3404 - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ الْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَخِلَاسٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا : مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ وَإِمَّا آفَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى ، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ : ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ ، وَقَامَ الْحَجَرُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ ، وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ ، فَوَاللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ثَانِيهَا : حَدَيثُهُ أنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ التَّحْتَانِيَّةِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا أُخْرَى مُثَقَّلَةٌ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِنَ الْحَيَاءِ ، وَقَوْلُهُ : سَتِّيرًا بِوَزْنِهِ مِنَ السِّتْرِ ، وَيُقَالُ سِتِّيرًا بِالتَّشْدِيدِ . قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ ( حَدَّثَنَا عَوْفٌ ) هُوَ الْأَعْرَابِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَخِلَاسٍ ) أَمَّا الْحَسَنُ فَهُوَ الْبَصْرِيُّ ، وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَهُوَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَسَمَاعُهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَابِتٌ ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَوْحٍ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَأَمَّا خِلَاسُ فَبِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ هُوَ ابْنُ عُمَرَ بَصْرِيٌّ ، يُقَالُ أنَّهُ كَانَ عَلَى شُرْطَةِ عَلِيٍّ ، وَحَدِيثُهُ عَنْهُ فِي التِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَجَزَمَ يَحْيَى القَطَّانُ بِأَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْهُ مِنْ صَحِيفَتِهِ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ : لَمْ يَسْمَعْ خِلَاسٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ كَانَ يَحْيَى القَطَّانُ يَقُولُ : رِوَايَتُهُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ كِتَابٍ ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ عَمَّارٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ قُلْتُ : إِذَا ثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ عَمَّارٍ وَكَانَ عَلَى شُرْطَةِ عَلِيٍّ كَيْفَ يَمْتَنِعُ سَمَاعُهُ مِنْ عَلِيٍّ ؟ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : يُقَالُ وَقَعَتْ عِنْدَهُ صَحِيفَةٌ عَنْ عَلِيٍّ ، وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ ، يَعْنِي فِي عَلِيٍّ . وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ : كَانَ يَحْيَى القَطَّانُ يَتَوَقَّى أَنْ يُحَدِّثَ عَنْ خِلَاسٍ ، عَنْ عَلِيٍّ خَاصَّةً . وَأَطْلَقَ بَقِيَّةُ الْأَئِمَّةِ تَوْثِيقَهُ . قُلْتُ : وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ لَهُ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ ، وَأَعَادَهُ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ . وَلَهُ عَنْهُ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مَقْرُونًا أَيْضًا بِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَوَهِمَ الْمِزِّيُّ فَنَسَبَهُ إِلَى الصَّوْمِ . وَأَمَّا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحُفَّاظِ النُّقَّادِ ، وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِوَهْمِهِ عِنْدَهُمْ ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سِوَى هَذَا مَقْرُونًا . وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مَقْرُونًا بِابْنِ سِيرِينَ ، وَثَالِثٌ ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ فِي الْأيمَانِ مَقْرُونًا بِابْنِ سِيرِينَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ ) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ اغْتِسَالَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عُرَاةً بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِمْ . وَإِنَّمَا اغْتَسَلَ مُوسَى وَحْدَهُ اسْتِحْيَاءً . قَوْلُهُ : ( وَإِمَّا أُدْرَةٌ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَبِفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا فِيمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْغُسْلِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ ، عَنْ عَوْفٍ الْجَزْمُ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ آدَرُ . قَوْلُهُ : ( فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثِيَابًا أَيْ ثِيَابًا لَهُ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَاءَ عُرْيَانًا . وَعَلَيْهِ بَوَّبَ الْمُصَنِّفُ فِي الْغُسْلِ مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَقَدْ قَدَّمْتُ تَوْجِيهَهُ فِي كِتَابِ الْغُسْلِ ، وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ مُوسَى نَزَلَ إِلَى الْمَاءِ مُؤْتَزِرًا ، فَلَمَّا خَرَجَ تَتَبَّعَ الْحَجَرَ وَالْمِئْزَرُ مُبْتَلٌّ بِالْمَاءِ عَلِمُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ أَنَّهُ غَيْرُ آدَرٍ ، لِأَنَّ الْأُدْرَةَ تَبِينُ تَحْتَ الثَّوْبِ الْمَبْلُولِ بِالْمَاءِ ، انْتَهَى . وهَذَا إِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ قَالَهُ احْتِمَالًا فَيُحْتَمَلُ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ يُخَالِفُهُ ، لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مُوسَى كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَاءَ لَمْ يُلْقِ ثَوْبَهُ حَتَّى يُوَارِيَ عَوْرَتَهُ فِي الْمَاءِ . قَوْلُهُ : ( عَدَا بِثَوْبِهِ ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مَضَى مُسْرِعًا . قَوْلُهُ : ( ثَوْبِيَ حَجَرُ ، ثَوْبِيَ حَجَرُ ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ مِنْ ثَوْبِي أَيْ أَعْطِنِي ثَوْبِي ، أَوْ رُدَّ ثَوْبِي ، وَحَجَرُ بِالضَّمِّ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ بِلَفْظِ ثَوْبِي يَا حَجَرُ . قَوْلُهُ : ( وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ ) فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَأَعْدَلَهُ صُورَةً ، وَفِي رِوَايَتِهِ : فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَاتَلَ اللَّهُ الْأَفَّاكِينَ ، وَكَانَتْ بَرَاءَتُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ الْمَذْكُورَةِ فَرَأَوْهُ كَأَحْسَنِ الرِّجَالِ خَلْقًا ، فَبَرَّأَهُ مِمَّا قَالُوا . قَوْلُهُ : ( وَقَامَ حَجَرٌ فَأَخَذَ بِثَوْبِهِ ) قُلْتُ كَذَا فِيهِ ، وَفِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ وَقَامَ الْحَجَرُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ . قَوْلُهُ : ( فَوَاللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنُدَبًا ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ ، بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ فِي الْغُسْلِ أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا ) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ الْمَذْكُورِ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْجَزْمُ بِسِتِّ ضَرَبَاتٍ . قَوْلُهُ : ( فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا لَمْ يَقَعْ هَذَا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى الْآيَةَ ، قَالَ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَقُولُونَ أنَّ مُوسَى آدَرُ ، فَانْطَلَقَ مُوسَى إِلَى النَّهَرِ يَغْتَسِلُ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورَةِ قَرِيبًا فِي آخِرِهِ فَرَأَوْهُ لَيْسَ كَمَا قَالُوا ; فَأَنْزَلَ تَعَالَى : لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمَشْيِ عُرْيَانًا لِلضَّرُورَةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَمَّا كَانَ مُوسَى فِي خَلْوَةٍ وَخَرَجَ مِنَ الْمَاءِ فَلَمْ يَجِدْ ثَوْبَهُ تَبِعَ الْحَجَرَ بِنَاءً عَلَى أَنْ لَا يُصَادِفَ أَحَدًا وَهُوَ عُرْيَانُ ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ قَوْمٌ فَاجْتَازَوا بِهِمْ ، كَمَا أَنَّ جَوَانِبَ الْأَنْهَارِ وَإِنْ خَلَتْ غَالِبًا لَا يُؤْمَنُ وُجُودُ قَوْمٍ قَرِيب مِنْهَا ، فَبَنَى الْأَمْرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَاهُ أُحُدٌ لِأَجْلِ خَلَاءِ الْمَكَانِ ، فَاتَّفَقَ رُؤْيَةُ مَنْ رَآهُ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ يَتْبَعُ الْحَجَرَ عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ فِيهِمْ مَنْ قَالَ فِيهِ مَا قَالَ ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ الْفَائِدَةُ ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الْوُقُوفُ عَلَى قَوْمٍ مِنْهُمْ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الْمَوْقِعَ . وَفِيهِ جَوَازُ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ لِذَلِكَ مِنْ مُدَاوَاةٍ أَوْ بَرَاءَةٍ مِنْ عَيْبٍ ، كَمَا لَوِ ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ الْبَرَصَ لِيَفْسَخَ النِّكَاحَ فَأَنْكَرَ . وَفِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِي خَلْقِهِمْ وَخُلُقِهِمْ عَلَى غَايَةِ الْكَمَالِ ، وَأَنَّ مَنْ نَسَبَ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى نَقْصٍ فِي خِلْقَتِهِ فَقَدْ آذَاهُ وَيُخْشَى عَلَى فَاعِلِهِ الْكُفْرُ . وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنَّ الْآدَمِيَّ يَغْلِبُ عَلَيْهِ طِبَاعُ الْبَشَرِ ، لِأَنَّ مُوسَى عَلِمَ أَنَّ الْحَجَرَ مَا سَارَ بِثَوْبِهِ إِلَّا بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ حَتَّى ضَرَبَهُ . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ مُعْجِزَةٍ أُخْرَى لِقَوْمِهِ بِتَأْثِيرِ الضَّرْبِ بِالْعَصَا فِي الْحَجَرِ . وَفِيهِ مَا كَانَ فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْجُهَّالِ وَاحْتِمَالِ أَذَاهُمْ ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَاقِبَةَ لَهُمْ عَلَى مَنْ آذَاهُمْ ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالطَّحَاوِيُّ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِي طَعْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُوسَى بِسَبَبِ هَارُونَ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ مَعَهُ إِلَى زِيَارَةٍ فَمَاتَ هَارُونُ فَدَفَنَهُ مُوسَى ، فَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَقَالُوا : أَنْتَ قَتَلْتَهُ ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ رَفَعَ لَهُمْ جَسَدَ هَارُونَ وَهُوَ مَيِّتٌ فَخَاطَبَهُمْ بِأَنَّهُ مَاتَ . وَفِي الْإِسْنَادِ ضَعْفٌ . وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرِيقَيْنِ مَعًا لِصِدْقِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آذَى مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريباب ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ · ص 503 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 301 67 - حدثني إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا عوف عن الحسن ومحمد وخلاس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه ، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا : ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة وإما آفة ، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى ، فخلا يوما وحده ، فوضع ثيابه على الحجر ، ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل ، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله ، وأبرأه مما يقولون ، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه ، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا ، فذلك قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن فيه ذكر موسى - صلى الله عليه وسلم - فمن هذه الحيثية يؤخذ الوجه لذكره في الترجمة المذكورة ، وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه ، وروح بفتح الراء ابن عبادة بضم العين أبو محمد البصري ، وعوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابي وليس بأعرابي ، والحسن هو البصري ، ومحمد هو ابن سيرين ، وخلاس بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وفي آخره سين مهملة ابن عمرو الهجري البصري . والحديث مضى في كتاب الغسل ، فإنه أخرجه هناك عن إسحاق بن نصر عن عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ، وأخرجه البخاري أيضا في التفسير عن إسحاق ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد ، وقد مضى الكلام فيه هناك . وأما الكلام في الرواة فنقول : أما محمد بن سيرين فإن سماعه من أبي هريرة ثابت ، وأما الحسن فلم يسمع من أبي هريرة عند المحققين من الحفاظ ، ويقولون : ما وقع في بعض الروايات من سماعه عنه فهو وهم ، وأما البخاري فإنه أخرجه عنه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هنا مقرونا بغيره وما له في الكتاب إلا هذا ، وله حديث آخر في بدء الخلق مقرونا بابن سيرين أيضا ، وأما خلاس ففي سماعه عن أبي هريرة خلاف ؛ فقال أبو داود عن أحمد : لم يسمع خلاس من أبي هريرة ، ويقال : إنه كان على شرطة علي رضي الله تعالى عنه ، وحديثه عنه في الترمذي والنسائي ، وجزم يحيى القطان أن روايته عنه من صحيفة ، وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة : كان يحيى القطان يقول : روايته عن علي من كتاب ، وقد سمع من عمار وعائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، قيل : إذا ثبت سماعه من عمار وكان على شرطة علي فكيف يمتنع سماعه من علي رضي الله تعالى عنه ، وقال أبو حاتم : يقال : وقعت عنده صحيفة علي رضي الله عنه ، وليس بقوي يعني في علي ووثقه بقية الأئمة وما له في البخاري سوى هذا الحديث ، فإنه أخرجه له مقرونا بغيره ، وأعاده سندا ومتنا في تفسير سورة الأحزاب ، وله حديث آخر أخرجه في الأيمان والنذور مقرونا بمحمد بن سيرين عن أبي هريرة . قوله : حييا أي كثير الحياء ، قوله : ستير على وزن فعيل بمعنى فاعل أي من شأنه وإرادته حب الستر والصون ، قوله : أدرة بضم الهمزة وسكون الدال على المشهور ، وحكى الطحاوي رحمه الله عن بعض مشايخه بفتح الهمزة والدال ، وقال ابن الأثير : الأدرة بالضم نفخة في الخصية يقال : رجل آدر بين الأدر بفتح الهمزة والدال وهي التي تسميها الناس الإقليط ، قوله : وإما آفة من قبيل عطف العام على الخاص ، قوله : عدا بثوبه بالعين المهملة أي مضى به مسرعا ، قوله : ثوبي حجر يعني رد ثوبي يا حجر ، قوله : ضربا أي يضرب ضربا ، قوله : لندبا بفتح النون والدال ، وهو أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد ، قوله : فوالله إن بالحجر لندبا ظاهره أنه بقية الحديث ، وقد بين في رواية همام في الغسل أنه قول أبي هريرة ، قوله : ثلاثا أو أربعا أو خمسا وفي رواية همام المذكورة ستة أو سبعة ، ووقع عند ابن مردويه من رواية حبيب بن سالم عن أبي هريرة الجزم بست ضربات ، قوله : فذلك قوله تعالى أي ما ذكر من أذى بني إسرائيل موسى نزل فيه قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب لأهل المدينة ، قوله : لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى أي احذروا أن تكونوا مؤذين للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما آذى بنو إسرائيل موسى - صلى الله عليه وسلم - فأظهر الله براءته مما قالوه فيه من أنه آدر ، وقيل : كان إيذاؤهم إياه ادعاؤهم عليه قتل أخيه هارون - صلى الله عليه وسلم - قوله : وكان أي موسى عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا أي ذا جاه ومنزلة ، وقيل : وجيها لم يسأل شيئا إلا أعطاه وقرئ شاذا ، وكان عبد الله بالباء الموحدة وفي الحديث : إن اغتسال بني إسرائيل عراة بمحضر منهم كان جائزا في شرعهم ، وكان اغتسال موسى صلى الله تعالى عليه وسلم وحده لكونه حييا يحب الاستتار . وفيه جواز المشي عريانا للضرورة ، وفيه جواز النظر إلى العورة عند الضرورة للمداواة ونحوها ، وفيه أن الأنبياء صلى الله تعالى عليهم وسلم منزهون عن النقائص والعيوب الظاهرة والباطنة ، وفيه أن من نسب نبيا من الأنبياء إلى نقص في خلقه فقد آذاه ويخشى عليه الكفر ، وفيه معجزة ظاهرة لموسى عليه الصلاة والسلام ، ولا سيما تأثير ضربه بالعصا على الحجر مع علمه بأنه ما سار بثوبه إلا بأمر من الله تعالى .