61 - كِتَاب الْمَنَاقِبِ 1 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وَقَوْلِهِ : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا وَمَا يُنْهَى عَنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ . الشُّعُوبُ : النَّسَبُ الْبَعِيدُ . وَالْقَبَائِلُ : دُونَ ذَلِكَ . 3489 - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْكَاهِلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا قَالَ : الشُّعُوبُ الْقَبَائِلُ الْعِظَامُ . وَالْقَبَائِلُ : الْبُطُونُ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . بَابُ الْمَنَاقِبِ ) كَذَا فِي الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْأَطْرَافِ وَكَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ قَالَ كِتَابُ الْمَنَاقِبِ فَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ كِتَابِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ كِتَابٌ مُسْتَقِلٌّ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّهُ يَظْهَرُ مِنْ تَصَرُّفِهِ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ سِيَاقَ التَّرْجَمَةِ النَّبَوِيَّةِ بِأَنْ يَجْمَعَ فِيهِ أُمُورَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَبْدَأ إِلَى الْمُنْتَهَى ، فَبَدَأَ بِمُقَدِّمَاتِهَا مِنْ ذِكْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّسَبِ الشَّرِيفِ فَذَكَرَ أَشْيَاءَ تَتَعَلَّقُ بِالْأَنْسَابِ وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَ أُمُورًا تَتَعَلَّقُ بِالْقَبَائِلِ ، ثُمَّ النَّهْيُ عَنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّ مُعْظَمَ فَخْرِهِمْ كَانَ بِالْأَنْسَابِ ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَمَائِلَهُ وَمُعْجِزَاتِهِ ، وَاسْتَطْرَدَ مِنْهَا لِفَضَائِلِ أَصْحَابَهِ ; ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأَحْوَالِهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَمَا جَرَى لَهُ بِمَكَّةَ فَذَكَرَ الْمَبْعَثَ ، ثُمَّ إِسْلَامَ الصَّحَابَةِ وَهِجْرَةَ الْحَبَشَةِ وَالْمِعْرَاجَ وَوُفُودَ الْأَنْصَارِ وَالْهِجْرَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ سَاقَ الْمَغَازِيَ عَلَى تَرْتِيبِهَا عِنْدَهُ ثُمَّ الْوَفَاةَ ، فَهَذَا آخِرُ هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ تَرَاجِمِ الْأَنْبِيَاءِ وَخَتَمَهَا بِخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى الْآيَةَ ) يُشِيرُ إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَنَّ الْمَنَاقِبَ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّمَا هِيَ بِالتَّقْوَى بِأَنْ يَعْمَلَ بِطَاعَتِهِ وَيَكُفَّ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ، وقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ : فَفِي صَحِيحَيْ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ وَتَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا . يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، النَّاسُ رَجُلَانِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ ، ثُمَّ تَلَا : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَرْدَوَيْهِ ذَكَرَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُقْرِي رَاوِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَهِمَ فِي قَوْلِهِ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَإِنَّمَا هُوَ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، وَابْنُ عُقْبَةَ ثِقَةٌ وَابْنُ عُبَيْدَةَ ضَعِيفٌ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِرِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالْحَارِثُ ، وَابْنُ حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنِي مَنْ شَهِدَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى وَهُوَ عَلَى بَعِيرٍ يَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى ، خَيْرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ . قَوْلُهُ : لِتَعَارَفُوا أَيْ : لِيَعْرِفَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالنَّسَبِ ، يَقُولُ : فُلَانٌ بْنُ فُلَانٍ ، وَفُلَانٌ بْنُ فُلَانٍ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيِ اتَّقُوا الْأَرْحَامَ وَصِلُوهَا ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ ، وَالْأَرْحَامُ جَمْعُ رَحِمٍ ، وَذَوُو الرَّحِمِ الْأَقَارِبُ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ نَسَبٌ ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ وَالْأَرْحَامَ نَصْبًا وَعَلَيْهَا جَاءَ تَفْسِيرٌ ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْأَرْحَامِ بِالْجَرِّ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَوْجِيهِهِ فَقِيلَ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي بِهِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ جَمْعٍ ، وَمَنَعَهُ الْبَصْرِيُّونَ ، وَقَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا قِيلَ بِالرَّفْعِ فَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مِمَّا يُتَّقَى أَوْ مِمَّا يُسْأَلُ بِهِ ، وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى الِاحْتِيَاجِ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّسَبِ أَيْضًا لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ ذَوُو الْأَرْحَامِ الْمَأْمُورُ بِصِلَتِهِمْ ، وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِ النَّسَبِ لَهُ فَصْلًا فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِلْمَ النَّسَبِ عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ وَجَهْلٌ لَا يَضُرُّ بِأَنَّ فِي عِلْمِ النَّسَبِ مَا هُوَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، وَمَا هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ . قَالَ : فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ ، فَمِنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَاشِمِيًّا فَهُوَ كَافِرٌ ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَأَنْ يَعْرِفَ مَنْ يَلْقَاهُ بِنَسَبٍ فِي رَحِمٍ مُحَرَّمَةٍ لِيَجْتَنِبَ تَزْوِيجَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ ، وَأَنْ يَعْرِفَ مَنْ يَتَّصِلُ بِهِ مِمَّنْ يَرِثُهُ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ بِرُّهُ مِنْ صِلَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ أَوْ مُعَاوَنَةٍ وَأَنْ يَعْرِفَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّ نِكَاحَهُنَّ حَرَامٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنْ يَعْرِفَ الصَّحَابَةَ وَأَنَّ حُبَّهُمْ مَطْلُوبٌ ، وَأَنْ يَعْرِفَ الْأَنْصَارَ لِيُحْسِنَ إِلَيْهِمْ لِثُبُوتِ الْوَصِيَّةِ بِذَلِكَ وَلِأَنَّ حُبَّهُمْ إِيمَانٌ وَبُغْضَهُمْ نِفَاقٌ ، قَالَ : وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يُفَرِّقُ فِي الْجِزْيَةِ وَفِي الِاسْتِرْقَاقِ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فَحَاجَتُهُ إِلَى عِلْمِ النَّسَبِ آكَدُ ، وَكَذَا مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَغَيْرِهِمْ فِي الْجِزْيَةِ وَتَضْعِيفِ الصَّدَقَةِ . قَالَ : وَمَا فَرَضَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الدِّيوَانَ إِلَّا عَلَى الْقَبَائِلِ ، وَلَوْلَا عِلْمُ النَّسَبِ مَا تَخَلَّصَ لَهُ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَغَيْرُهُمَا . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ النَّسَبُ : وَلَعَمْرِي لَمْ يُنْصِفْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِلْمَ النَّسَبِ عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ وَجَهْلٌ لَا يَضُرُّ ، انْتَهَى . وَهَذَا كَلَامٌ قَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا وَلَا يَثْبُتُ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا وَلَا يَثْبُتُ بَلْ وَرَدَ فِي الْمَرْفُوعِ حَدِيثُ تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ وَلَهُ طُرُقٌ أَقْوَاهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ خَارِجَةَ ، وَجَاءَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عُمَرَ سَاقَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ مَوْثُوقُونَ إِلَّا أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا ، وَالَّذِي يَظْهَرُ حَمْلُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَمِّهِ عَلَى التَّعَمُّقِ فِيهِ حَتَّى يَشْتَغِلَ عَمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ ، وَحَمْلَ مَا وَرَدَ فِي اسْتِحْسَانِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي أَوْرَدَهَا ابْنُ حَزْمٍ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِعِلْمِ النَّسَبِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . قَوْلُهُ : ( وَمَا يَنْهَى عَنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَبْوَابٍ قَلَائِلَ . قَوْلُهُ : ( الشُّعُوبُ النَّسَبُ الْبَعِيدُ ، وَالْقَبَائِلُ دُونَ ذَلِكَ ) هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِثَالُ الشَّعْبِ مُضَرُ وَرَبِيعَةُ ، وَمِثَالُ الْقَبِيلَةِ مَنْ دُونَ ذَلِكَ ، وَأَنْشَدَ لِعَمْرِو بْنِ أَحْمَرَ : مِنْ شِعْبِ هَمْدَانَ أَوْ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ أَوْ خَوْلَانَ أَوْ مَذْحِجٍ هَاجُوا لَهُ طَرَبًا قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ) هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ الْكُوفِيُّ وَكَذَا سَائِرُ الْإِسْنَادِ ، وَأَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ . قَوْلُهُ : ( الشُّعُوبُ : الْقَبَائِلُ الْعِظَامُ ، وَالْقَبَائِلُ الْبُطُونُ ) أَيْ : إنَّ الْمُرَادَ بِلَفْظِ الْقَبَائِلِ فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ النَّسَبِ الْبُطُونُ ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ خَلَّادِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَأَبِي كُرَيْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمَتْنِ : الشُّعُوبُ الْجِمَاعُ ، أَيِ الَّذِي يَجْمَعُ مُتَفَرِّقَاتِ الْبُطُونِ ، قَالَ خَلَّادٌ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : الْقَبَائِلُ مِثْلُ بَنِي تَمِيمٍ ، وَدُونُهَا الْأَفْخَاذُ ، انْتَهَى . وَقَدْ قَسَّمَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ إِلَى شِعْبٍ ثُمَّ قَبِيلَةٍ ثُمَّ عِمَارَةٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ ثُمَّ بَطْنٍ ثُمَّ فَخِذٍ ثُمَّ فَصِيلَةٍ ، وَزَادَ غَيْرُهُ قَبْلَ الشِّعْبِ الْجَذْمَ وَبَعْدَ الْفَصِيلَةِ الْعَشِيرَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ بَعْدَ الْعَشِيرَةِ الْأُسْرَةَ ثُمَّ الْعِتْرَةَ ، فَمِثَالُ الْجَذْمِ عَدْنَانُ ، وَمِثَالُ الشِّعْبِ مُضَرُ ، وَمِثَالُ الْقَبِيلَةِ كِنَانَةُ ، وَمِثَالُ الْعِمَارَةِ قُرَيْشٌ ، وَأَمْثِلَةُ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا تَخْفَى . وَيَقَعُ فِي عِبَارَاتِهِمْ أَشْيَاءُ مُرَادِفَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ كَقَوْلِهِمْ : حَيٌّ وَبَيْتٌ وَعَقِيلَةٌ وَأَرُومَةٌ وَجُرْثُومَةٌ ، وَرَهْطٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَرَتَّبَهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَسْعَدَ النَّسَّابَةُ الْمَعْرُوفُ بِالْحَرَّانِيِّ جَمِيعَهَا وَأَرْدَفَهَا فَقَالَ : جَذْمٌ ثُمَّ جُمْهُورٌ ثُمَّ شِعْبٌ ثُمَّ قَبِيلَةٌ ثُمَّ عِمَارَةٌ ثُمَّ بَطْنٌ ثُمَّ فَخِذٌ ثُمَّ عَشِيرَةٌ ثُمَّ فَصِيلَةٌ ثُمَّ رَهْطٌ ثُمَّ أُسْرَةٌ ثُمَّ عِتْرَةٌ ، ثُمَّ ذُرِّيَّةٌ . وَزَادَ غَيْرُهُ فِي أَثْنَائِهَا ثَلَاثَةً وَهِيَ بَيْتٌ وَحَيٌّ وَجِمَاعٌ فَزَادَتْ عَلَى مَا ذَكَرَ الزُّبَيْرُ عَشَرَةً . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ : الْقَبَائِلُ لِلْعَرَبِ كَالْأَسْبَاطِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَمَعْنَى الْقَبِيلَةِ الْجَمَاعَةُ ، وَيُقَالُ لِكُلِّ مَا جُمِعَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ قَبِيلَةٌ أَخْذًا مِنْ قَبَائِلِ الشَّجَرَةِ وَهُوَ غُصُونُهَا أَوْ مِنْ قَبَائِلِ الرَّأْسِ وَهُوَ أَعْضَاؤُهُ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِهَا . وَيُقَالُ : الْمُرَادُ بِالشُّعُوبِ فِي الْآيَةِ بُطُونُ الْعَجَمِ وَبِالْقَبَائِلِ بُطُونُ الْعَرَبِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ :
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى · ص 606 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى · ص 65 بسم الله الرحمن الرحيم . كتاب المناقب أي : هذا كتاب في بيان المناقب ، وهو جمع المنقبة ، وهي ضد المثلبة ، ووقع في بعض النسخ باب المناقب ، والأول أولى ؛ لأن الكتاب يجمع الأبواب ، وفيه أبواب كثيرة تتعلق بأشياء كثيرة على ما لا يخفى . باب قول الله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم . وقوله : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا . أي : هذا باب في ذكر قول الله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إلى آخره . ذكر هذا ليبني عليه تفسير الشعوب والقبائل ، وما يتعلق بها ، واعلم أن هذه الآية الكريمة نزلت في ثابت بن قيس ، وقوله للرجل الذي لم يفسح له : ابن فلانة ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : من الذاكر فلانة ، فقام ثابت بن قيس ، فقال : أنا يا رسول الله ، قال : انظر في وجوه القوم فنظر إليها ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ما رأيت يا ثابت ؟ قال : رأيت أبيض ، وأسود ، وأحمر . قال : فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى ، فأنزل الله في ثابت هذه الآية . قوله : من ذكر آدم عليه السلام ، وأنثى حواء عليها السلام ، وقيل : خلقنا كل واحد منكم من أب وأم ، فما منكم أحد إلا وهو يدلي ما يدلي به الآخر ، سواء بسواء ، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب . قوله : وجعلناكم شعوبا ، وهي رؤوس القبائل ، وجمهورها ، قيل : ربيعة ، ومضر ، والأوس ، والخزرج ، واحدها شعب ، بفتح الشين ، والشعب الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب ، وهي الشعب ، والقبيلة ، والعمارة ، والفخذ ، والفصيلة ، فالشعب يجمع القبائل ، والقبائل تجمع العمائر ، والعمائر تجمع البطون ، والبطن تجمع الأفخاذ ، والفخذ تجمع الفصائل . خزيمة شعب ، وكنانة قبيلة ، وقريش عمارة ، وقصي بطن ، وهاشم فخذ ، والعباس فصيلة ، وسميت الشعوب شعوبا ؛ لأن القبائل تتشعب منها ، وقال صاحب المنتهى : الشعب ما تشعب من قبائل العرب والعجم ، والشعوب الأمم المختلفة ، فالعرب شعب ، وفارس شعب ، والروم شعب ، والترك شعب ، وفي الموعب : الشعب مثال كعب ، وعن ابن الكلبي بالكسر ، وفي نوادر الهجري : لم يسمع فصيحا بكسر الشين ، وفي المحكم : الشعب هو القبيلة نفسها ، وقد غلبت الشعوب بلفظ الجمع على جيل العجم ، وفي تهذيب الأزهري : أخذت القبائل من قبائل الرأس لاجتماعها ، وفي الصحاح : قبائل الرأس هي القطع المشعوب بعضها إلى بعض ، تصل بها الشؤون ، وقال الزجاج : القبيلة من ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام كالسبط من ولد إسحاق عليه الصلاة والسلام ، سموا بذلك ليفرق بينهما ، ومعنى القبيلة من ولد إسماعيل معنى الجماعة ، يقال لكل جماعة من واحد قبيلة ، ويقال لكل جمع على شيء واحد قبيل ، أخذ من قبائل الشجرة وهي أغصانها ، وذكر ابن الهبارية في كتابة تلك المعاني أن القبائل من ولد عدنان مائتان وسبع وأربعون قبيلة ، والبطون من ولده مائتان وأربعة وأربعون بطنا ، والأفخاذ خمسة عشر فخذا غير أولاد أبي طالب . وذكر أهل اللغة أن الشعوب مثل : مضر وربيعة ، والقبائل دون ذلك مثل قريش وتميم ، ثم العمائر جمع عميرة ، ثم البطون جمع بطن ، ثم الأفخاذ جمع فخذ ، وقسم الجواني العرب إلى عشر طبقات الجذم ، ثم الجمهور ، ثم الشعب ، ثم القبيلة ، ثم العمارة ، ثم البطن ، ثم الفخذ ، ثم العشيرة ، ثم الفصيلة ، ثم الرهط . قوله : لِتَعَارَفُوا ، أي : ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب ، وبعده فلا يعتري إلى غير آبائه ، لا أن يتفاخروا بالآباء والأجداد ، ويدعوا التفاضل والتفاوت في الأنساب ، ثم بين الفضيلة التي بها يفضل الإنسان على غيره ، ويكتسب الشرف والكرم عند الله تعالى ، فقال : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وقال مجاهد : لِتَعَارَفُوا ليقال : فلان ابن فلان ، وقرأ ابن عباس : لتعرفوا ، وأنكره بعض أهل اللغة . قوله : وقوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي ، إلى آخره ، أي : اتقوا الله بطاعتكم إياه ، قال إبراهيم ، ومجاهد ، والحسن ، والضحاك ، والربيع ، وغير واحد : الذي تساءلون به ، أي : كما يقال : أسألك بالله ، وبالرحم . وعن الضحاك : واتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، ولكن زوروها وصلوها ، والأرحام جمع رحم ، وقرأ عبد الله بن يزيد المقرئ : والأرحام ، بالضم على الابتداء ، والخبر محذوف ، أي : الأرحام مما يتقى به ، والجمهور على النصب على تقدير : واتقوا الأرحام . وقرئ بالجر أيضا عطفا على قوله : به ، وفيه خلاف فأجازه الكوفيون ، ومنعه البصريون ؛ لأنه لا يجوز عندهم العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار . قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ، أي : مراقبا لجميع أعمالكم وأحوالكم . وما ينهى عن دعوى الجاهلية عطف على قوله : وقول الله الذي هو عطف على قول الله المجرور بإضافة الباب إليه ، أي : باب فيما ينهى عن دعوى الجاهلية ، وهي الندبة على الميت والنياحة ، وقيل : قولهم : يا لفلان ، وقيل : الانتساب إلى غير أبيه ، وقد عقد له بابا عن قريب يأتي إن شاء الله تعالى . الشعوب النسب البعيد ، والقبائل دون ذلك أراد بالنسب البعيد مثل : مضر ، وربيعة ، هذا قول مجاهد والضحاك . قوله : والقبائل دون ذلك مثل : قريش ، وتميم . 1 - حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي ، حدثنا أبو بكر ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا . قال : الشعوب : القبائل العظام ، والقبائل : البطون . مطابقته للآية التي هي الترجمة ظاهرة ؛ لأن المذكور فيها الشعوب والقبائل ، وقد فسر ابن عباس الشعوب بالقبائل العظام ، وفسر القبائل بالبطون ، وذلك لأن الشعوب تجمع القبائل ، وذكر عن ابن عباس أيضا أن القبائل الأفخاذ ، فعلى هذا أن القبائل التي فسرها بالبطون تجمع الأفخاذ ، وخالد بن يزيد أبو الهيثم المقرئ الكاهلي الكوفي ، وهو من أفراده ، والكاهلي نسبة إلى كاهل بكسر الهاء ابن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر ، بطن من هذيل ، والظاهر أنه منسوب إلى كاهل بن أسد بن خزيمة بن مدركة ؛ لأن جماعة كثيرة من أهل الكوفة ينتسبون إليه ، وأبو بكر هو ابن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط بالنون ، وفي اسمه أقوال كثيرة ، والأصح أن اسمه كنيته ، وأبو حصين ، بفتح الحاء ، وكسر الصاد المهملتين ، اسمه عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي .