25 - بَاب عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ 3571 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ ، سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ فَأَدْلَجُوا لَيْلَتَهُمْ ، حَتَّى إِذَا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ عَرَّسُوا ، فَغَلَبَتْهُمْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ لَا يُوقَظُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَنَامِهِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ فَاسْتَيْقَظَ عُمَرُ ، فَقَعَدَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رَأْسِهِ فَجَعَلَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَ وَصَلَّى بِنَا الْغَدَاةَ ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّ مَعَنَا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : يَا فُلَانُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَنَا ؟ قَالَ : أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ ثُمَّ صَلَّى ، وَجَعَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَكُوبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَدْ عَطِشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ ، فَقُلْنَا لَهَا : أَيْنَ الْمَاءُ ؟ فَقَالَتْ : إِنَّهُ لَا مَاءَ فَقُلْنَا : كَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الْمَاءِ ؟ قَالَتْ : يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ . فَقُلْنَا : انْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : وَمَا رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا حَتَّى اسْتَقْبَلْنَا بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَحَدَّثَتْهُ بِمِثْلِ الَّذِي حَدَّثَتْنَا غَيْرَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا مُؤْتِمَةٌ ، فَأَمَرَ بِمَزَادَتَيْهَا فَمَسَحَ فِي الْعَزْلَاوَيْنِ فَشَرِبْنَا عِطَاشًا أَرْبَعُونَ رَجُلًا حَتَّى رَوِينَا ، فَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا ، وَهِيَ تَكَادُ تَنِضُّ مِنْ الْمِلْءِ ثُمَّ قَالَ : هَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ ، فَجُمِعَ لَهَا مِنْ الْكِسَرِ وَالتَّمْرِ حَتَّى أَتَتْ أَهْلَهَا قَالَتْ : لَقِيتُ أَسْحَرَ النَّاسِ أَوْ هُوَ نَبِيٌّ كَمَا زَعَمُوا فَهَدَى اللَّهُ ذَاكَ الصِّرْمَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ ، فَأَسْلَمَتْ وَأَسْلَمُوا . قَوْلُهُ : ( بَابُ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ ) الْعَلَامَاتُ جَمْعُ عَلَامَةٍ ، وَعَبَّرَ بِهَا الْمُصَنِّفُ لِكَوْنِ مَا يُورِدُهُ مِنْ ذَلِكَ أَعَمَّ مِنَ الْمُعْجِزَةِ وَالْكَرَامَةِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُعْجِزَةَ أَخَصُّ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَتَحَدَّى النَّبِيُّ مَنْ يُكَذِّبُهُ بِأَنْ يَقُولَ : إِنْ فَعَلْتُ كَذَلِكَ أَتُصَدِّقُ بِأَنِّي صَادِقٌ ؟ أَوْ يَقُولُ مَنْ يَتَحَدَّاهُ : لَا أُصَدِّقُكَ حَتَّى تَفْعَلَ كَذَا . وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَحَدَّى بِهِ مِمَّا يَعْجَزُ عَنْهُ الْبَشَرُ فِي الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ . وَقَدْ وَقَعَ النَّوْعَانِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ ، وَسُمِّيَتِ الْمُعْجِزَةُ لِعَجْزِ مَنْ يَقَعُ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ عَنْ مُعَارَضَتِهَا ، وَالْهَاءُ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ ، أَوْ هِيَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ . وَأَشْهَرُ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَدَّى بِهِ الْعَرَبَ - وَهُمْ أَفْصَحُ النَّاسِ لِسَانًا وَأَشَدُّهُمُ اقْتِدَارًا عَلَى الْكَلَامِ - بِأَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ فَعَجَزُوا مَعَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَصَدِّهِمْ عَنْهُ ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : أَقْصَرُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَكُلُّ قُرْآنٍ مِنْ سُورَةٍ أُخْرَى كَانَ قَدْرَ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ سَوَاءٌ كَانَ آيَةً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ بَعْضَ آيَةٍ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا تَحَدَّاهُمْ بِهِ ، وَعَلَى هَذَا فَتَصِلُ مُعْجِزَاتُ الْقُرْآنِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ إِلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ جِدًّا . وَوُجُوهُ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ مِنْ جِهَةِ حُسْنِ تَأْلِيفِهِ وَالْتِئَامِ كَلِمَاتِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَإِيجَازِهِ فِي مَقَامِ الْإِيجَازِ ، وَبَلَاغَتُهُ ظَاهِرَةٌ جِدًّا مَعَ مَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ نَظْمِهِ وَغَرَابَةِ أُسْلُوبِهِ ، مَعَ كَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ قَوَاعِدِ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ ، هَذَا إِلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ مِمَّا وَقَعَ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا أَفْرَادٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْتَمَعَ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا أَخَذَ عَنْهُمْ ، وَبِمَا سَيَقَعُ فَوَقَعَ عَلَى وَفْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَهُ ، هَذَا مَعَ الْهَيْبَةِ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ وَالْخَشْيَةِ الَّتِي تَلْحَقُ سَامِعَهُ وَعَدَمِ دُخُولِ الْمَلَالِ وَالسَّآمَةِ عَلَى قَارِئِهِ وَسَامِعِهِ ، مَعَ تَيَسُّرِ حِفْظِهِ لِمُتَعَلِّمِيهِ وَتَسْهِيلِ سَرْدِهِ لِتَالِيهِ ، وَلَا يُنْكِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ ، وَلِهَذَا أَطْلَقَ الْأَئِمَّةُ أَنَّ مُعْظَمَ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنُ . وَمِنْ أَظْهَرِ مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ إِبْقَاؤُهُ مَعَ اسْتِمْرَارِ الْإِعْجَازِ ، وَأَشْهَرُ ذَلِكَ تَحَدِّيهِ الْيَهُودَ أَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فَلَمْ يَقَعْ مِمَّنْ سَلَفَ مِنْهُمْ وَلَا خَلَفَ مَنْ تَصَدَّى لِذَلِكَ وَلَا أَقْدَمَ ، مَعَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لِهَذَا الدِّينِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى إِفْسَادِهِ وَالصَّدِّ عَنْهُ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ أَوْضَحُ مُعْجِزَةٍ . وَأَمَّا مَا عَدَا الْقُرْآنَ مِنْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ ، وَتَكْثِيرِ الطَّعَامِ ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَنُطْقِ الْجَمَادِ ، فَمِنْهُ مَا وَقَعَ التَّحَدِّي بِهِ ، وَمِنْهُ مَا وَقَعَ دَالًّا عَلَى صِدْقِهِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ تَحَدٍّ ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِأَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى يَدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ ، كَمَا يُقْطَعُ بِوُجُودِ جُودِ حَاتِمٍ وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ ، وَإِنْ كَانَتْ أَفْرَادُ ذَلِكَ ظَنِّيَّةً وَرَدَتْ مَوْرِدَ الْآحَادِ مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ النَّبَوِيَّةِ قَدِ اشْتَهَرَ وَانْتَشَرَ وَرَوَاهُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ ، وَأَفَادَ الْكَثِيرُ مِنْهُ الْقَطْعَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْآثَارِ ، وَالْعِنَايَةِ بِالسِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ إِلَى هَذِهِ الرُّتْبَةِ لِعَدَمِ عِنَايَتِهِمْ بِذَلِكَ ، بَلْ لَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ غَالِبَ هَذِهِ الْوَقَائِعِ مُفِيدَةٌ لِلْقَطْعِ بِطَرِيقٍ نَظَرِيٍّ لِمَا كَانَ مُسْتَبْعَدًا وَهُوَ أَنَّهُ لَا مِرْيَةَ أَنَّ رُوَاةَ الْأَخْبَارِ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ قَدْ حَدَّثُوا بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مُخَالَفَةُ الرَّاوِي فِيمَا حَكَاهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ فِيمَا هُنَالِكَ ، فَيَكُونُ السَّاكِتُ مِنْهُمْ كَالنَّاطِقِ ; لِأَنَّ مَجْمُوعَهُمْ مَحْفُوظٌ مِنَ الْإِغْضَاءِ عَلَى الْبَاطِلِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُوجَدَ مِنْ بَعْضِهِمْ إِنْكَارٌ أَوْ طَعْنٌ عَلَى بَعْضِ مَنْ رَوَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ تَوَقُّفٍ فِي صِدْقِ الرَّاوِي أَوْ تُهْمَتِهِ بِكَذِبٍ أَوْ تَوَقُّفٌ فِي ضَبْطِهِ وَنِسْبَتِهِ إِلَى سُوءِ الْحِفْظِ أَوْ جَوَازِ الْغَلَطِ ، وَلَا يُوجَدُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ طَعْنٌ فِي الْمَرْوِيِّ كَمَا وُجِدَ مِنْهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْفَنِّ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ وَحُرُوفِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَقَدْ قَرَّرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ وُجُودِ إِفَادَةِ الْقَطْعِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ دُونَ بَعْضٍ تَقْرِيرًا حَسَنًا ، وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَدْ تَوَاتَرَ عِنْدَهُمُ النَّقْلُ أَنَّ مَذْهَبَهُ إِجْزَاءُ النِّيَّةِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي إِيجَابِهِ لَهَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ، وَكَذَا إِيجَابُ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي إِجْزَاءِ بَعْضِهَا ، وَأَنَّ مَذْهَبَهُمَا مَعًا إِيجَابُ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ ، وَاشْتِرَاطُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَتَجِدُ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ خِلَافِهِمْ ، فَضْلًا عَمَّنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي الْفِقْهِ وَهُوَ أَمْرٌ وَاضِحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ : بَلَغَتْ أَلْفًا ، وَقَالَ الزَّاهِدِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ أَلْفُ مُعْجِزَةٍ ، وَقِيلَ : ثَلَاثَةُ آلَافٍ ، وَقَدِ اعْتَنَى بِجَمْعِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا . قَوْلُهُ : ( فِي الْإِسْلَامِ ) أَيْ مِنْ حِينِ الْمَبْعَثِ وَهَلُمَّ جَرَّا دُونَ مَا وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ ، وقَدْ جَمَعَ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ ، بَلْ قَبْلَ الْمَوْلِدِ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ وَأَبُو سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى وَأَبُو نُعَيْمٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَسَيَأْتِي مِنْهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي خُرُوجِهِ فِي ابْتِغَاءِ الدِّينِ ، وَمَضَى مِنْهُ قِصَّةُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ، وَقَدَّمْتُ فِي بَابِ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِصَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ مُحَمَّدًا ، وَمِنْ الْمَشْهُورِ ذَلِكَ قِصَّةُ بَحِيرَا الرَّاهِبِ ، وَهِيَ فِي السِّيرَةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ . وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ رَاهِبٌ يُدْعَى عِيصَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهُ : أَعْلَمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَيْلَةَ وُلِدَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَذَكَرَ لَهُ أَشْيَاءَ مِنْ صِفَتِهِ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ قَالَ لَهُ : إِنِّي أَجِدُ فِي الْكُتُبِ صِفَةَ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنْ بِلَادِنَا ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي هُوَ ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، قَالَ : فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِأَخْلَاقِهِ إِلَّا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، إِلَّا أَنَّهُ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ غَيْرُهُ . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ قُلْتُ لِأُمَيَّةَ عَنْهُ ، فَقَالَ : أَمَا إِنَّهُ حَقٌّ فَاتَّبِعْهُ ، فَقُلْتُ لَهُ : فَأَنْتَ مَا يَمْنَعُكَ ؟ قَالَ : الْحَيَاءُ مِنْ نُسَيَّاتِ ثَقِيفٍ أَنِّي كُنْتُ أُخْبِرُهُنَّ أَنِّي هُوَ ثُمَّ أَصِيرُ تَبَعًا لِفَتًى مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ : كَانَ لَنَا جَارٌ مِنَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِزَمَانٍ فَذَكَرَ الْحَشْرَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، فَقُلْنَا لَهُ : وَمَا آيَةُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : خُرُوجُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ - وَأَشَارَ إِلَى مَكَّةَ - فَقَالُوا : مَتَى يَقَعُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : فَرَمَى بِطَرَفِهِ إِلَى السَّمَاءِ - وَأَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ - فَقَالَ : إِنْ يَسْتَنْفِدْ هَذَا الْغُلَامُ عُمْرَهُ يُدْرِكْهُ ، قَالَ : فَمَا ذَهَبَتِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَهُوَ حَيٌّ فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرَ هُوَ بَغْيًا وَحَسَدًا وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ يَهُودِيٌّ قَدْ سَكَنَ مَكَّةَ ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ وُلِدَ فِيكُمُ اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ ؟ قَالُوا : لَا نَعْلَمُ . قَالَ : فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَامَةٌ ، لَا يَرْضَعُ لَيْلَتَيْنِ لِأَنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ ، فَانْصَرَفُوا فَسَأَلُوا فَقِيلَ لَهُمْ : قَدْ وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ غُلَامٌ ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ مَعَهُمْ إِلَى أُمِّهِ فَأَخْرَجَتْهُ لَهُمْ ، فَلَمَّا رَأَى الْيَهُودِيُّ الْعَلَامَةَ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَقَالَ : ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَمَا وَاللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَخْرُجُ خَبَرُهَا مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . قُلْتُ : وَلِهَذِهِ الْقِصَصِ نَظَائِرُ يَطُولُ شَرْحُهَا . وَمِمَّا ظَهَرَ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ عِنْدَ مَوْلِدِهِ وَبَعْدَهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا حَضَرَتْ آمِنَةَ أُمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ قَالَتْ : فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى النُّجُومِ تَدَلَّى حَتَّى أَقُولَ لَتَقَعْنَ عَلَيَّ ، فَلَمَّا وَلَدَتْ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهُ الْبَيْتُ وَالدَّارُ . وَشَاهِدُهُ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ : إِنِّي دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ، وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي ، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ ، وَإِنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةُ عِنْدَ أَحْمَدَ نَحْوَهُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ وَقَالَتْ : أَضَاءَتْ لَهُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ فِي قِصَّةِ رَضَاعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَفِيهِ مِنَ الْعَلَامَاتِ كَثْرَةُ اللَّبَنِ فِي ثَدْيَيْهَا ، وَوُجُودُ اللَّبَنِ فِي شَارِفِهَا بَعْدَ الْهُزَالِ الشَّدِيدِ ، وَسُرْعَةُ مَشْيِ حِمَارِهَا ، وَكَثْرَةُ اللَّبَنِ فِي شِيَاهِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَخِصْبُ أَرْضِهَا ، وَسُرْعَةُ نَبَاتِهِ ، وَشَقُّ الْمَلَكَيْنِ صَدْرَهُ . وَهَذَا الْأَخِيرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ : هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ جَمَعَهُ فَأَعَادَهُ مَكَانَهُ الْحَدِيثَ . وَفِي حَدِيثِ مَخْزُومِ بْنِ هَانِئٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِيهِ قال : وَكَانَ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ قَالَ : لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْكَسَرَ إِيوَانُ كِسْرَى وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شُرَّافَةً ، وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ وَلَمْ تُخْمَدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ ، وَرَأَى الْمُوبِذَانُ إِبِلًا صِعَابًا تَقُودُ خَيْلًا عِرَابًا قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ كِسْرَى أَفْزَعَهُ مَا وَقَعَ ، فَسَأَلَ عُلَمَاءَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ عَنْ ذَلِكَ فَأَرْسَلُوا إِلَى سَطِيحٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا أَخْرَجَهَا ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ نَحْوَ خَمْسِينَ حَدِيثًا : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ صَاحِبَةِ الْمَزَادَتَيْنِ ، وَالْمُعْجِزَةُ فِيهَا تَكْثِيرُ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ التَّيَمُّمِ ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : إِيهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيهًا بِالتَّنْوِينِ مَعَ الْفَتْحِ ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ جَوَازَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي هَذِهِ . وَقَوْلُهُ : ( مُؤْتِمَةٌ ) أَيْ ذَاتُ أَيْتَامٍ . وَقَوْلُهُ : ( فَمَسَحَ بِالْعَزْلَاوَيْنِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْعَزْلَايْنِ وَهُمَا تَثْنِيَةُ عَزْلَاءَ بِسُكُونِ الزَّايِ وَبِالْمَدِّ وَهُوَ فَمُ الْقِرْبَةِ وَالْجَمْعُ عَزَالِي بِكَسْرِ اللَّامِ الْخَفِيفَةِ ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ . قَوْلُهُ : ( فَشَرِبْنَا عِطَاشًا أَرْبَعُونَ رَجُلًا ) أَيْ وَنَحْنُ حِينَئِذٍ أَرْبَعُونَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَرْبَعِينَ بِالنَّصْبِ وَتَوْجِيهُهَا ظَاهِرٌ . وَقَوْلُهُ : وَ هِيَ تَكَادُ تَبِضُّ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ثَقِيلَةٌ أَيْ تَسِيلُ ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْبَصِيصِ وَهُوَ اللَّمَعَانُ ، وَمَعْنَاهُ مُسْتَبْعَدٌ هُنَا ، فَإِنَّ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ تَكَادُ تَبُضُّ مِنَ الْمِلْءِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ، فَكَوْنُهَا تَكَادُ تَسِيلُ مِنَ الْمِلْءِ ظَاهِرٌ ، وَأَمَّا كَوْنُهَا تَلْمَعُ مِنَ الْمِلْءِ فَبَعِيدٌ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَى قَوْلِهِ : تَبُضُّ بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ تُشَقُّ ، يُقَالُ : بَضَّ الْمَاءُ مِنَ الْعَيْنِ إِذَا نَبَعَ ، وَكَذَا بَضَّ الْعَرَقُ ، قَالَ : وَفِيهِ رِوَايَاتٌ أُخْرَى : رُوِيَ تَنِضُّ بِنُونٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ ، وَرُوِيَ تَيْصَرُ بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ وَصَادٌ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ رَاءٌ . قَالَ : وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ مَعْنَاهُ تَنْشَقُّ ، قَالَ : وَمِنْهُ صَيْرُ الْبَابِ أَيْ شَقُّ الْبَابِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ صَيْرَ عَيْنُهُ حَرْفُ عِلَّةٍ فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ تَصَوَّرُ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ . وَرَأَيْتُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَنْصَبُّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ، فَتُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى لِأَنَّهَا بِمَعْنَى تَسِيلُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ · ص 671 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب علامات النبوة في الإسلام · ص 117 باب علامات النبوة في الإسلام أي : هذا باب في بيان علامات النبوة ، والعلامات جمع علامة ، إنما لم يقل معجزات النبوة ؛ لأن العلامة أعم منها ومن الكرامة ، والفرق بينهما ظاهر ؛ لأن المعجزة لا تكون إلا عند التحدي بخلاف الكرامة . قوله : في الإسلام ، أي : في زمن الإسلام . 78 - حدثنا أبو الوليد ، حدثنا سلم بن زرير ، سمعت أبا رجاء قال : حدثنا عمران بن حصين ، أنهم كانوا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسير فأدلجوا ليلتهم حتى إذا كان وجه الصبح عرسوا فغلبتهم أعينهم حتى ارتفعت الشمس ، فكان أول من استيقظ من منامه أبو بكر ، وكان لا يوقظ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من منامه حتى يستيقظ ، فاستيقظ عمر ، فقعد أبو بكر عند رأسه فجعل يكبر ، ويرفع صوته حتى استيقظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فنزل وصلى بنا الغداة ، فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا ، فلما انصرف قال : يا فلان ، ما يمنعك أن تصلي معنا ؟ قال : أصابتني جنابة ، فأمره أن يتيمم بالصعيد ، ثم صلى ، وجعلني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ركوب بين يديه ، وقد عطشنا عطشا شديدا ، فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين ، فقلنا لها : أين الماء ؟ فقالت : إيه لا ماء ، فقلنا : كم بين أهلك وبين الماء ؟ قالت : يوم وليلة ، فقلنا : انطلقي إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قالت : وما رسول الله ؟ فلم نملكها من أمرها حتى استقبلنا بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فحدثته بمثل الذي حدثتنا غير أنها حدثته أنها مؤتمة فأمر بمزادتيها ، فمسح في العزلاوين فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا ، فملأنا كل قربة معنا وإداوة غير أنه لم نسق بعيرا ، وهي تكاد تنض من الملء ، ثم قال : هاتوا ما عندكم ، فجمع لها من الكسر والتمر حتى أتت أهلها ، قالت : لقيت أسحر الناس أو هو نبي كما زعموا ، فهدى الله ذلك الصرم بتلك المرأة فأسلمت وأسلموا . مطابقته للترجمة في تكثير الماء القليل ببركته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، وسلم بفتح السين المهملة ، وسكون اللام ابن زرير ، بفتح الزاي ، وكسر الراء الأولى ، وقد مر في بدء الخلق ، وأبو رجاء ضد الخوف عمران بن ملحان العطاردي البصري أدرك زمان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأسلم بعد الفتح ، ولم ير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم يهاجر إليه . والحديث مر في كتاب التيمم في باب الصعيد الطيب وضوء المسلم بأتم منه وأطول ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : فأدلجوا من الإدلاج ، يقال : أدلج القوم إذا ساروا أول الليل ، وإذا ساروا في آخر الليل ، يقال : ادلجوا بتشديد الدال . قوله : عرسوا ، من التعريس ، وهو نزول القوم آخر الليل يقفون فيه وقفة للاستراحة . قوله : وكان لا يوقظ على صيغة المجهول . قوله : فجعل يكبر ، أي : فجعل أبو بكر يكبر رافعا صوته ، وقد تقدم في كتاب التيمم أن عمر رضي الله تعالى عنه هو الذي كان يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكذا وقع في مسلم في الصلاة من حديث عوف الأعرابي ، عن أبي رجاء ، أن عمر كان رجلا جليدا فكبر ورفع صوته بالتكبير ، حتى استيقظ رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولا منافاة إذ لا منع للجمع بينهما لاحتمال أن كلا منهما فعل ذلك . قوله : في ركوب ، بالضم جمع راكب ، وبفتحها ما يركب . قوله : سادلة ، أي : مرسلة رجليها ، يقال : سدل ثوبه إذا أرخاه . قوله : مزادتين تثنية مزادة ، بفتح الميم ، وتخفيف الزاي ، وهي الراوية ، وسميت بها ؛ لأنها يزاد فيها جلد آخر من غيرها ، ولهذا قيل : إنها أكبر من القربة . قوله : إيه بلفظ الحروف المشبهة بالفعل ، ويروى : أيها . وقال الجوهري : ومن العرب من يقول : أيها ، بفتح الهمزة بمعنى هيهات ، ويروى أيهات على وزن هيهات ومعناه . قوله : مؤتمة ، من أيتمت المرأة إذا صار أولادها أيتاما فهي مؤتمة بكسر التاء ، ويروى بفتحها . قوله : فمسح في العزلاوين . هكذا في رواية الكشميهني . وفي رواية غيره : فسمح بالعزلاوين ، وهي تثنية عزلاء ، بسكون الزاي ، وبالمد ، وهو فم القربة ، قاله بعضهم . ( قلت ) : العزلاء فم المزادة الأسفل . قوله : فشربنا عطاشا ، أي : شربنا حالة كوننا عطاشا . قوله : أربعين ، بالنصب رواية الكشميهني ، وجه النصب أنه بيان لقوله : عطاشا ، ويروى : أربعون بالرفع ، أي : ونحن أربعون نفسا . قوله : حتى روينا ، بفتح الراء وكسر الواو من الري . قوله : تبض بكسر الباء الموحدة بعدها الضاد المعجمة المثقلة ، أي : تسيل . وقال ابن التين : تبض ، أي : تنشق فيخرج منه الماء ، يقال : بض الماء من العين إذا نبع ، وحكى القاضي عياض عن بعض الرواة بالصاد المهملة من البصيص ، وهو اللمعان ، وفيه بعد ، ويروى : تنض بالنون عوض الباء الموحدة ، وروى أبو ذر عن الكشميهني : تنصب من الانصباب ، ويروى تنضرج من الضرج بالضاد المعجمة ، والراء ، والجيم ، وهو الشق ، ويروى تيصر بتاء مثناة من فوق مفتوحة ، بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ، وصاد مهملة ، وراء ، ذكر الشيخ أبو الحسن أن معناه تنشق ، قال : ومنه صير الباب ، أي : شقه ، ورده ابن التين ، وهو أجدر بالرد ؛ لأن فيه تكلفا من جهة الصرف ، وغير موجود في شيء من الروايات . قوله : ذلك الصرم ، بكسر الصاد المهملة ، وسكون الراء ، وهو أبيات مجتمعة نزول على الماء .