطاء ، عنِ جابر : حاضت عائشة ، فنسكت المناسك غير الطواف بالبيت ، ولا تصلي . وقال الحكم : إني لأذبح وأنا جنب . وقال الله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ 305 - حدثنا أبو نعيم : نا عبد العزيز بن أبي سلمة ، عَن عبد الرحمن بن القاسم ، [عَن القاسم] ، عَن عائشة ، قالت : خرجنا معَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نذكر إلا الحج ، فلما جئنا سرف طمثت ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ، فقالَ : ( ما يبكيك ؟ ) فقلت : لوددت والله أني لَم أحج العام ! قالَ : ( لعلك نفست ؟ ) قلت : نعم ، قالَ : ( فإن ذَلِكَ شيء كتبه الله على بنات آدم ، فافعلي ما يفعل الحاج ، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) . مقصود البخاري بهذا الباب أن الحيض لا يمنع شيئًا من مناسك الحج غير الطواف بالبيت والصلاة عقيبه ، وأن ما عدا ذَلِكَ من المواقف والذكر والدعاء لا يمنع الحيض شيئًا منهُ ، فتفعله الحائض كله . فدخل في ذَلِكَ الوقوف بعرفة ، والمزدلفة ، ورمي الجمار ، وذكر الله عز وجل ودعاؤه في هَذهِ المواطن . وكل هَذا متفق على جوازه . ولم يدخل في ذَلِكَ السعي بين الصفا والمروة ؛ لأنه تابع للطواف لا يفعل إلا بعده ، ولم تكن عائشة طافت قبل حيضها ، فلو كانت قَد طافت قبل حيضها لدخل فيهِ السعي أيضا . وهذا كله متفق عليهِ بيِن العلماء إلا خلافًا شاذًا في الذكر ، وقد ذكرناه فيما سبق في ( أبواب الوضوء ) . وإلا السعي بين الصفا والمروة ؛ فإن للعلماء فيهِ اختلافًا : هل يفعل معَ الحيض ؟ أم لا ؟ والجمهور على جوازه معَ الحيض ، ومنع منهُ طائفة من السلف . لكن منهُم من علل ذَلِكَ بمنع تقدم السعي للطواف ؛ فلو كانت طافت ، ثم حاضت - لزال المنع حينئذ على هَذا التعليل ، وحكي المنع رواية عَن أحمد ، وحكي عَن ابن عمر . ومنع إسحاق الجنب من السعي دونَ الحائض ؛ لأن الجنب لا عذر لَهُ في تأخير الغسل بخلاف الحائض . وقد روى يحيى بن يحيى الأندلسي حديث عائشة الذِي خرجه البخاري هاهنا عَن مالك ، عَن عبد الرحمن بن القاسم ، وقال فيهِ : ( غير أن لا تطوفي بالبيت ، ولا بالصفا والمروة - حتى تطهري ) . وزيادة ( الصفا والمروة ) وهم على مالك ، لَم يذكره عَنهُ أحد غير يحيى ، قاله ابن عبد البر . وفي ( صحيح مسلم ) عَن أبي الزبير ، عَن جابر - وذكر قصة عائشة في حيضها في الحج ، وقال في آخره : فقالَ لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( اغتسلي ، ثم أهلي بالحج ) . ففعلت ، ووقفت المواقف ، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة . وخرج البخاري في ( الحج ) من حديث عطاء ، عن جابر ، قالَ : حاضت عائشة ، فنسكت المناسك كلها ، غير أنها لم تطف بالبيت . فلما طهرت طافت بالبيت . وهذا هوَ الذِي علقه البخاري هاهنا ، وزاد فيهِ : ( ولا تصلي ) . وهذه اللفظة خرجها الإمام أحمد من رواية أبي الزبير ، فذكر الحديث ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لها : ( اغتسلي ، وأهلي بالحج ، ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج ، غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي ) . قالت : ففعلت ذَلِكَ . فلما طهرت قالَ : ( طوفي بالبيت وبين الصفا والمروة ) . وأما طواف الحائض بالبيت فالجمهور على تحريمه ، ورخص فيهِ طائفة من المالكية إذا لَم تحتبس لها الرفقة أن تطوف للإفاضة حينئذ ، وسنذكر ذَلِكَ في موضعه من ( الحج ) إن شاء الله تعالى . وأما حديث أم عطية في إخراج الحيض في العيدين فقد خرجه البخاري في مواضع متعددة من ( كتابه ) مبسوطًا ، وفيه دليل على جواز الذكر والدعاء للحائض . وأما ما ذكره تعليقًا أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يذكر الله على كل أحيانه فخرجه مسلم في ( صحيحه ) من حديث البهي ، عَن عروة ، عَن عائشة . وذكر الترمذي في ( علله ) أنهُ سأل البخاري عَنهُ ، فقالَ : هوَ حديث صحيح . وذكر ابن أبي حاتم ، عَن أبي زرعة ، أنهُ قالَ : لَم يرو إلا من هَذا الوجه ، وليس هوَ بذاك . وفيه دليل على أن الذكر لا يمنع منهُ حدث ولا جنابة ، وليس فيهِ دليل على جواز قراءة القرآن للجنب ؛ لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد بهِ القرآن . واستدلاله بقوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فهوَ دليل على جواز التسمية للحائض والجنب ؛ فإنهما غير ممنوعين من التذكية . قالَ ابن المنذر : لا أعلم أحدًا منع من ذَلِكَ . قالَ : وأجمع أهل العلم على أن لهما أن يذكرا الله ويسبحانه . فلم يبق مما ذكره البخاري في هَذا الباب سوى قراءة القرآن ، وظاهر كلامه أن الحائض لا تمنع من القراءة . واستدل [بكتابة] النبي صلى الله عليه وسلم البسملة معَ آية من القرآن إلى هرقل . وذكر عن النخعي أن الحائض تقرأ الآية ، وعن ابن عباس أنه لم ير بالقرآن للجنب بأسًا . أما ابن عباس فقد حكى عنه جواز القرآن للجنب غير واحد . قالَ ابن المنذر : روينا عن ابن عباس أنه كانَ يقرأ وردهُ وهو جنب ، ورخّص عكرمة وابن المسيب في قراءته . وقال ابن المسيب : أليس في جوفه ؟ انتهى . وكذا قالَ نافع بن جبير بن مطعم في قراءة القرآن على غير طهارة : لا بأس به ، أليس القرآن في جوفه ؟ وممن رأى الرخصة في قراءة القرآن للجنب قسامة بن زهير ، والحكم ، وربيعة ، وداود . وروي أيضا عن معاذ بن جبل ، وأنه قالَ : ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء من ذَلِكَ . خرجه ابن جرير بإسناد ساقط لا يصح ، والظاهر أنه مما وضعه محمد بن سعيد المصلوب ، وأسقط اسمه من الإسناد ؛ فقد وجدنا أحاديث متعددة بهذا الإسناد ، وهي من موضوعات المصلوب . وحكي جواز القراءة للجنب والحائض عن طائفة من أهل الحديث ، منهم ابن المنذر والطحاوي . وأما من رخص للجنب في قراءة الآية فقد حكاه البخاري عن النخعي في الحائض . وفي ( كتاب ابن أبي شيبة ) عن النخعي أن الحائض والجنب لا يتم الآية . وروى أبو حنيفة ، عن حماد ، عن إبراهيم في الجنب : لا بأس أن يقرأ الآية . قال أبو حنيفة : والحائض مثله . وحكي رواية عن أحمد بجواز قراءة الآية ، وهي مخرجة من كلامه ، ليست منصوصة عنه ، وفي صحة تخريجها نظر . وروي عن طائفة الرخصة في قراءة الآية والآيتين ، روي عن سعيد بن جبير وعبد الله بن مغفل ، وعكرمة . وروي عن عكرمة : لا بأس للجنب أن يقرأ ، ما لم يقرأ السورة . ومنهم من رخص في قراءة ما دون الآية ، وهو مروي عن جابر بن زيد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، والنخعي ، والثوري ، ورواية عن أحمد ، وإسحاق ، وحكي عن الطحاوي . ومنع الأكثرون الحائض والجنب من القراءة بكل حال ، قليلًا كانَ أو كثيرًا . وهذا مروي عن أكثر الصحابة ، روي عن عمر . وروي عنه أنه قالَ : لو أن جنبًا قرأ القرآن لضربته . وعن علي قالَ : لا يقرأ ولا حرفًا . وعن ابن مسعود ، وسلمان ، وابن عمر . وروي عن جابرٍ ، قالَ البيهقي : وليس بقوي . وروي عن ابن عباس بإسناد لا يصح . وهو قول أكثر التابعين ، ومذهب الثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد وإسحاق في إحدى الروايتين عنهما ، وأبي ثور وغيرهم . وهو قول مالكٍ في الجنب ، إلا أنه رخص لهُ في قراءة آيتين وثلاث عندَ المنام للتعوذ . ورخص الأوزاعي لهُ في تلاوة آيات الدعاء والتعوذ تعوذًا لا قراءة . وهذا أصح الوجهين للشافعية أيضا . وقال سعيد بن عبد العزيز : رخص للحائض والجنب في قراءة آيتين عندَ الركوب والنزول : سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا الآية ، و رَبِّ أَنْـزِلْنِي مُنْـزَلا مُبَارَكًا الآية . وعن مالك في الحائض روايتان إحداهما : هي كالجنب ، والثانية أنها تقرأ . وهو قول محمد بن مسلمة ؛ لأن مدة الحيض تطول ، فيخشى عليها النسيان ، وهي غير قادرة على الغسل ، بخلاف الجنب . وحكى أبو ثور ذَلِكَ عن الشافعي ، وأنكره أصحاب الشافعي عنه . وعكس ذَلِكَ آخرون ، منهم عطاء ، قالَ : الحائض أشد شأنًا من الجنب ، الحائض لا تقرأ شيئًا من القرآن ، والجنب يقرأ الآية . خرجه ابن جرير بإسناده عنه . ووجه هذا أن حدثَ الحيض أشد من حدث الجنابة ؛ فإنه يمنع ما يمنع منه حدث الجنابة وزيادة ، وهي الوطء والصوم . وما قيل من خشية النسيان فإنه يندفع بتذكر القرآن بالقلب ، وهو غير ممنوع به . وفي نهي الحائض والجنب عن القراءة أحاديث مرفوعة ، إلا أن أسانيدها غير قوية . كذا قالَ الإمام أحمد في قراءة الحائض ، وكأنه يشير إلى أن الرواية في الجنب أقوى ، وهو كذلك . وأقوى ما في الجنب حديث عبد الله بن سلمة ، عن علي ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من الخلاء ، فيقرئنا القرآن ، ويأكل معنا اللحم ، ولم يكن يحجبه - أو يحجزه - عن القرآن شيء ليس الجنابة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، وخرجه الترمذي بمعناه ، وقال : حسن صحيح . وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في ( صحيحيهما ) والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد . وتكلم فيهِ الشافعي وغيره ؛ فإن عبد الله بن سلمة هذا رواه بعدما كبر ، قالَ شعبة عنه : كانَ يحدثنا ، فكنا نعرف وننكر . وقال البخاري : لا يتابع في حديثه . ووثقه العجلي ويعقوب بن شيبة ، وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به . والاعتماد في المنع على ما روي عن الصحابة ، ويعضده قول عائشة وميمونة في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في حجرهما في حال الحيض ؛ فإنه يدل على أن للحيض تأثيرًا في منع القراءة . وأما استدلال المجيزين بحديث عائشة ( اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي ) - فلا دلالة لهم فيهِ ؛ فإنه ليس في مناسك الحج قراءة مخصوصة حتى تدخل في عموم هذا الكلام ، وإنما تدخل الأذكار والأدعية . وأما الاستدلال بحديث الكتاب إلى هرقل فلا دلالة فيهِ ؛ لأنه إنما كتب ما تدعو الضرورة إليه للتبليغ ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ في شرح حديث هرقل في أول الكتاب . وقد اختلف العلماء في تمكين الكافر من تلاوة القرآن ، فرخص فيهِ الحسن وأبو حنيفة وغيرهما . ومنهم من منع منه ، وهو قول أبي عبيد وغيره . واختلف أصحابنا في ذَلِكَ ؛ فمنهم من منعه مطلقًا ، ومنهم من رخص فيهِ مطلقًا . ومنهم من جوزه إذا رجي من حال الكافر الاستهداء والاستبصار ، ومنعه إذا لم يرج ذَلِكَ . والمنقول عن أحمد أنه كرهه . وقال أصحاب الشافعي : إن لم يرج له الاستهداء بالقراءة منع منها ، وإن رجي لهُ ذَلِكَ لم يمنع على أصح الوجهين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت · ص 273 ( باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ) باب منون لأنه مقطوع عما بعده ، أي : هذا باب فيه بيان أن المرأة إذا حاضت بعد الإحرام تقضي ، أي : تؤدي جميع المناسك كلها إلا أنها لا تطوف بالبيت ، والمناسك جمع منسك بفتح السين وكسرها ، وهو التعبد ، ويقع على المصدر والزمان والمكان ، وسميت أمور الحج كلها مناسك الحج ، وسئل ثعلب عن المناسك ما هو ؟ فقال : هو مأخوذ من النسيكة ، وهي سبيكة الفضة المصفاة كأنه صفى نفسه لله تعالى ، وفي المطالع المناسك مواضع متعبدات الحج ، والمنسك المذبح أيضا ، وقد نسك ينسك نسكا إذا ذبح ، والنسيكة الذبيحة ، وجمعها نسك ، والنسك أيضا الطاعة والعبادة وكل ما تقرب به إلى الله تعالى ، والنسك ما أمرت به الشريعة والورع وما نهت عنه ، والناسك العابد ، وجمعه النساك . والمناسبة بين البابين ظاهرة ؛ لأن في الأول : ترك الحائض الصوم ، وهو فرض ، وفي هذا تركها الطواف الذي هو ركن ، وهو أيضا فرض ، وبقية الطواف كالركعتين بعده أيضا لا تعمل إلا بالطهارة ، وهل هي شرط في الطواف أم لا ؟ فيه خلاف مشهور . ( وقال إبراهيم : لا بأس أن تقرأ الآية ) وجه تطابق هذا الأثر للترجمة والآثار التي بعده من حيث إن الحيض لا ينافي كل عبادة بل صحت معه عبادات بدنية من الأذكار نحو التسبيح ، والتحميد ، والتهليل ، ونحو ذلك ، وقراءة ما دون الآية عند جماعة ، والآية عند إبراهيم ، ومناسك الحج كذلك من جملة ما لا ينافيه الحيض إلا الطواف ؛ فإنه مستثنى من ذلك ، وكذلك الآية ، وما فوقها مستثنى من ذلك فمن هذا الوجه طابق هذا الأثر للترجمة ، وكذلك الآثار التي تأتي ، وحكم الجنب كحكم الحائض فيما ذكرنا ، وإذا وجد التطابق بأدنى شيء يكتفى به ، والتطويل فيه يؤول إلى التعسف . . قوله : ( قال إبراهيم ) هو إبراهيم النخعي . قوله : ( لا بأس ) ، أي : لا حرج أن تقرأ ، أي الحائض الآية من القرآن ، وقد وصله الدارمي بلفظ : أربعة لا يقرؤون القرآن : الجنب ، والحائض ، وعند الخلاء ، وفي الحمام إلا آية ، وعن إبراهيم فيه أقوال في قول يستفتح رأس الآية ولا يتمها ، وهو قول عطاء وسعيد بن جبير ؛ لما روى ابن أبي شيبة : حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن حجاج ، عن عطاء ، وعن حماد ، عن إبراهيم ، وسعيد بن جبير في الحائض ، والجنب يستفتحون رأس الآية ، ولا يتمون آخرها ، وفي قول : يكره قراءة القرآن للجنب ، وروى ابن أبي شيبة حدثنا ، وكيع ، عن شعبة ، عن حماد أن سعيد بن المسيب قال : يقرأ الجنب القرآن ، قال : فذكرته لإبراهيم فكرهه ، وفي قول : يقرأ ما دون الآية ، ولا يقرأ آية تامة ، وروى ابن أبي شيبة : حدثنا وكيع ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال : يقرأ ما دون الآية ، ولا يقرأ آية تامة ، وفي قول : يقرأ القرآن ما لم يكن جنبا ، وحدثنا وكيع ، عن شعبة ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن عمر قال : تقرأ الحائض القرآن . ( ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسا ) . هذا الأثر وصله ابن المنذر بلفظ : أن ابن عباس كان يقرأ ورده وهو جنب . وقال ابن أبي شيبة : حدثنا الثقفي ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا أن يقرأ الجنب الآية والآيتين ، وكان أحمد يرخص للجنب أن يقرأ الآية ونحوها ، وبه قال مالك ، وقد حكي عنه أنه قال : تقرأ الحائض ، ولا يقرأ الجنب ؛ لأن الحائض إذا لم تقرأ نسيت القرآن ؛ لأن أيام الحائض تتطاول ، ومدة الجنابة لا تطول . ( وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه ) . هذا حديث أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ، ويروى على كل أحواله ، وأراد البخاري بإيراد هذا ، وبما ذكره في هذا الباب الاستدلال على جواز قراءة الجنب والحائض ؛ لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره ، وبه قال الطبري ، وابن المنذر ، وداود . ( وقالت أم عطية : كنا نؤمر أن يخرج الحيض فيكبرن بتكبيرهم ، ويدعون ) . هذا التعليق وصله البخاري في أبواب العيدين في أيام التكبير أيام مني ، وإذا غدا إلى عرفة حدثنا محمد ، قال : حدثنا عمر بن حفص ، قال : حدثنا أبي ، عن عاصم ، عن حفصة ، عن أم عطية رضي الله تعالى عنها ، قالت : كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى تخرج البكر من خدرها ، وحتى تخرج الحيض فيكن خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ، ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم ، وطهرته ، ورواه أيضا في باب خروج النساء الحيض إلى المصلى على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . ووجه الاستدلال به ما ذكرناه من أنه لا فرق بين الذكر والتلاوة ؛ لأن الذكر أعم . وقال بعضهم : ويدعون ، كذا لأكثر الرواة ، وللكشميهني : يدعين بياء تحتانية بدل الواو قلت : هذا الذي ذكره مخالف لقواعد التصريف ؛ لأن هذه الصيغة معتل اللام من ذوات الواو ، ويستوي فيها لفظ جماعة الذكور والإناث في الخطاب والغيبة جميعا . وفي التقدير مختلف فوزن الجمع المذكر يفعون ، ووزن الجمع المؤنث يفعلن ، وسيأتي مزيد الكلام في موضعه إن شاء الله تعالى . ( وقال ابن عباس : أخبرني أبو سفيان أن هرقل دعا بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، و يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ الآية ) . هذا قطعة من حديث أبي سفيان في قصة هرقل ، وقد وصله البخاري في بدء الوحي ، وغيره . وقال : حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن عبد الله بن عباس : أخبره أن أبا سفيان بن حرب ، أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش . إلى أن قال : ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية الكلبي إلى عظيم بصرى ، فدفعه إلى هرقل ، فقرأه ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم : من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام : أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فعليك إثم الأريسين ، و قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ وجه الاستدلال به أنه صلى الله عليه تعالى وسلم كتب إلى الروم ، وهم كفار ، والكافر جنب كأنه يقول : إذا جاز مس الكتاب للجنب مع كونه مشتملا على آيتين ، فكذا يجوز له قراءته ، والحاصل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث للكفار القرآن مع أنهم غير طاهرين فجوز مسهم ، وقراءتهم له فدل على جواز القراءة للجنب . ( وقال عطاء عن جابر : حاضت عائشة ، فنسكت المناسك كلها غير الطواف بالبيت ولا تصلي ) . عطاء هو ابن أبي رباح ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وهذا قطعة من حديث ذكره البخاري موصولا في كتاب الأحكام في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : لو استقبلت من أمري ما استدبرت : حدثنا الحسن بن عمر حدثنا يزيد ، عن حبيب ، عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبينا بالحج ، وقدمنا مكة إلى أن قال : وكانت عائشة قدمت مكة ، وهي حائض ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنسك المناسك كلها غير أنها لا تطوف ولا تصلي حتى تطهر . الحديث . قوله : ( فنسكت ) ، بفتح السين ، والمعنى أقامت بأمور الحج كلها غير الطواف بالبيت ، والصلاة . وقال صاحب ( التلويح ) ، وتبعه صاحب التوضيح : قوله : ( ولا تصلي ) يحتمل أن يكون من كلام عطاء أو من كلام البخاري . والله أعلم . ( وقال الحكم : إني لأذبح ، وأنا جنب . وقال الله : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ . الحكم بفتح الحاء المهملة وفتح الكاف ابن عتيبة بضم العين المهملة ، وفتح التاء المثناة من فوق ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح الباء الموحدة الكوفي ، وقد تقدم في باب السمر بالعلم ، وهذا التعليق وصله البغوي في الجعديات من روايته عن علي بن الجعد ، عن شعبة عنه . قوله : ( إني لأذبح ) ، أي : إني لأذبح الذبيحة ، والحال أني جنب ، ولكن لا بد أن أذكر الله تعالى بحكم هذه الآية ، وهي : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وأراد بهذا أن الذبح مستلزم شرعا لذكر الله بمقتضى هذه الآية فدل على أن الجنب يجوز له التلاوة . واعلم أن البخاري ذكر في هذا الباب ستة من الآثار إلى هنا ، واستدل بها على جواز قراءة الجنب القرآن ، وفي كل ذلك مناقشة ، ورد عليه الجمهور بأحاديث وردت بمنع الجنب عن قراءة القرآن . منها حديث علي رضي الله تعالى عنه أخرجه الأربعة ، فقال أبو داود : حدثنا حفص بن عمر ، قال : أخبرنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة قال : دخلت على علي رضي الله تعالى عنه أنا ورجلان ، رجل منا ورجل من بني أسد ، أحسب ، فبعثهما علي بعثا . وقال : إنكما علجان فعالجان عن دينكما ، ثم قام فدخل المخرج ، ثم خرج ، فدعا بماء فأخذ منه حفنة ، فتمسح بها ، ثم جعل يقرأ القرآن فأنكروا ذلك ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجيء من الخلاء فيقرأ بنا القرآن ، ويأكل معنا اللحم ، لا يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة . فإن قلت : ذكر البزار أنه لا يروى عن علي إلا حديث عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة . وحكى البخاري عن عمرو بن مرة : كان عبد الله يعني ابن سلمة يحدثنا فنعرف وننكر ، وكان قد كبر ، ولا يتابع في حديثه ، وذكر الشافعي هذا الحديث . وقال : وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه . وقال البيهقي : وإنما توقف الثاني : في ثبوت هذا الحديث ؛ لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي ، وكان قد كبر ، وأنكر من حديثه ، وعقله بعض النكرة ، وإنما روى هذا الحديث بعد كبر ، قاله شعبة ، وذكر الخطابي أن الإمام أحمد كان يوهن حديث علي هذا ، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة ، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء ، والمتروكين . وقال النسائي : يعرف وينكر ، قلت : الترمذي لما أخرجه قال : حديث حسن صحيح ، وصححه ابن حبان أيضا . وقال الحاكم في عبد الله بن سلمة أنه غير مطعون فيه . وقال العجلي : تابعي ثقة . وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به . قوله : ( لا يحجزه ) بالزاي المعجمة ، أي : لا يمنعه ، ويروى بالراء المهملة بمعناه ، ويروى : لا يحجبه بمعناه أيضا . ومنها : حديث ابن عمر أخرجه الترمذي ، وابن ماجه ، عن إسماعيل بن عياش ، عن موسى بن عقبة ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن ، وضعف هذا الحديث بإسماعيل بن عياش ، قال البيهقي : روايته عن أهل الحجاز ضعيفة لا يحتج بها ، قاله أحمد ، ويحيى ، وغيرهما من الحفاظ . ومنها : حديث جابر رواه الدارقطني في سننه من حديث محمد بن الفضل ، عن أبيه ، عن طاوس ، عن جابر مرفوعا نحوه ، ورواه ابن عدي في الكامل ، وأعله بمحمد بن الفضل ، وأغلظ في تضعيفه ، عن البخاري ، والنسائي ، وأحمد ، وابن معين . قلت : وربما يعتضدان بحديث علي المذكور ، ولم يصح عند البخاري في هذا الباب حديث ، فلذلك ذهب إلى جواز قراءة الجنب والحائض أيضا ، واستدل على ذلك بما صح عنده وعند غيره من حديث عائشة الذي رواه مسلم الذي ذكر عن قريب ، وقال الطبري في كتاب التهذيب : الصواب أن ما روي منه عليه الصلاة والسلام من ذكر الله على كل أحيانه ، وأنه كان يقرأ ما لم يكن جنبا أن قراءته طاهرا اختيار منه لأفضل الحالتين والحالة الأخرى أراد تعليم الأمة ، وأن ذلك جائز لهم غير محظور عليهم ذكر الله وقراءة القرآن . 10 - حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة قالت : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج ، فلما جئنا سرف طمثت ، فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ قلت : لوددت والله أني لم أحج العام ، قال : لعلك نفست ، قلت : نعم ، قال : فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم ، فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري . هذا الحديث قد تقدم في أول كتاب الحيض عن علي بن عبد الله المديني ، عن سفيان ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن القاسم . وأخرجه أيضا في الأضاحي ، عن قتيبة ، وعن مسدد ، وشرحناه هناك مستوفى . . قوله : ( سرف ) بفتح السين ، وكسر الراء اسم موضع بالقرب من مكة ، قولها : طمثت بفتح الميم ، وكسرها ، أي : حضت .