3683 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ : أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ . ح . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قُمْنَ فَبَادَرْنَ الْحِجَابَ ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَخَلَ عُمَرُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ ، فَقَالَ : أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي ، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ ، فَقَالَ عُمَرُ : فَأَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ ، أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقُلْنَ : نَعَمْ ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِيهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ) أَيِ ابْنِ الْخَطَّابِ ، وَفِي الْإِسْنَادِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ عَلَى نَسَقٍ : قَرِينَانِ وَهُمَا صَالِحٌ وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَقَرِيبَانِ وَهُمَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَكُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ ) هُنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ لَكِنْ قَرِينَةُ قَوْلُهُ : يَسْتَكْثِرْنَهُ يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُنَّ يَطْلُبْنَ مِنْهُ أكثر مِمَّا يُعْطِيهِنَّ . وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُنَّ يُكْثِرْنَ الْكَلَامَ عِنْدَهُ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُنَّ يَطْلُبْنَ النَّفَقَةَ . قَوْلُهُ : ( عَالِيَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَةِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ ، وَقَوْلُهُ أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ قَالَ ابْنُ التِّينِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ النَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَى صَوْتِهِ ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ طَبْعَهُنَّ . انْتَهَى . وَقَالَ غَيْرُهُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّفْعُ حَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِهِنَّ لَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَانَ صَوْتُهَا أَرْفَعَ مِنْ صَوْتِهِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ . قِيلَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِنَّ جَهِيرَةٌ ، أَوِ النَّهْيُ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ وَقِيلَ فِي حَقِّهِنَّ لِلتَّنْزِيهِ ، أَوْ كُنَّ فِي حَالِ الْمُخَاصَمَةِ فَلَمْ يَتَعَمَّدْنَ ، أَوْ وَثِقْنَ بِعَفْوِهِ . وَيُحْتَمَلُ فِي الْخَلْوَةِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي غَيْرِهَا . قَوْلُهُ : ( أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ ) لَمْ يُرِدْ بِهِ الدُّعَاءَ بِكَثْرَةِ الضَّحِكِ بَلْ لَازِمُهُ وَهُوَ السُّرُورُ ، أَوْ نَفْيُ ضد لَازِمِهِ وَهُوَ الْحُزْنُ . قَوْلُهُ : ( أَتَهَبْنَنِي ) مِنَ الْهَيْبَةِ أَيْ تُوَقِّرْنَنِي . قَوْلُهُ : ( أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ ) بِالْمُعْجَمَتَيْنِ بِصِيغَةِ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ مِنَ الْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ وَهُوَ يَقْتَضِي الشَّرِكَةَ فِي أَصْلِ الْفِعْلِ ، وَيُعَارِضُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَظًّا وَلَا غَلِيظًا ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي فِي الْآيَةِ يَقْتَضِي نَفْيَ وُجُودِ ذَلِكَ لَهُ صِفَةً لَازِمَةً فَلَا يَسْتَلْزِمُ مَا فِي الْحَدِيثِ ذَلِكَ ، بَلْ مُجَرَّدُ وُجُودِ الصِّفَةِ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ عِنْدَ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ مَثَلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَفَظَّ هُنَا بِمَعْنَى الْفَظِّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِلتَّصْرِيحِ بِالتَّرْجِيحِ الْمُقْتَضِي لِحَمْلِ أَفْعَلَ عَلَى بَابِهِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُوَاجِهُ أَحَدًا بِمَا يَكْرَهُ إِلَّا فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ ، وَكَانَ عُمَرُ يُبَالِغُ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْمَكْرُوهَاتِ مُطْلَقًا وَطَلَبِ الْمَنْدُوبَاتِ ، فَلِهَذَا قَالَ النِّسْوَةُ لَهُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( أَيْهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَيْهًا بِالْفَتْحِ وَالتَّنْوِينِ مَعْنَاهَا لَا تَبْتَدِئْنَا بِحَدِيثٍ ، وَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ كُفَّ مِنْ حَدِيثٍ عَهِدْنَاهُ ، وَإِيهٍ بِالْكَسْرِ وَالتَّنْوِينِ مَعْنَاهَا حَدِّثْنَا مَا شِئْتَ وَبِغَيْرِ التَّنْوِينِ زِدْنَا مِمَّا حَدَّثْتَنَا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا بِالنَّصْبِ وَالتَّنْوِينِ . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَقَالَ : مَعْنَاهُ : كُفَّ عَنْ لَوْمِهِنَّ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْأَمْرُ بِتَوْقِيرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَطْلُوبٌ لِذَاتِهِ تُحْمَدُ الزِّيَادَةُ مِنْهُ ، فَكَأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِيهْ اسْتِزَادَةٌ مِنْهُ فِي طَلَبِ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِ جَانِبِهِ ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِلَخْ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ رَضِيَ مَقَالَتَهُ وَحَمِدَ فِعَالَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَجًّا ) أَيْ طَرِيقًا وَاسِعًا ، وَقَوْلُهُ قَطُّ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ ) فِيهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ لِعُمَرَ تَقْتَضِي أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ ، لَا أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ الْعِصْمَةِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا فِرَارُ الشَّيْطَانِ مِنْهُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي طَرِيقٍ يَسْلُكُهَا ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ وَسْوَسَتِهِ لَهُ بِحَسَبِ مَا تَصِلُ إِلَيْهِ قُدْرَتُهُ . فَإِنْ قِيلَ : عَدَمُ تَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ بِالْوَسْوَسَةِ يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ لِأَنَّهُ إِذَا مُنِعَ مِنَ السُّلُوكِ فِي طَرِيقٍ فَأَوْلَى أَنْ لَا يُلَابِسَهُ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ وَسْوَسَتِهِ لَهُ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حُفِظَ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ثُبُوتُ الْعِصْمَةِ لَهُ لِأَنَّهَا فِي حَقِّ النَّبِيِّ وَاجِبَةٌ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ مُمْكِنَةٌ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَلْقَى عُمَرَ مُنْذُ أَسْلَمَ إِلَّا خَرَّ لِوَجْهِهِ وَهَذَا دَالٌّ عَلَى صَلَابَتِهِ فِي الدِّينِ ، وَاسْتِمْرَارِ حَالِهِ عَلَى الْجِدِّ الصِّرْفِ وَالْحَقِّ الْمَحْضِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَهْرُبُ إِذَا رَآهُ وَقَالَ عِيَاضٌ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَاكَ عَلَى سَبِيلِ ضَرْبِ الْمَثَلِ ، وَأَنَّ عُمَرَ فَارَقَ سَبِيلَ الشَّيْطَانِ وَسَلَكَ طَرِيقَ السَّدَادِ فَخَالَفَ كُلَّ مَا يُحِبُّهُ الشَّيْطَانُ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، انْتَهَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنَاقِبِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَبِي حَفْصٍ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ · ص 57 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي · ص 195 180 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال : حدثني أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب : أخبرني عبد الحميد أن محمد بن سعد أخبره أن أباه قال : حدثني عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد ، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه ، قال : استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه ، عالية أصواتهن على صوته ، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ، فقال عمر : أضحك الله سنك يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي ، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب ، فقال عمر : فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله ، ثم قال عمر : يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلن : نعم ؛ أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إيها يا ابن الخطاب ، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك . مطابقته للترجمة في قوله : والذي نفسي بيده ... إلى آخره . وأخرج هذا الحديث من طريقين : أحدهما : عن علي بن عبد الله ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن صالح بن كيسان ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، كان واليا لعمر بن عبد العزيز على الكوفة ، يروي عن محمد بن سعد بن أبي وقاص ، وكلهم مدنيون ، وفيه أربعة من التابعين على نسق ، وهم : صالح وابن شهاب ، وهما قريبان ، وعبد الحميد ومحمد بن سعد وهما قريبان ، وقد مر الحديث بهذا الطريق في باب صفة إبليس ، وجنوده . والطريق الآخر : عن عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى الأويسي المدني ، عن إبراهيم بن سعد المذكور ، عن صالح بن كيسان... إلى آخره . قوله : وعنده نسوة من قريش هن من أزواجه ، ويحتمل أن يكون معهن من غيرهن ، لكن قرينة كونهن يستكثرنه يؤيد الأول ، والمراد أنهن يطلبن منه أكثر مما يعطيهن ، كذا قاله بعضهم . وقال النووي : يستكثرنه أي : يطلبن كثيرا من كلامه ، وجوابه لجوابهن ، وفي ( التوضيح ) : يستكثرنه يردن العطاء ، وقد أبان في موضع آخر ذلك أنهن يردن النفقة . وقال الداودي : المراد أنهن يكثرن الكلام عنده . وقال بعضهم : هو مردود بما وقع التصريح به في حديث جابر عند مسلم أنهن يطلبن النفقة . قلت : الذي قاله النووي أظهر؛ لأن الضمير المنصوب في يستكثرنه يرجع إلى الكلام الذي يدل عليه يكلمنه ، وثمة قرينة تؤيد هذا ، وهو أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يكن يرى بالخطاب لأزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله : أي عدوات أنفسهن في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم بل الظاهر أنهن غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم جئن لأجل حوائجهن كما قاله النووي ، وأكثرن الكلام كما قاله الداودي ، ورد كلامه ليس له وجه ، ولا يصلح أن يكون حديث جابر مؤيدا لما ذهب إليه هذا القائل ؛ لأن حديث سعيد غير حديث جابر ، ولئن سلمنا أن يكون معناهما واحدا فلا يلزم من قوله : يطلبن النفقة أن تكون تلك النسوة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن تكون أزواج تلك النسوة غائبين ، ولم يكن عندهن شيء فجئن إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وطلبن منه النفقة ، وأيضا لفظ النفقة غير مخصوص بنفقة الزوجات على ما لا يخفى . قوله : عالية بالنصب على الحال ، ويجوز بالرفع على أن يكون صفة لنسوة ، وأما علو أصواتهن فإما أنه كان قبل نزول قوله تعالى : لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ وإما أنه كان باعتبار اجتماع أصواتهن لا أن كلام كل واحدة منهن بانفرادها أعلى من صوته صلى الله عليه وسلم . قوله : فبادرن أي : أسرعن . قوله : أضحك الله سنك لم يرد به الدعاء بكثرة الضحك ، بل أراد لازمه ، وهو السرور والفرح . قوله : يهبنني بفتح الهاء ، أي : يوقرنني ، ولا يوقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : أفظ وأغلظ من الفظاظة والغلاظة ، وهما من أفعل التفضيل ، وهو يقتضي الشركة في أصل الفعل . فإن قلت : كيف ذاك في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ قلت : باعتبار القدر الذي في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من إغلاظه على الكفار وعلى المنتهكين لحرمات الله تعالى . فإن قلت : يعارض هذا قوله تعالى : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ قلت : الذي في الآية يقتضي أن لا يكون ذلك صفة لازمة فلا يستلزم ما في الحديث ذلك ، بل يوجد ذلك عند الإنكار على الكفار كما ذكرناه . وقال بعضهم : وجوز بعضهم أن يكون الأفظ هنا بمعنى الفظ ، وفيه نظر للتصريح بالترجيح المقتضي لكون أفعل على بابه . قلت : أراد بالبعض الكرماني ؛ فإنه قال هكذا ، وليس بمحل للنظر فيه ؛ لأن هذا الباب واسع في كلام العرب . قوله : إيها بكسر الهمزة ، وسكون الباء آخر الحروف ، وبالهاء المفتوحة المنونة ، ويروى إيه بكسر الهمزة ، وكسر الهاء المنونة ، والفرق بينهما أن معنى الأول لا تبتدئنا بحديث ، ومعنى الثاني : زدنا حديثا ما ، وفيه لغة أخرى وهي : إيه بكسر الهمزة ، والهاء بغير تنوين ، ومعناه زدنا مما عهدنا ، وقال الجوهري : إيه يعني بكسر الهمزة والهاء بغير تنوين اسم يسمى به الفعل ؛ لأن معناه الأمر ، تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل : إيه بكسر الهاء ، وقال ابن السكيت : فإن وصلت نونت فقلت : إيه حديثا ، وقال الجوهري أيضا : وإن أردت التبعيد قلت : أيها بفتح الهمزة بمعنى هيهات ، وقال ابن الأثير : إيه كلمة يراد بها الاستزادة ، وهي مبنية على الكسر ، فإذا وصلت نونت فقلت : إيه حديثا ، وإذا قلت : إيها بالنصب ، فإنما يراد بها نأمره بالسكوت ، وقال الطيبي : الأمر بتوقير رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مطلوب لذاته تحمد الزيادة منه ، فكأن قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : إيه : استزادة منه في طلب توقيره ، وتعظيم جانبه ؛ فلذلك عقبه بقوله : والذي نفسي بيده... إلى آخره ، فإنه يشعر بأنه رضي مقالته ، وحمد فعاله . قوله : فجا أي : طريقا واسعا . وفيه فضيلة عظيمة لعمر رضي الله تعالى عنه ؛ لأن هذا الكلام يقتضي أن لا سبيل للشيطان عليه إلا أن ذلك لا يقتضي ، وجوب العصمة إذ ليس فيه إلا فرار الشيطان من أن يشاركه في طريق يسلكها ، ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل إليه قدرته ، هكذا قرره بعضهم . قلت : هذا موضع التأمل ؛ لأن عدم سلوكه الطريق الذي يسلك فيه عمر رضي الله تعالى عنه إنما كان لأجل خوفه لا لأجل معنى آخر ، والدليل عليه ما رواه الطبراني في ( الأوسط ) من حديث حفصة بلفظ : إن الشيطان لا يلقى عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه ، انتهى . فالذي يكون حاله مع عمر هكذا كيف لا يمنع من الوصول إليه لأجل الوسوسة ، وتمكن الشيطان من وسوسة بني آدم ما هو إلا بأنه يجري في عروق بني آدم مثلما يجري الدم ، فالذي يهرب منه ويخر على وجهه إذا رآه كيف يجد طريقا إليه ، وما ذاك إلا خاصة له وضعها الله فيه فضلا منه وكرما ، وبهذا لا ندعي العصمة ؛ لأنها من خواص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .