3673 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ : سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ، تَابَعَهُ جَرِيرٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَمُحَاضِرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ . الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ ذَكْوَانَ ) هُوَ أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى سَأُبَيِّنُهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ ، وَمُحَاضِرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ - وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ - ذِكْرُ سَبَبٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي أَوَّلِهِ قَالَ : كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٌ شَيْءٌ ، فَسَبَّهُ خَالِدٌ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَنْ أَخْرَجَهُ . قَوْلُهُ : ( فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا أَصْحَابِي أَصْحَابٌ مَخْصُوصُونَ ، وَإِلَّا فَالْخِطَابُ كَانَ لِلصَّحَابَةِ ، وَقَدْ قَالَ أحدكم أنفق : لو أن أَنْفَقَ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ الْآيَةَ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَنَهْيُ بَعْضِ مَنْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَاطَبَهُ بِذَلِكَ عَنْ سَبِّ مَنْ سَبَقَهُ يَقْتَضِي زَجْرَ مَنْ لَمْ يُدْرِكِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُخَاطِبْهُ عَنْ سَبِّ مَنْ سَبَقَهُ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ، وَغَفَلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْخِطَابَ بِذَلِكَ لِغَيْرِ الصَّحَابَةِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَنْ سَيُوجَدُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمَفْرُوضِينَ فِي الْعَقْلِ ؛ تَنْزِيلًا لِمَنْ سَيُوجَدُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ لِلْقَطْعِ بِوُقُوعِهِ ، وَوَجْهُ التَّعَقُّبِ عَلَيْهِ وُقُوعُ التَّصْرِيحِ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ بِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَوْجُودِينَ إِذْ ذَاكَ بِالِاتِّفَاقِ . قَوْلُهُ : ( أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ) زَادَ الْبَرْقَانِيُّ فِي الْمُصَافَحَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ : وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ . قَوْلُهُ : ( مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ) أَيِ الْمُدُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَالنَّصِيفُ بِوَزْنِ رَغِيفٍ هُوَ النِّصْفُ كَمَا يُقَالُ : عُشْرٌ وَعَشِيرٌ وَثُمُنٌ وَثَمِينٌ ، وَقِيلَ : النَّصِيفُ مِكْيَالٌ دُونَ الْمُدِّ ، وَالْمُدُّ بِضَمِّ الْمِيمِ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ ضُبِطَ قَدْرُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ قَالَ : وَالْمُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ وَالطُّولُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ بَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ تَقْرِيرُ أَفْضَلِيَّةِ الصَّحَابَةِ عَمَّنْ بَعْدَهُمْ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلّ لِمَا وَقَعَ الِاخْتِيَارُ لَهُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ : لَا يَنَالُ أَحَدُكُمْ بِإِنْفَاقِ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مِنَ الْفَضْلِ وَالْأَجْرِ مَا يَنَالُ أَحَدُهُمْ بِإِنْفَاقِ مُدَّ طَعَامٍ أَوْ نَصِيفَهُ . وَسَبَبُ التَّفَاوُتِ مَا يُقَارِنُ الْأَفْضَلَ مِنْ مَزِيدِ الْإِخْلَاصِ وَصِدْقِ النِّيَّةِ . قُلْتُ : وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ فِي سَبَبِ لْأَفْضَلِيَّةِ عِظَمُ مَوْقِعِ ذَلِكَ لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ ، وَأَشَارَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ بِسَبَبِ الْإِنْفَاقِ إِلَى الْأَفْضَلِيَّةِ بِسَبَبِ الْقِتَالِ كَمَا وَقَعَ فِي الْآيَةِ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ فَإِنَّ فِيهَا إِشَارَةً إِلَى مَوْقِعِ السَّبَبِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْفَاقَ وَالْقِتَالَ كَانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ عَظِيمًا لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَقِلَّةِ الْمُعْتَنِي بِهِ بِخِلَافِ مَا وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَثُرُوا بَعْدَ الْفَتْحِ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ ذَلِكَ الْمَوْقِعَ الْمُتَقَدِّمِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ جَرِيرٌ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ هُوَ الْخُرَيْبِيُّ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ هُوَ الضَّرِيرُ ، وَمُحَاضِرٌ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ بِوَزْنِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ أَيْ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، فَأَمَّا رِوَايَةُ جَرِيرٍ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمْ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَاضِرٍ فَرُوِّينَاهَا مَوْصُولَةً فِي فَوَائِدِ أَبِي الْفَتْحِ الْحَدَّادِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ الضَّبِّيِّ عَنْ مُحَاضِرٍ الْمَذْكُورِ فَذَكَرَهُ مِثْلَ رِوَايَةِ جَرِيرٍ ، لَكِنْ قَالَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ بَدَلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَقَوْلُ جَرِيرٍ أَصَحُّ ، وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْآتِي ذِكْرُهَا ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ فَوَصَلَهَا مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ وَلَيْسَ فِيهِ الْقِصَّةُ ، وَكَذَا أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّدٍ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَوَصَلَهَا أَحْمَدُ عَنْهُ هَكَذَا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبِي كُرَيْبٍ ، وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ لَكِنْ قَالَ فِيهِ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَدَلَ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ وَهَمٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ خَلَفٌ وَأَبُو مَسْعُودٍ ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، قَالَ الْمِزِّيُّ : كَأَنَّ مُسْلِمًا وَهَمَ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ فَإِنَّهُ بَدَأَ بِطَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، ثُمَّ ثَنَّى بِحَدِيثِ جَرِيرٍ فَسَاقَهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِحَدِيثِ وَكِيعٍ وَرَبَّعَ بِحَدِيثِ شُعْبَةَ وَلَمْ يَسُقْ إِسْنَادَهُمَا بَلْ قَالَ بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ ، فَلَوْلَا أَنَّ إِسْنَادَ جَرِيرٍ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَهُ وَاحِدٌ لَمَا أَحَالَ عَلَيْهِمَا مَعًا فَإِنَّ طَرِيقَ وَكِيعٍ ، وَشُعْبَةَ جَمِيعًا تَنْتَهِي إِلَى أَبِي سَعِيدٍ دُونَ أَبِي هُرَيْرَةَ اتِّفَاقًا ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَحَدُ شُيُوخِ مُسْلِمٍ فِيهِ فِي مُسْنَدِهِ وَمُصَنَّفِهِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَقَالَ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ ، وَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَأَبِي خَيْثَمَةَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ جَوَّاسٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَقَالَ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَقَالَ بَعْدَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَبِي كُرَيْبٍ ، وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَهَمَ وَقَعَ فِيهِ مِمَّنْ دُونَ مُسْلِمٍ إِذْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَبَيَّنَهُ أَبُو نُعَيْمٍ ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ مَعَ جَزْمِهِ فِي الْعِلَلِ بِأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي تَتَبُّعِهِ أَوْهَامَ الشَّيْخَيْنِ إِلَى رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ هَذِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ ، وَالْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَاشِمٍ ، وَخَيْثَمَةُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَقَالُوا : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ أَحَدِ شُيُوخِ مُسْلِمٍ فِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَقَالَ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ ، إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنِ ابْنِ مَاجَهِ اخْتِلَافٌ : فَفِي بَعْضِهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي بَعْضِهَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَالصَّوَابُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ لِأَنَّ ابْنَ مَاجَهْ جَمَعَ فِي سِيَاقِهِ بَيْنَ جَرِيرٍ ، وَوَكِيعٍ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ ، وَجَرِيرٍ إِنَّهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكُلُّ مَنْ أَخْرَجَهَا مِنَ الْمُصَنِّفِينَ وَالْمُخَرِّجِينَ أَوْرَدَهُ عَنْهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ . وَقَدْ وَجَدْتُهُ فِي نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ جِدًّا مِنِ ابْنِ مَاجَهْ قُرِئَتْ فِي سَنَةِ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَهِيَ فِي غَايَةِ الْإِتْقَانِ وَفِيهَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَاحْتِمَالُ كَوْنِ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ جَمِيعًا مُسْتَبْعَدٌ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَمَعَهُمَا وَلَوْ مَرَّةً ، فَلَمَّا كَانَ غَالِبُ مَا وُجِدَ عَنْهُ ذِكْرَ أَبِي سَعِيدٍ دُونَ ذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شُذُوذًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ فِي الْعِلَلِ : رَوَاهُ مُسَدَّدٌ ، وَأَبُو كَامِلٍ ، وَشَيْبَانُ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ كَذَلِكَ ، وَرَوَاهُ عَفَّانُ ، وَيَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ فَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ أَبَا سَعِيدٍ ، قَالَ : وَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ ، قَالَ : وَالصَّوَابُ مِنْ رِوَايَاتِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ لَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ عَاصِمٌ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالصَّحِيحُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ انْتَهَى ، وَقَدْ سَبَقَ إِلَى ذَلِكَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ فَقَالَ فِي الْعِلَلِ : رَوَاهُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَرَوَاهُ عَاصِمٌ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ وَالْأَعْمَشُ أَثْبَتُ فِي أَبِي صَالِحٍ مِنْ عَاصِمٍ ، فَعُرِفَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَدْ شَذَّ ، وَكَأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ شُهْرَةُ أَبِي صَالِحٍ بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَسْبِقُ إِلَيْهِ الْوَهَمُ مِمَّنْ لَيْسَ بِحَافِظٍ ، وَأَمَّا الْحُفَّاظُ فَيُمَيِّزُونَ ذَلِكَ . وَرِوَايَةُ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الدَّارَقُطْنِيُّ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ قَالَ : وَلَمْ يَرْوِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ إِلَّا زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالُوا : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ انْتَهَى . وَأَمَّا رِوَايَةُ عَاصِمٍ فَأَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَقَالَ : وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَاصِمٍ إِلَّا زَائِدَةُ ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، وَيَحْيَى بْنِ عِيسَى الرَّمْلِيِّ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ ، وَإِسْرَائِيلُ عِنْدَ تَمَّامٍ الرَّازِيِّ . وَأَمَّا مَا حَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فَقَدْ وَقَعَ لِي مِنْ رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ ، وَأَبِي كَامِلٍ ، وَشَيْبَانَ عَنْهُ عَلَى الشَّكِّ ، قَالَ فِي رِوَايَتِهِ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو عَوَانَةَ كَانَ يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ فَرُبَّمَا وَهَمَ ، وَحَدِيثُهُ مِنْ كِتَابِهِ أَثْبَتُ ، وَمَنْ لَمْ يَشُكَّ أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ مِمَّنْ شَكَّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ أَمْلَيْتُ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ جُزْءًا مُفْرَدًا لَخَّصْتُ مَقَاصِدَهُ هُنَا بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى . ( تَكْمِلَةٌ ) : اخْتُلِفَ فِي سَابِّ الصَّحَابِيِّ ، فَقَالَ عِيَاضٌ : ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُعَزَّرُ ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ يُقْتَلُ ، وَخَصَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ذَلِكَ بِالشَّيْخَيْنِ وَالْحَسَنَيْنِ فَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ ، وَقَوَّاهُ السُّبْكِيُّ فِي حَقِّ مَنْ كَفَّرَ الشَّيْخَيْنِ ، وَكَذَا مَنْ كَفَّرَ مَنْ صَرَّحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِيمَانِهِ أَوْ تَبْشِيرِهِ بِالْجَنَّةِ إِذَا تَوَاتَرَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ عَنْهُ لِمَا تَضَمَّنَ مِنْ تَكْذِيبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا · ص 41 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 187 170 - حدثنا آدم بن أبي إياس ، حدثنا شعبة ، عن الأعمش قال : سمعت ذكوان يحدث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه . هذا لا يدل على فضل أبي بكر على الخصوص ، وإنما يدل على فضل الصحابة كلهم على غيرهم فلا مطابقة بينه وبين الترجمة إلا أنه لما دل على حرمة سب الصحابة كلهم فدلالته على الحرمة في حق أبي بكر أقوى وآكد ؛ لأنه قد تقرر أنه أفضل الصحابة كلهم ، وأنه أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن هذه الحيثية يمكن أن يؤخذ وجه المطابقة للترجمة . والأعمش هو سليمان وذكوان بالذال المعجمة أبو صالح الزيات السمان . والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن عثمان بن أبي شيبة ، وعن أبي سعيد الأشج ، وعن أبي كريب ، وعن أبي موسى وبندار ، وعن عبيد الله بن معاذ . وأخرجه أبو داود في السنة عن مسدد ، وأخرجه الترمذي في المناقب عن الحسن بن علي الخلال ، وعن محمود بن غيلان . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن هشام ، وأخرجه ابن ماجه في السنة عن محمد بن الصباح ، وعن علي بن محمد ، وعن أبي كريب . قوله : لا تسبوا أصحابي خطاب لغير الصحابة من المسلمين المفروضين في العقل جعل من سيوجد كالموجود ، ووجودهم المترقب كالحاضر هكذا قرره الكرماني ورد عليه بعضهم ، ونسبه إلى التغفل بأنه وقع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق . قلت : نعم روى مسلم حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد قال : كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن شيء فسبه خالد ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا تسبوا أحدا من أصحابي الحديث . ولكن الحديث لا يدل على أن المخاطب بذلك خالد والخطاب للجماعة ، ولا يبعد أن يكون الخطاب لغير الصحابة كما قاله الكرماني ، ويدخل فيه خالد أيضا ؛ لأنه ممن سب على تقدير أن يكون خالد إذ ذاك صحابيا ، والدعوى بأنه كان من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق يحتاج إلى دليل ، ولا يظهر ذلك إلا من التاريخ . قوله : أنفق مثل أحد ذهبا أي : مثل جبل أحد الذي بالمدينة ، زاد البرقاني في المصافحة من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش كل يوم . قوله : ما بلغ مد أحدهم أي : المد من كل شيء وهو بضم الميم في الأصل ربع الصاع ، وهو رطل وثلث بالعراقي عند الشافعي وأهل الحجاز ، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق وقيل : أصل المد مقدر بأن يمد الرجل يديه فيملأ كفيه طعاما ، وإنما قدره به ؛ لأنه أقل ما كانوا يتصدقون به في العادة . وقال الخطابي : يعني أن المد من التمر الذي يتصدق به الواحد من الصحابة مع الحاجة إليه أفضل من الكثير الذي ينفقه غيرهم من السعة ، وقد يروى مد أحدهم بفتح الميم يريد الفضل والطول . وقال القاضي : وسبب تفضيل نفقتهم أن إنفاقهم إنما كان في وقت الضرورة وضيق الحال بخلاف غيرهم ، ولأن إنفاقهم كان في نصرته صلى الله تعالى عليه وسلم وحمايته ، وذلك معدوم بعده ، وكذا جهادهم وسائر طاعاتهم . قوله : ولا نصيفه فيه أربع لغات نصف بكسر النون وبضمها وبفتحها ، ونصيف بزيادة الياء مثل العشر والعشير والثمن والثمين ، وقيل : النصف هنا مكيال يكال به .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 188 تابعه جرير وعبد الله بن داود ، وأبو معاوية ومحاضر عن الأعمش أي : تابع شعبة جرير بن عبد الحميد في روايته عن سليمان الأعمش ، عن أبي سعيد الخدري ، وحديث جرير عن الأعمش قد ذكرناه عن قريب . وعبد الله بن داود أي : وتابعه أيضا عبد الله بن داود بن عامر بن الربيع الهمداني أبو عبد الرحمن المعروف بالخريبي ، سكن الخريبة محلة بالبصرة وهي بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة ، وحديثه عن الأعمش رواه مسدد في مسنده رواه عنه . قوله : وأبو معاوية أي : تابعه أبو معاوية بن محمد بن خازم بالمعجمتين الضرير ، وحديثه عن الأعمش ، عن أحمد في مسنده هكذا رواه مسلم عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح هو ذكوان ، ولكن عن أبي هريرة . قوله : ومحاضر أي : وتابعه محاضر بضم الميم وبالحاء المهملة وبالضاد المعجمة على وزن مجاهد ابن المورع بالراء المكسورة مر في آخر الحج ، وحديثه عند أبي الفتح الحداد في فوائده من طريق أحمد بن يونس الضبي عن محاضر ، فذكره مثل رواية جرير لكن قال : بين خالد بن الوليد وبين أبي بكر بدل عبد الرحمن بن عوف ، وقول جرير أصح .