2 - بَاب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا 336 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَوَجَدَهَا ، فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَصَلَّوْا ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، لِعَائِشَةَ : جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا ، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ نَزَّلَ فَقْدَ شَرْعِيَّةِ التَّيَمُّمِ مَنْزِلَةَ فَقْدِ التُّرَابِ بَعْدَ شَرْعِيَّةِ التَّيَمُّمِ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : حُكْمُهُمْ فِي عَدَمِ الْمُطَهِّرِ - الَّذِي هُوَ الْمَاءُ خَاصَّةً - كَحُكْمِنَا فِي عَدَمِ الْمُطَهِّرَيْنِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ . وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ فَقَدُوا التُّرَابَ ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ فَقَدُوا الْمَاءَ فَقَطْ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ لِفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ . وَوَجْهُهُ أَنَّهُمْ صَلَّوْا مُعْتَقِدِينَ وُجُوبَ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَتِ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ مَمْنُوعَةً لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وُجُوبُهَا ، وَصَحَّحَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ فَلَمْ يُسْقِطِ الْإِعَادَةَ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ ، وَسَحْنُونٌ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ لَا تَجِبُ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْبَابِ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَبَيَّنَهَا لَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْإِعَادَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ ، فَلَمْ يَتَأَخَّرِ الْبَيَانُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ . وَعَلَى هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى وُجُوبِ الْإِعَادَةِ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا : لَا يُصَلِّي ، لَكِنْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ . وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْمَدَنِيُّونَ : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ . وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ . وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنِ الْقَدِيمِ : تُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ ، وَبِهَذَا تَصِيرُ الْأَقْوَالُ خَمْسَةً . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى ) هَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ ، وَكَذَا فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَإِنَّهُ أَوْرَدَهَا فِي الصَّلَاةِ وَالْهِجْرَةِ وَالْمَغَازِي بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْهُ وَلَمْ يَنْسُبْهُ ، وَأَعَادَهُ فِي التَّفْسِيرِ تَامًّا ، وَمِثْلُهُ فِي الصَّلَاةِ حَدِيثُ مُرُ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ وَكَذَا سَبَقَ فِي بَابِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ لَكِنْ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ لَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَأَعَادَهُ فِي التَّفْسِيرِ تَامًّا ، وَمِثْلُهُ فِي التَّفْسِيرِ حَدِيثُ عَائِشَةَ كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ وَفِي صِفَةِ إِبْلِيسَ حَدِيثُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ الْحَدِيثَ . وَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ بِأَنَّهُ اللُّؤْلُؤيُّ الْبَلْخِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : هُوَ زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَإِلَى هَذَا مَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ ; لِأَنَّهُ كُوفِيٌّ ، وَكَذَا الشَّيْخَانِ الْمَذْكُورَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْعِيدَيْنِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى ، عَنِ الْمُحَارِبِيِّ لَكِنْ قَالَ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُهْمَلَ فِي الْمَوَاضِعِ الْأُخْرَى ; لِأَنَّهُ كُوفِيٌّ وَشَيْخُهُ كُوفِيٌّ أَيْضًا . وَقَدْ ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّهُ رَوَى عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، وَأَبِي أُسَامَةَ أَيْضًا ، وَجَزَمَ صَاحِبُ الزَّهْرَةِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى عَنْ أَبِي السُّكَيْنِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ ، وَهُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ الْمُرَادَ كَمَا جَوَّزْنَاهُ ، وَإِلَى ذَلِكَ مَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا ) زَادَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ فِي فَضْلِ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، وَفِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فَادَّعَى أَنَّ عَبْدَةَ تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ الْحَدِيثِ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ رِوَايَةِ عُرْوَةَ ، وَالْقَاسِمِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا · ص 524 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا لم يجد ماء ولا ترابا · ص 28 2 - باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا خرج فيه : 336 - حديث : هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أنها استعارت من أسماء قلادة ، فهلكت ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فوجدها ، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء ، فصلوا ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى آية التيمم . فقال أسيد بن حضير لعائشة : جزاك الله خيرا ، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا . قد سبق : أن رواية هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة لهذا الحديث تخالف رواية عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ؛ فإن عبد الرحمن ذكر في روايته : أن عقدا لعائشة انقطع ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام على التماسه ، وأنه نام حتّى أصبح على غير ماء ، فنزلت آية التيمم . وأما عروة ، فذكر في روايته : أن قلادة لأسماء استعارتها عائشة فهلكت - يعني : أنهم فقدوها - فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء ، فصلوا فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت آية التيمم . وفي حديث ابن القاسم ، عن أبيه : أنهم بعثوا البعير ، فوجدوا العقد تحته . وفي حديث ابن عروة ، عن أبيه : أن الذين أرسلهم في طلبها وجدوها . فزعم بعض الناس أن عائشة كان لها عقد انقطع وقلادة فقدت ، فأرسل في طلب القلادة وأقاموا على التماس العقد ، وفي هذا نظر . والله أعلم . ورجحت طائفة رواية مالك ، عن ابن القاسم ، عن أبيه على رواية هشام ، عن أبيه ، ومنهم : القاضي إسماعيل المالكي ، وقال : بلغني عن يحيى القطان أنه كان ينكر أشياء حدث بها هشام في آخر عمره لما ساء حفظه . وقد استدل البخاري بهذا الحديث الذي رواه هشام ، عن أبيه على أن من لم يجد ماء ولا ترابا أنه يصلي على حسب حاله ، فإنهم صلوا بغير وضوء ، ولم يكن شرع التيمم قبل ذلك ، وشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم بإعادة الصَّلاة . وزعم بعضهم : أن رواية القاسم ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نام حتى أصبح على غير ماء يدل على أنه لم يصل هو ولا من معه ، وهذا في غاية الضعف . وقد قررنا فيما تقدم : أن آية سورة النساء التي فيها ذكر التيمم كان نزولها سابقا لهذه القصة ، وأن توقفهم في التيمم إنما كان لظنهم أن من فوت الماء لطلب مال له لا رخصة له في التيمم ، فنزلت الآية التي في سورة المائدة مبينة لجواز التيمم في مثل ذلك . والظاهر : أن الجميع صلوا بالتيمم ولكن حصل لهم شك في ذلك ، فزال ذلك عنهم بنزول آية المائدة . والله أعلم . واختلف العلماء في حكم من لم يجد ماء ولا ترابا على أربعة أقوال : أحدها : أنه يصلي بحسب حاله ، ولا قضاء عليه ، وهو قول مالك وأحمد في رواية عنهما ، وأبي ثور والمزني وغيرهم ، وحكي قولا قديما للشافعي . وعليه بوب البخاري ، واستدل بحديث عائشة الذي خرجه هاهنا ؛ فإنهم شكوا ذَلكَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر أنه أمرهم بقضاء صلاتهم ؛ ولأن الطهارة شرط ، فإذا عجز عنها سقطت عنه ، كاستقبال القبلة وستر العورة . والثاني : يصلي ويعيد ، وهو قول مالك في رواية ، والشافعي ، وأحمد في رواية عنه نقلها عنه أكثر أصحابه . والثالث : لا يصلي ويعيد صلاته ، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ، وهو قول قديم للشافعي . واستدلوا : بقوله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة بغير طهور . ويجاب عنه : بأن ذلك مع القدرة ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ، ولا خلاف أنه لو عدم الماء وصلى بالتيمم قبلت صلاته . والرابع : أنه لا يصلى ولا إعادة عليه ، وهو رواية عن مالك ، وقول بعض الظاهرية ، وحكاه بعضهم رواية عن أبي ثور . وهو أردأ الأقوال وأضعفها ، ويرده قول الله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم . وليس هذا كالحائض ؛ فإن الحائض ليست من أهل الطهارة ، ولا يصح منها لو فعلتها ، وهذا من أهلها وهو عاجز عنها . وأما قول أسيد بن حضير لعائشة - رضي الله عنها - : جزاك الله خيرا فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين خيرا . فيه إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك ، وقد تقدم أن بعض أهل السير ذكر أن هذه القصة كانت هي وقصة الإفك في سفرة واحدة ، وهذا يشكل عليه قول أسيد بن حضير هذا ؛ فإن الفرج الذي حصل من قضية الإفك إنما وقع بعد قدومهم المدينة بمدة ، وظاهر سياق حديث عائشة يدل على أن أسيد بن حضير قَالَ ذَلكَ عقيب نزول آية التيمم . وقد زعم بعضهم : أن هذا قاله أسيد بن حضير بعد نزول الآيات في قصة الإفك ، وبعد نزول آية التيمم ، وهو مخالف لظاهر هذه الرواية . والله أعلم . وقد استحب الثوري وأحمد : حمل التراب للمسافر كما يستحب له حمل الماء للطهارة ، ومن المتأخرين من أنكره ، وقال : هو بدعة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا لم يجد ماء ولا ترابا · ص 11 ( باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا ) أي هذا باب يذكر فيه إذا لم يجد الرجل ماء ليتوضأ به ولا ترابا ليتيمم به ، وجواب إذا محذوف تقديره هل يصلي بلا وضوء ولا تيمم أم لا ؟ وفيه مذاهب للعلماء على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى ، وجه المناسبة في تقديم هذا الباب على بقية الأبواب بعد ذكر كتاب التيمم هو : أنه صدر أولا بذكر مشروعية التيمم عند عدم الماء ، ثم ذكر بعده حكم من لم يجد ماء ولا ترابا هذا على تقدير كون هذا الباب في هذا الموضع وفي بعض النسخ ذكر بعد قوله : كتاب التيمم ، باب التيمم في الحضر ، ثم ذكر بعده باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا ، فعلى هذا : المناسبة بين البابين من حيث إنه ذكر أولا حكم التيمم في السفر ، ثم ذكر حكمه في الحضر ، ثم ذكر حكم عادم الماء والتراب معا ، وهو على الترتيب كما ينبغي ، ولم يتعرض لمثل هذه النكتة أحد من الشراح . 3 - ( حدثنا زكرياء بن يحيى قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة ، فهلكت ، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا ، فوجدها ، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا ، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله آية التيمم ، فقال أسيد بن حضير لعائشة : جزاك الله خيرا ، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا ) . وجه مطابقة الحديث للترجمة ظاهر في قوله : " فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء " ، وأما وجه زيادة قوله في الترجمة : ولا ترابا ، فهو أنهم لما صلوا بلا وضوء ولم يتيمم موا أيضا لعدم علمهم به فكأنهم لم يجدوا ماء ولا ترابا إذ كان حكمه حكم العدم عندهم فصاروا كأنهم لم يجدوا ماء ولا ترابا ، ( فإن قلت ) روى الطحاوي من حديث عروة عن عائشة قالت : " أقبلنا مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من غزوة كذا حتى إذا كنا بالمعرس قريبا من المدينة نعست من الليل ، وكانت على قلادة تدعى السمط تبلغ السرة ، فجعلت أنعس فخرجت من عنقي ، فلما نزلت مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لصلاة الصبح ( قلت ) يا رسول الله خرت قلادتي ، فقال للناس : إن أمكم قد ضلت قلادتها فابتغوها ، فابتغاها الناس ولم يكن معهم ماء ، فاشتغلوا بابتغائها إلى أن حضرتهم الصلاة ووجدوا القلادة ولم يقدروا على ماء فمنهم من تيمم إلى الكف ومنهم من تيمم إلى المنكب ، وبعضهم تيمم على جلدة ، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزلت آية التيمم " انتهى ، وقد ( قلت ) : إنهم لم يتيمم موا ، وهذا الحديث فيه تصريح بأنهم تيمموا . ( قلت ) هذا التيمم المختلف فيه عندهم كلا تيمم لعدم نزول النص حينئذ فصار كأنهم صلوا بغير طهور ، ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني في الكبير من حديث هشام بن عروة عن أبيه " عن عائشة أنها استعارت قلادة من أسماء ، فسقطت من عنقها ، فابتغوها ، فوجدوها ، فحضرت الصلاة ، فصلوا بغير طهور " الحديث ، وقوله : " بغير طهور " يتناول الماء والتراب ، فدل هذا أن التيمم الذي تيمموا على اختلاف صفته كان حكمه حكم العدم ألا يرى أنه لو كان معتبرا به ومعتدا قبل نزول الآية لما سأل عمار - رضي الله تعالى عنه - الذي هو أحد من تيمم ذلك التيمم المختلف فيه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن صفة التيمم ، فسؤاله هذا إنما كان بعد تيممه بذلك التيمم المختلف فيه ( فإن قلت ) هذا التيمم المختلف فيه هل هو عملوه باجتهاد ورأي من عندهم أم بالسنة ( قلت ) الظاهر أنه كان باجتهاد منهم فيرجع هذا إلى المسألة المختلف فيها ، وهي أن الاجتهاد في عصره - صلى الله عليه وسلم - هل يجوز أم لا ، فمنهم من جوزه مطلقا وهو المختار عند الأكثرين ، ومنهم من منعه مطلقا ، وقالت طائفة : يجوز للغائبين عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون الحاضرين ، ومنهم من جوزه إذا لم يوجد مانع . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، الأول : زكريا بن يحيى ، هكذا وقع في جميع الروايات زكريا بن يحيى من غير ذكر جده ولا نسبه ولا بشيء هو مشتهر به ، والحال أنه روى عن اثنين كل منهما يقال له : زكريا بن يحيى ، أحدهما : زكريا بن يحيى بن صالح اللؤلؤي البلخي الحافظ المتوفى ببغداد سنة ثلاثين ومائتين ، والآخر : زكريا بن يحيى بن عمر الطائي الكوفي أبو السكين بضم السين المهملة وفتح الكاف ، مات ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائتين ، وكلاهما يرويان عن عبد الله بن نمير ، فزكريا هذا يحتملهما فأيا كان منهما فهو على شرطه ، قال الكرماني : فلا يوجب الاشتباه بينهما قدحا في الحديث وصحته وميل الغساني والكلاباذي إلى الأول ، قال الغساني : حدث البخاري عن زكريا البلخي في التيمم وفي غيره ، وعن زكريا بن سكين في العيدين ، وقال الكلاباذي البلخي : يروي عن عبد الله بن نمير في التيمم ، انتهى ، وقال ابن عدي : هو زكريا بن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، وإلى هذا مال الدارقطني لأنه كوفي . الثاني : عبد الله بن نمير ، بضم النون الكوفي الثالث : هشام بن عروة الرابع : أبوه عروة بن الزبير الخامس : عائشة - رضي الله تعالى عنها -. ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين كوفي ومدني . ( ذكر بقية ما فيه من المعاني وغيرها ) قوله : " من أسماء " هي أخت عائشة - رضي الله تعالى عنها - وهي الملقبة بذات النطاقين ، تقدمت في باب من أجاز الفتيا بإشارة . ( فإن قلت ) قالت عائشة في الباب السابق : انقطع عقد لي ، ويفهم من هذا أنه كان لعائشة ، وههنا أنها استعارته من أسماء ، ( قلت ) : إنما أضافته إلى نفسها هناك باعتبار أنه كان تحت يدها وتصرفها . قوله : " فهلكت " أي ضاعت . قوله : " رجلا " هو أسيد بن حضير . قوله : " فوجدها " أي أصابها ، ولا منافاة بين قولها فيما مضى : فأصبنا العقد تحت البعير ، وبين قوله : " فوجدها " ؛ لأن لفظ أصبنا عام يشمل عائشة والرجل ، فإذا وجد الرجل بعد رجوعه صدق قوله : " أصبنا " . قوله : " فصلوا " أي بغير وضوء ، وقد صرح في صحيح مسلم بذلك قال النووي : فيه دليل على أن من عدم الماء والتراب يصلي على حاله ، وهذه المسألة فيها خلاف وهو أربعة أقوال ، وأصحها عند أصحابنا : أنه يجب عليه أن يصلي ويعيد الصلاة ، والثاني : أنه لا يجب عليه الصلاة ولكن يستحب ويجب عليه القضاء سواء صلى أو لم يصل ، والثالث : تحرم عليه الصلاة لكونه محدثا وتجب عليه الإعادة وهو قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ، والرابع : تجب الصلاة ولا تجب الإعادة ، وهو مذهب المزني ، وهو أقوى الأقوال دليلا ، ويعضده هذا الحديث ، فإنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إيجاب إعادة مثل هذه الصلاة . وقال ابن بطال : الصحيح من مذهب مالك أنه لا يصلي ولا إعادة عليه ، قياسا على الحائض ، وقال أبو عمر : قال ابن خواز منداد : الصحيح من مذهب مالك أن كل من لم يقدر على الماء ولا على الصعيد حتى خرج الوقت أنه لا يصلي ولا شيء عليه ، ورواه المدنيون عن مالك وهو الصحيح ، قال أبو عمر : كيف أقدم على أن أجعل هذا صحيحا وعلى خلافه جمهور السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين ؟ فكأنه قاسه على ما روي عن مالك فيمن كتفه الوالي وحبسه فمنعه من الصلاة حتى خرج وقتها أنه لا إعادة عليه ، ثم قال : والأسير المغلول والمريض الذي لا يجد من يناوله الماء ولا يستطيع التيمم لا يصلي وإن خرج الوقت حتى يجد إلى الوضوء أو التيمم سبيلا ، وعن الشافعي روايتان ، إحداهما : هكذا ، والأخرى : يصلي وأعاد إذا قدر ، وهو المشهور عنه . وقال أبو حنيفة في المحبوس في المصر : إذا لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا لم يصل ، وإذا وجده صلى . وقال أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي ، والثوري ، ومطرف : يصلي ويعيد . وقال أبو حنيفة : وأبو يوسف : ومحمد : والشافعي : إن وجد المحبوس في المصر ترابا نظيفا صلى وأعاد ، وقال زفر : لا يتيمم ولا يصلي وإن وجد ترابا نظيفا ؛ بناء على أن عنده لا تيمم في الحضر . وقال ابن القاسم : لو تيمم على التراب النظيف أو على وجه الأرض لم يكن عليه إعادة إذا صلى ثم وجد الماء ، وقال أبو عمر : أما الزمن قالوا إن لم يقدر على الماء ولا على الصعيد صلى كما هو وأعاد إذا قدر على الطهارة .