11 - بَاب هَلْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ ؟ 312 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا ، فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ هَلْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ ) قِيلَ مُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهَا تُصَلِّي فِيهِ لَكِنْ بَعْدَ تَطْهِيرِهِ . وفِي الْجَمْعِ بَيْنَه وَبَيْنَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَاضِي الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهَا ثَوْبٌ مُخْتَصٌّ بِالْحَيْضِ أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ بَعْدَ اتِّسَاعِ الْحَالِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ عَائِشَةَ بِقَوْلِهَا ثَوْبٌ وَاحِدٌ مُخْتَصٌّ بِالْحَيْضِ ، وَلَيْسَ فِي سِيَاقِهَا مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لَهَا غَيْرُهُ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ فَيُوَافِقُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّهَا صَلَّتْ فِيهِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ ، وَإِنَّمَا أَزَالَتِ الدَّمَ بِرِيقِهَا لِيَذْهَبَ أَثَرُهُ وَلَمْ تَقْصِدْ تَطْهِيرَهُ ، وَقَدْ مَضَى قَبْلُ بِبَابٍ عَنْهَا ذِكْرُ الْغُسْلِ بَعْدَ الْقَرْصِ قَالَتْ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عِنْدَ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ كَانَتْ تَغْسِلُهُ . وَقَوْلُهَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ قَالَتْ بِرِيقِهَا مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ ، وَقَوْلِهَا فَمَصَعَتْهُ بِالصَّادِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ أَيْ حَكَّتْهُ وَفَرَكَتْهُ بِظُفْرِهَا ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِالْقَافِ بَدَلَ الْمِيمِ ، وَالْقَصْعُ الدَّلْكُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ فَتَقْصَعُهُ بِظُفْرِهَا فَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ دَمٌ يَسِيرٌ يُعْفَى عَنْ مِثْلِهِ ، وَالتَّوْجِيهُ الْأَوَّلُ أَقْوَى . ( فَائِدَةٌ ) : طَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ دَعْوَى الِانْقِطَاعِ ، وَمِنْ جِهَةِ دَعْوَى الِاضْطِرَابِ . فَأَمَّا الِانْقِطَاعُ فَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَمْ يَسْمَعْ مُجَاهِدٌ مِنْ عَائِشَةَ ، وَهَذَا مَرْدُودٌ ، فَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِهِ مِنْهَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي غَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَأَثْبَتَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ نَفَاهُ . وَأَمَّا الِاضْطِرَابُ فَلِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ لَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ نَافِعٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ بَدَلَ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ لَا يُوجِبُ الِاضْطِرَابَ ; لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ نَافِعٍ سَمِعَهُ مِنْ شَيْخَيْنِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَأَبُو نُعَيْمٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَحْفَظُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ شَيْخِ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ ، وَقَدْ تَابَعَ أَبَا نُعَيْمٍ ، خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَرَجَحَتْ رِوَايَتُهُ ، وَالرِّوَايَةُ الْمَرْجُوحَةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ · ص 491 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ · ص 458 11 - باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيهِ ؟ 312 - حدثنا أبو نعيم : نا إبراهيم بن نافع ، عَن ابن أبي نجيح ، عَن مجاهد ، قالَ : قالت عائشة : ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيهِ ، فإذا أصابه شيء من الدم قالت بريقها ، فمصعته بظفرها . وقد خرجه أبو داود ، عَن محمد بن كثير : نا إبراهيم - يعني : ابن نافع - قالَ : سمعت الحسن يذكر عَن مجاهد ، قالَ : قالت عائشة : ما كانَ لإحدانا إلا ثوب واحد فيهِ تحيض ، فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها ، ثم قصعته بريقها . فخالف في إسناده حيث جعل ( الحسن ) وَهوَ ابن مسلم بدل ( ابن أبي نجيح ) ، وفي متنه حيث قالَ : ( قصعته ) بالقاف . وكذا خرجه الإسماعيلي من حديث أبي حذيفة ، عن إبراهيم ، إلا أنهُ قالَ : ( قصعته بظفرها ) . وكأنه يشير إلى أن هَذهِ الرواية أصح من رواية البخاري . قالَ الخطابي : مصعته بظرفها ، أي : بالغت في حكه . وأصل المصع الضرب الشديد . قالَ : وروي ( قصعته ) أي : دلكته بالظفر ، وعالجته بهِ ، ومنه قصع القملة . وقد سبق الحديث الذِي خرجه البخاري من رواية عمرو بن الحارث ، عَن عبد الرحمن بن القاسم ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : كانت إحدانا تحيض ، ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها ، فتغسله ، وتنضح على سائره ، ثم تصلي فيهِ . ولكن هَذا فيهِ غسل الدم . ورواه الأوزاعي ، عَن عبد الرحمن بن القاسم ، عَن أبيه ، عَن عائشة - أنها أفتت بذلك ، ولم يذكر حكاية فعلها من قبل . وخرج أبو داود من رواية ابن عيينة ، عَن ابن أبي نجيح ، [عَن عطاء ] ، عَن عائشة ، قالت : قَد كانَ يكون لإحدانا الدرع ، فيهِ تحيض ، وفيه تصيبها الجنابة . ثم ترى فيهِ قطرة من دم ، فتقصعه بريقها . فهذا أيضا فيهِ ذكر القصع بالريق كحديث مجاهد عَن عائشة ، ولكن فيهِ أن ذَلِكَ كانت تفعله بالقطرة من الدم ، فيحمل ذَلِكَ على أنها كانت ترى ذَلِكَ يسيرًا ، فيعفى عَن أثره ، ويحتمل أنها كانت ترى الريق مطهرًا ، فيكون فيهِ دلالة على طهارة النجاسة بغير الماء . وروى محمد بن سعد في ( طبقاته ) : أنا الواقدي : ثنا ابن أبي ذئب ، عَن صفية بنت زياد ، قالت : رأتني ميمونة وأنا أغسل ثوبي من الحيضة ، فقالت : ما كنا نفعل هَذا ، إنما كنا نحته حتًا . الواقدي ضعيف . ويحمل [على] أنهُ كانَ دمًا يسيرًا . وروى أبو نعيم الفضل بن دكين في ( كِتابِ الصلاة ) : نا حبيب بن أبي [...] ، قالَ : حدثتني أختي ، عَن أم جرير ، أنها كانت في نسوة عند عائشة ، فقالت إحداهن : [يا] أم المؤمنين ، المرأة تحيض في الثوب ، ثم تطهر ، أتصلي فيهِ ؟ قالت : إن رأت دمًا فلتغسلهُ ، وإن [لَم] تر دمًا فلتنضحه سبع مرات بالماء ، ثم لتصلي فيهِ . إسناد مجهول . وخرج أبو داود بإسناد فيهِ جهالة أيضا عَن عائشة ، أنها قالت في الحائض يصيب ثوبها الدم : تغسله ، فإن لَم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة . قالت : ولقد كنت أحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حيض جميعًا ، لا أغسل لي ثوبًا . وبإسنادٍ فيهِ جهالة أيضا عَن أم سلمة ، قالت : قَد كانَ يصيبنا الحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلبث إحدانا أيام حيضها ، ثم تطهر ، فتطهر الثوب الذِي كانت تلبث فيهِ ؛ فإن أصابه دم غسلناه وصلينا فيهِ ، وإن لَم يكن أصابه شيء تركناه ، ولم يمنعنا ذَلِكَ أن نصلي فيهِ . وخرج الطبراني من حديث أم سلمة ، قالت : كانت إحدانا تحيض في الثوب ، فإذا كانَ يوم طهرها غسلت ما أصابه ، ثم صلت فيهِ ، وإن إحداكن اليوم تفرغ خادمها ليغسل ثيابها يوم طهرها . وفي إسناده المنهال بن خليفة ، ضعفوه . وخرجه وكيع عَنهُ في ( كتابه ) . وروى وكيع أيضا عَن سفيان ، عَن أبي هاشم ، عَن سعيد بن جبير ، قالَ : إن كانَ بعض أمهات المؤمنين لتقرص الدم من ثوبها بريقها . وعن أبي العوام الباهلي ، عَن عطاء ، قالَ : لقد كانت المرأة وما لها إلا الثوب الواحد ، فيهِ تحيض ، وفيه تصلي . وعن الفضل بن دلهم ، قالَ : سألت الحسن عَن المرأة تحيض في الثوب ، فتعرق فيهِ ! قالَ : لا بأس ، إلا أن ترى دمًا تغسله . فأما ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن لهيعة ، عَن يزيد بن أبي حبيب ، عَن عيسى بن طلحة ، عَن أبي هريرة - أن خولة بنت يسار أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، ليسَ لي إلا ثوب واحد ، وأنا أحيض فيهِ ، فكيف أصنع ؟ قالَ : ( إذا طهرت فاغسليه ، ثم صلي فيهِ ) . فقالت : فإن لَم يخرج الدم ؟ قالَ : ( يكفيك الماء ، ولا يضرك أثره ) . فابن لهيعة لا يحتج برواياته في مخالفة روايات الثقات . وقد اضطرب في إسناده فرواه تارة كذلك ، وتارة رواه عَن عبيد الله بن أبي جعفر ، عَن موسى بن طلحة ، عَن أبي هريرة . وخرجه الإمام أحمد من هَذا الوجه أيضا . وهذا يدل على أنهُ لَم يحفظه . وقد يحمل على أنهُ أمرها بغسل دم الحيض منهُ . وقد حكى بعض أصحابنا في كراهة الصلاة في ثوب الحائض والمرضع روايتين عَن أحمد . وقد روي عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي في [لحف] نسائه . وخرجه النسائي والترمذي وصححه . وخرجه أبو داود ، وعنده : لا يصلي في شعرنا أو لحفنا ، بالشك . وفي رواية للإمام أحمد : لا يصلي في شعرنا من غير شك . و( الشعار ) : هوَ الثوب الذِي يلبس على الجسد . وقد أنكره الإمام أحمد إنكارًا شديدًا . وفي إسناده اختلاف على ابن سيرين . وقد روي عَنهُ أنهُ قالَ : سمعته منذ زمان ، ولا أدري ممن سمعته ، ولا أدري أسمعته من ثبت أو لا ؛ فاسألوا عَنهُ . ذكره أبو داود في ( سننه ) ، والبخاري في ( تاريخه ) . وقال أبو بكر الأثرم : أحاديث الرخصة أكثر وأشهر . قالَ : ولو فسد على الرجال الصلاة في شعر النساء لفسدت الصلاة فيها على النساء . وهذا الكلام يدل على أن النساء لا يكره لهن الصلاة في ثياب الحيض بغير خلاف ، إنما الخلاف في الرجال . والأحاديث التي أشار إليها في الرخصة متعددة ؛ ففي ( صحيح مسلم ) ، عَن عائشة ، قالت : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وأنا إلى جنبه ، وأنا حائض ، علي مرط ، وعليه بعضه . وخرج النسائي ، عَن عائشة ، قالت : كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم [نبيت] في الشعار الواحد ، وأنا حائض طامث ، فإن أصابه مني شيء غسلت ما أصابه ، لَم يعده إلى غيره ، ثم صلى فيهِ . وخرج أبو داود وابن ماجه ، عَن ميمونة ، قالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وعليه مرط ، وعلى بعض أزواجه منهُ ، وهي حائض ، وَهوَ يصلي ، وَهوَ عليهِ . وخرج الإمام أحمد من حديث حذيفة ، قالَ : قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ، وعليه طرف لحاف ، وعلى عائشة طرفه ، وهي حائض لا تصلي . قالَ أبو عبيد في ( غريبه ) : الناس على هَذا ، يعني : على عدم كراهته . واعلم أن الصلاة في ثوب الحائض ليست كراهته من أجل عرقها ؛ [فإن] عرق الحائض طاهر ، نص عليهِ أحمد وغيره من الأئمة ، ولا يعرف فيهِ [خلاف] ، قاله أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما ، حتى قالَ حماد : إنما يغسل الثوب من عرق الحائض المجوس . وروى محمد بن عبد الله الأنصاري ، عَن هشام بن حسان ، عَن حفصة بنت سيرين ، قالت : سألت امرأة عائشة ، قالت : يكون علي الثوب أعرق فيهِ أيام تحيضي ، أصلي فيهِ ؟ قالت : نعم . قالت : وربما أصابه من دم المحيض ! قالت : فاغسليه . قالت : فإن لَم يذهب أثره ! قالت : فلطخيه بشيء من زعفران . وإنما كره من كره ذَلِكَ لاحتمال أن يكون أصابه شيء من دم الحيض لَم يطهر ، كذا قاله أبو عبيد وغيره . والصواب أنهُ لا تكره الصلاة فيهِ ، وأنه يغسل ما رئي فيهِ من الدم وينضح ، ما لَم ير فيهِ شيء ، ثم تصلي فيهِ ، كَما دلت عليهِ هَذهِ السنن والآثار . قالَ سفيان الثوري : الحائض لا تغسل ثوبها الذي حاضت فيهِ ، إلا أن ترى دمًا فتغسله . وأما نضح ما لَم تر فيهِ دمًا فهوَ مبني على أن النضح تطهير لما شك في نجاسته ، وهذا قول مالك وجماعة من أهل العلم ، وفيه خلاف سبق ذكره مستوفى في ( أبواب الوضوء ) .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه · ص 280 ( باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه ) . باب إنما يكون منونا إذا كان خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب فيه هل تصلي المرأة في ثوبها الذي حاضت فيه ، وهل استفهام استفسار وسؤال وجوابه محذوف ، تقديره : يجوز أو نحو ذلك . ولا يخفى وجه المناسبة بين البابين ؛ لأن هذه الأبواب كلها فيما يتعلق بأحكام الحيض . 17 - حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا إبراهيم بن نافع ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : قالت عائشة : ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه ، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فقصعته بظفرها . مطابقته لترجمة الباب من حيث أما من لم يكن لها إلا ثوب واحد تحيض فيه لا شك أنها تصلي فيه لكن بتطهيرها إياه ، دل عليه قولها : فإذا أصابه شيء من دم إلخ . ( ذكر رجاله وهم خمسة ) : الأول : أبو نعيم الفضل بن دكين . الثاني : إبراهيم بن نافع بالنون والفاء المخزومي أوثق شيخ بمكة في زمانه . الثالث : عبد الله بن أبي نجيح ، واسم أبي نجيح يسار ضد اليمين المكي . الرابع : مجاهد بن جبر تكرر ذكره . الخامس : عائشة رضي الله عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في موضعين . وفيه القول ، قيل : هذا الحديث منقطع ومضطرب ، أما الانقطاع فإن أبا حاتم ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وشعبة وأحمد ، قالوا : إن مجاهدا لم يسمع من عائشة ، وأما الاضطراب فلرواية أبي داود له عن محمد بن كثير ، عن إبراهيم بن نافع ، عن الحسن بن مسلم بدل ابن أبي نجيح ، ورد عليه بأن البخاري صرح بسماعه منها في غير هذا الإسناد في عدة أحاديث ، وكذا أثبت سماعه منها ابن المديني وابن حبان مع أن الإثبات مقدم على النفي ، أما الاضطراب الذي ذكره فهو ليس باضطراب ؛ لأنه محمول على أن إبراهيم بن نافع سمعه من شيخين ، وشيخ البخاري أبو نعيم أحفظ من شيخ أبي داود ومحمد بن كثير ، وقد تابع أبا نعيم خالد بن يحيى وأبو حذيفة والنعمان بن عبد السلام فرجحت روايته ، والمرجوح لا يؤثر في الراجح . والحديث أخرجه أبو داود أيضا فقال : حدثنا محمد بن كثير ، قال : أخبرنا إبراهيم بن نافع ، قال : سمعت الحسن يعني أبا سليم يذكر ، عن مجاهد ، قال : قالت عائشة : ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد فيه تحيض فإذا أصابه شيء من دم بلته بريقها فمصعته بريقها . ( ذكر ما فيه من المعنى والحكم ) : قولها لإحدانا ، أي : من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام ، قال الكرماني : فإن قلت : هذا النفي لا يلزم أن يكون عاما لكلهن لصدقه بانتفاء الثوب الواحد منهن ، قلت : هو عام إذ صدقه بانتفاء الثوب لكلهن ، وإلا لكان لإحداهن الثوب ، فيلزم الخلف ، ثم لفظ المفرد المضاف من صيغ العموم على الأصح . قوله : ( تحيض ) فيه ، جملة في محل الرفع على أنها صفة لثوب . قولها : قالت بريقها يعني صبت عليه من ريقها ، وقد ذكرنا أن القول يستعمل في غير معناه الأصلي بحسب ما يقتضيه المقام أو المعنى : بلته بريقها كما صرح به في رواية أبي داود . قولها : فمصعته بظفرها ، يعني فركته ومادته ميم وصاد وعين مهملتان ، وفي رواية : فقصعته ، بالقاف والصاد والعين المهملتين كما في رواية أبي داود ، ومعنى قصعته : دلكته به ، ومعنى قصع القملة إذا شدخها بين أظفاره ، وأما قصع الرطبة فهو بالفاء ، وهو أن يأخذها بإصبعيه فيغمزها أدنى غمز فتخرج الرطبة خالصة قشرها . وقال ابن الأثير : قصعته ، أي : دلكته بظفرها . وقال البيهقي : هذا في الدم اليسير الذي يكون معفوا عنه ، وأما في الكثير منه فصح عنها أنها كانت تغسله . قلت : هم لا يرون بأن اليسير من النجاسات عفو ولا يعفى عندهم منها عن شيء سواء كان قليلا أو كثيرا ، وهذا لا يمشي إلا على مذهب أبي حنيفة ، فإن اليسير عنده عفو ، وهو ما دون الدرهم ، فحينئذ الحديث حجة عليهم ؛ حيث اختصوا في إزالة النجاسة بالماء ، لا يقال : إن هذا الحديث معارض بحديث أم سلمة ؛ لأن فيه : فأخذت ثياب حيضتي ، وهو يدل على تعدد الثوب لإمكان كون عدم التعدد فيه في بدء الإسلام ؛ فإنهم كانوا حينئذ في شدة وقلة ، ولما فتح الله الفتوح واتسعت أحوالهم اتخذت النساء ثيابا للحيض سوى ثياب لباسهن ، فأخبرت أم سلمة عنه . ومما يستنبط منه جواز إزالة النجاسة بغير الماء ؛ فإن الدم نجس ، وهو إجماع المسلمين ، وإن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد بل المراد الإنقاء .