2 - بَاب الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ 3336 - قَالَ : وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ بِهَذَا . ِ قَوْلُهُ : ( بَابٌ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ) كَذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَرْجَمَةِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ رُكِّبُوا مِنَ الْأَجْسَامِ وَالْأَرْوَاحِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ عَنْهُ قَوْلُهُ : ( الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ إِلَخْ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى مَعْنَى التَّشَاكُلِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ ، وَأَنَّ الْخَيِّرَ مِنَ النَّاسِ يَحِنُّ إِلَى شَكْلِهِ ، وَالشِّرِّيرَ نَظِيرُ ذَلِكَ يَمِيلُ إِلَى نَظِيرِهِ ، فَتَعَارُفُ الْأَرْوَاحِ يَقَعُ بِحَسَبِ الطِّبَاعِ الَّتِي جُبِلَتْ عَلَيْهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، فَإِذَا اتَّفَقَتْ تَعَارَفَتْ ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ تَنَاكَرَتْ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْإِخْبَارُ عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ فِي حَالِ الْغَيْبِ عَلَى مَا جَاءَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَجْسَامِ ، وَكَانَتْ تَلْتَقِي فَتَتَشَاءَمُ ، فَلَمَّا حَلَّتْ بِالْأَجْسَامِ تَعَارَفَتْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَصَارَ تَعَارُفُهَا وَتَنَاكُرُهَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الْعَهْدِ الْمُتَقَدِّمِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُرَادُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ أَوَّلُ مَا خُلِقَتْ خُلِقَتْ عَلَى قِسْمَيْنِ ، وَمَعْنَى تَقَابُلِهَا أَنَّ الْأَجْسَادَ الَّتِي فِيهَا الْأَرْوَاحُ إِذَا الْتَقَتْ فِي الدُّنْيَا ائْتَلَفَتْ أَوِ اخْتَلَفَتْ عَلَى حَسَبِ مَا خُلِقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْوَاحُ فِي الدُّنْيَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ بِالتَّعَارُفِ . قُلْتُ : وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَنَافِرِينَ رُبَّمَا ائْتَلَفَا ، لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَبْدَأ التَّلَاقِي ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ . وَأَمَّا فِي ثَانِي الْحَالِ فَيَكُونُ مُكْتَسَبًا ؛ لِتَجَدُّدِ وَصْفٍ يَقْتَضِي الْأُلْفَةَ بَعْدَ النُّفْرَةِ كَإِيمَانِ الْكَافِرِ وَإِحْسَانِ الْمُسِيءِ . وَقَوْلُهُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ أَيْ أَجْنَاسٌ مُجَنَّسَةٌ أَوْ جُمُوعٌ مُجَمَّعَةٌ . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ نُفْرَةً مِمَّنْ لَهُ فَضِيلَةٌ أَوْ صَلَاحٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ لِيَسْعَى فِي إِزَالَتِهِ حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنَ الْوَصْفِ الْمَذْمُومِ ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي عَكْسِهِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْأَرْوَاحُ وَإِنِ اتَّفَقَتْ فِي كَوْنِهَا أَرْوَاحًا لَكِنَّهَا تَتَمَايَزُ بِأُمُورٍ مُخْتَلِفَةٍ تَتَنَوَّعُ بِهَا ، فَتَتَشَاكَلُ أَشْخَاصُ النَّوْعِ الْوَاحِدِ وَتَتَنَاسَبُ بِسَبَبِ مَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ مِنَ الْمَعْنَى الْخَاصِّ لِذَلِكَ النَّوْعِ لِلْمُنَاسَبَةِ ، وَلِذَلِكَ نُشَاهِدُ أَشْخَاصَ كُلِّ نَوْعٍ تَأْلَفُ نَوْعَهَا وَتَنْفِرُ مِنْ مُخَالِفِهَا . ثُمَّ إِنَّا نَجِدُ بَعْضَ أَشْخَاصِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ يَتَآلَفُ وَبَعْضُهَا يَتَنَافَرُ ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ الْأُمُورِ الَّتِي يَحْصُلُ الِاتِّفَاقُ وَالِانْفِرَادُ بِسَبَبِهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ) هُوَ الْمِصْرِيُّ ( حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ بِهَذَا ) يَعْنِي مِثْلَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ بِهِ ، وَرُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى ، وَفِيهِ قِصَّةٌ فِي أَوَّلِهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ كَانَتِ امْرَأَةٌ مَزَّاحَةٌ بِمَكَّةَ ، فَنَزَلَتْ عَلَى امْرَأَةٍ مِثْلِهَا فِي الْمَدِينَةِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ : صَدَقَ حِبِّي ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَرُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي بَكْرِ بْنِ زُنْبُورٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ أَيْضًا بِسَنَدِهِ الْأَوَّلِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ بِمَعْنَاهَا ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : أَبُو صَالِحٍ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْكِتَابِ وَلَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ فِي الْأُصُولِ ، وَإِنَّمَا يُخَرِّجُ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الِاسْتِشْهَادِ ، فَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ بِلَا إِسْنَادٍ ، فَصَارَ أَقْوَى مِمَّا لَوْ سَاقَهُ بِإِسْنَادٍ اهـ . وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ النَّاظِرَ فِي كِتَابِهِ رُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ إِسْنَادًا آخَرَ ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ سَاقَهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَلَى شَرْطِهِ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ . قُلْتُ : وَلِلْمَتْنِ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ · ص 425 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الأرواح جنود مجندة · ص 215 باب الأرواح جنود مجندة أي : هذا باب يذكر فيه الأرواح جنود مجندة ، والآن يأتي تفسيره ، ووجه ذكر هذه الترجمة عقيب ترجمة خلق آدم الإشارة إلى أن بني آدم مركبة من الأجسام والأرواح . قال : وقال الليث : عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف . مطابقته للترجمة من جهة أن الترجمة جزء منه : أي قال البخاري ، وقال الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، هذا التعليق وصله البخاري في الأدب المفرد ، عن عبد الله بن صالح ، عن الليث ، ووصله الإسماعيلي من طريق سعيد بن أبي مريم ، عن يحيى بن أيوب ، وفي الحديث قصة ذكرها أبو يعلى وغيره ، وهي أن عمرة قالت كانت بمكة امرأة مزاحة ، فنزلت على امرأة مثلها ، فبلغ ذلك عائشة رضي الله تعالى عنها فقالت : صدق حين سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول : الأرواح جنود مجندة الحديث . والحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا عبد العزيز ، يعني ابن محمد ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الأرواح جنود مجندة إلى آخره نحوه ، قوله : الأرواح جمع روح وهو الذي يقوم به الجسد ، ويكون به الحياة ، قوله : جنود مجندة : أي جموع مجتمعة ، وأنواع مختلفة ، وقيل : أجناس مجنسة ، وفي هذا دليل على أن الأرواح ليست بأعراض فإنها كانت موجودة قبل الأجساد ، وإنها تبقى بعد فناء الأجساد ، ويؤيده : أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر قوله : فما تعارف منها تعارفها موافقة صفاتها التي خلقها الله عليها وتناسبها في أخلاقها ، وقيل : لأنها خلقت مجتمعة ، ثم فرقت في أجسادها ، فمن وافق قسيمه ألفه ، ومن باعده نافره ، وقال الخطابي فيه وجهان : أحدهما أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر ، وإن الخير من الناس يحن إلى شكله ، والشرير يميل إلى نظيره ، والأرواح إنما تتعارف بضرائب طباعها التي جبلت عليها من الخير والشر ، فإذا اتفقت الأشكال تعارفت وتآلفت ، وإذا اختلفت تنافرت وتناكرت ، والآخر : أنه روي أن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد ، وكانت تلتقي فلما التبست بالأجساد تعارفت بالذكر الأول ، فصار كل واحد منها إنما يعرف وينكر على ما سبق له من العهد المتقدم ، وقال القرطبي : إذا وجد أحد من نفسه نفرة ممن له فضيلة ، أو صلاح يفتش عن الموجب لها ، فإنه ينكشف له فيتعين عليه أن يسعى في إزالة ذلك حتى يتخلص من ذلك الوصف المذموم ، وكذلك القول إذا وجد في نفسه ميلا إلى من فيه شر وشبهة ، وشاع في كلام الناس قولهم : المناسبة تؤلف بين الأشخاص ، والشخص يؤلف بين شكله ولما نزل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الكوفة قال : يا أهل الكوفة ، قد علمنا خيركم من شريركم فقالوا : لم ذلك ؟ قال : كان معنا ناس من الأخيار فنزلوا عند ناس فعلمنا أنهم من الأخيار ، وكان معنا ناس من الأشرار فنزلوا عند ناس ، فعلمنا أنهم من الأشرار ، وكان كما قال الشاعر : عن المرء لا تسل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي وقال يحيى بن أيوب : حدثني يحيى بن سعيد بهذا يحيى بن أيوب الغافقي المصري ، ويحيى بن سعيد هو الذي مضى عن قريب ، قوله : مثله : أي مثل الذي قبله ، وقد وصله الإسماعيلي من طريق سعيد بن أبي مريم ، عن يحيى بن أيوب به - .