4 - بَاب الْمُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا 338 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبْ الْمَاءَ ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْمُتَيَمِّمِ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا ) أَيْ فِي يَدَيْهِ ، وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابُ هَلْ يَنْفُخُ فِي يَدَيْهِ بَعْدَمَا يَضْرِبُ بِهِمَا الصَّعِيدَ لِلتَّيَمُّمِ وَإِنَّمَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ فِيهِ احْتِمَالًا كَعَادَتِهِ ; لِأَنَّ النَّفْخَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ عَلِقَ بِيَدِهِ خَشِيَ أَنْ يُصِيبَ وَجْهَهُ الْكَرِيمَ ، أَوْ عَلِقَ بِيَدِهِ مِنَ التُّرَابِ شَيْءٌ لَهُ كَثْرَةٌ فَأَرَادَ تَخْفِيفَهُ لِئَلَّا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي وَجْهِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ التَّشْرِيعِ ، وَمِنْ ثَمَّ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ التَّيَمُّمَ بِغَيْرِ التُّرَابِ زَاعِمًا أَنَّ نَفْخَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرَطَ فِي التَّيَمُّمِ الضَّرْبُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْفِعْلُ مُحْتَمِلًا لِمَا ذَكَرَ أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِيَعْرِفَ النَّاظِرُ أَنَّ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالًا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ . الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ ، وَذَرٌّ بِالْمُعْجَمَةِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْهَبِيُّ . قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ الْآتِيَةِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبْزَى شَهِدَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ ، فَقَالَ عَمَّارٌ ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتَصَرَ فِيهَا جَوَابَ عُمَرَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنِ الْمُصَنِّفِ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ أَيْضًا بِدُونِهَا ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ رِوَايَةِ سِتَّةِ أَنْفُسٍ أَيْضًا عَنْ شُعْبَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ يَسُقْهُ تَامًّا مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، نَعَمْ ذَكَرَ جَوَابَ عُمَرَ ، مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُمَا فَقَالَ لَا تُصَلِّ زَادَ السَّرَّاجُ حَتَّى تَجِدَ الْمَاءَ وَلِلنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ . وَهَذَا مَذْهَبٌ مَشْهُورٌ عَنْ عُمَرَ ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَجَرَتْ فِيهِ مُنَاظَرَةٌ بَيْنَ أَبِي مُوسَى ، وَابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابٌ التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ ، وَقِيلَ إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ ، وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ تَوْجِيهَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ فِي ذَلِكَ وَالْجَوَابُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( فِي سَفَرٍ ) وَلِمُسْلِمٍ فِي سَرِيَّةٍ وَزَادَ فَأَجْنَبْنَا وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِثْلُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ شُعْبَةَ . قَوْلُهُ : ( فَتَمَعَّكْتُ ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بَعْدُ فَتَمَرَّغْتُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَقَلَّبْتُ ، وَكَأَنَّ عَمَّارًا اسْتَعْمَلَ الْقِيَاسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ إِذَا وَقَعَ بَدَلَ الْوُضُوءِ وَقَعَ عَلَى هَيْئَةِ الْوُضُوءِ رَأَى أَنَّ التَّيَمُّمَ عَنِ الْغُسْلِ يَقَعُ عَلَى هَيْئَةِ الْغُسْلِ . وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وُقُوعُ اجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ إِذَا بَذَلَ وُسْعَهُ وَإِنْ لَمْ يُصِبِ الْحَقَّ ، وَأَنَّهُ إِذَا عَمِلَ بِالِاجْتِهَادِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَفِي تَرْكِهِ أَمْرَ عُمَرَ أَيْضًا بِقَضَائِهَا مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ لَا يُصَلِّي وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي التَّيَمُّمِ هِيَ الصِّفَةُ الْمَشْرُوحَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ لَوْ ثَبَتَتْ بِالْأَمْرِ دَلَّتْ عَلَى النَّسْخِ وَلَزِمَ قَبُولُهَا ، لَكِنْ إِنَّمَا وَرَدَتْ بِالْفِعْلِ فَتُحْمَلُ عَلَى الْأَكْمَلِ ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَذَا لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ آدَمَ . قَوْلُهُ : ( وَنَفَخَ فِيهِمَا ) وَفِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ الْآتِيَةِ ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ النَّفْخِ ، وَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ نَفْخًا خَفِيفًا ، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ تَفَلَ فِيهِمَا وَالتَّفْلُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هُوَ دُونَ الْبَزْقِ ، وَالنَّفْثُ دُونَهُ . وَسِيَاقُ هَؤُلَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيمَ وَقَعَ بِالْفِعْلِ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَغَيْرِهِ - كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ - أَنَّ التَّعْلِيمَ وَقَعَ بِالْقَوْلِ ، وَلَفْظُهُمْ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ زَادَ يَحْيَى ثُمَّ تَنْفُخُ ثُمَّ تَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ وَاسْتُدِلَّ بِالنَّفْخِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِ التُّرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَعَلَى سُقُوطِ اسْتِحْبَابِ التَّكْرَارِ فِي التَّيَمُّمِ ; لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّخْفِيفِ ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ الْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ أَخْذًا مِنْ كَوْنِ عَمَّارٍ تَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ لِلتَّيَمُّمِ وَأَجْزَأَهُ ذَلِكَ ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ جَوَازُ الزِّيَادَةِ عَلَى الضَّرْبَتَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ ، وَسُقُوطُ إِيجَابِ التَّرْتِيبِ فِي التَّيَمُّمِ عَنِ الْجَنَابَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا · ص 528 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب هل ينفخ فيهما · ص 43 4 - باب هل ينفخ فيهما ؟ 338 - حدثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا الحكم ، عن ذر ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، قَالَ : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب ، فقال : إني أجنبت ، فلم أجد الماء ؟ فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب : أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت فصليت ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما كان يكفيك هكذا ، فضرب بكفيه الأرض ، ونفخ فيهما ، ثم مسح بهما وجهه وكفيه . وقد خرجه فيما بعد من وجه آخر ، وفيه : ثم نفضها بدل نفخ فيهما . وفي رواية لمسلم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمار : إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ، ثم تنفخ ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك . واستدل بهذا بعض من ذهب إلى أنه لا يشرط في المتيمم به أن يكون له غبار يعلق باليد ، كما هو قول مالك وأبي حنيفة والثوري وغيرهم ؛ لأن نفخ التراب من اليدين ونفضهما منه قد يزيل ما علق باليد منه أو يخففه حتّى لا يبقى منه ما يعم الوجه والكفين غباره ، فلو كان المسح بالغبار شرطا لكان ترك النفخ أولى . وأجاب عن ذلك بعض من يرى اشتراط الغبار الممسوح به ، كأصحاب الشافعي وأحمد : بأن النفخ يدل على أنه علق باليد من التراب ما يخفف منه بالنفخ ، وقد قال لعمار : إنما يكفيك هكذا ، فدل على أنه لا بد في التيمم من تراب يعلق باليد . وأجاب بعضهم : بأنه صلى الله عليه وسلم إنما ذكر النفخ لعمار لا لكون النفخ سنة ، بل ليبين له أن المبالغة في التيمم بالتمعك الذي فعله بالتراب ليس بسنة ، وأنه يكفي من ذلك أدنى ما يمكن أن يمسح به الوجه والكفان من غباره . وقد اختلف العلماء في نفخ اليدين من الغبار في التيمم : فمنهم من استحبه ، ومنهم من كرهه . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا تيمم ضرب بيديه ضربة ، فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيديه ضربة أخرى ، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين ، ولا ينفض يديه من التراب . وكره النفض حماد وغيره ، واستحبه الحسن ويحيى بن أبي كثير . واختلفت الرواية عن أحمد في ذَلكَ : فروي عنه أنه لم يذهب إلى النفخ . وروي عنه أنه قَالَ : إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل . ونقل عنه الميموني قَالَ : لا ينفخهما . ثم قَالَ : ومن الناس من ينفضهما ، ولست أنفضهما ، وكأني للنفخ أكره . ونقل عنه حنبل أنه ذكر حديث عمار هذا ، وقال : أذهب إليه . قيل له : ينفخ فيهما ؟ قَالَ : ينفخ فيهما ويمسحهما . قال الخلال : العمل من مذهبه : على أنه يجوز فعل ذلك كله : النفخ والنفض ، ويجوز تركه . وقال غيره من أصحابنا : إن كان التراب خفيفا كره النفخ ؛ لأنه ينقص به كمال التعميم بالطهور ، وإن كان كثيرا ففي كراهته روايتان ، والصحيح : لا يكره ؛ لأنه تخفيف لا يكره ابتداء ، فكذلك دواما . وللشافعي في تخفيف التراب بالنفخ ونحوه قولان : أحدهما : يستحب . والثاني : لا . وقيل : إن القديم استحبابه والجديد عدم استحبابه . واختلف أصحابه في ذلك على طريقين : فمنهم من قال : له قولان مطلقا . ومنهم من قال : هما منزلان على حالين ، فإن كان التراب كثيرا نفخ ، وإلا لم ينفخ . ونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : إن لزق بالكفين تراب كثير نفخهما ، وإن لم يلزق بهما تراب كثير أجزأه أن لا ينفخ . قال حرب : ووصف لنا إسحاق التيمم ، فضرب بيديه ، ثم نفخهما فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيديه الثانية ولم ينفخهما ، ثم مسح ظهور الكفين : اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى . وروى بإسناده ، عن عمار ، أنه غمس باطن كفيه بالتراب ثم نفخ يده ، ثم مسح وجهه ويديه إلى المفصل . وقال عمار : هذا التيمم . وبإسناده : عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه وصف التيمم فمسح ظهر يديه وذراعيه من لدن أصابعه إلى مرفقيه ، ثم من بطن اليدين من لدن مرفقه إلى أصابعه مرتين ينفضهما . ورواية الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر المتقدمة أصح من هذه . وذكر بعض المالكية : أن جواز نفض اليدين من التراب في التيمم قول مالك والشافعي دون استقصاء لما فيهما ، لكن لخشية ما يضر به من ذلك من تلويث وجهه ، أو شيء يؤذيه . وقال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ضرب بيديه الأرض للتيمم نفخ فيهما . واختلفوا في ذلك ، فكان الشعبي يقول : ينفضهما . وقال مالك : نفضا خفيفا . وقال الشافعي : لا بأس أن ينفض إذا بقي في يده غبار . وقال إسحاق نحوا من قول الشافعي . وقال أحمد : لا يضره فعل أو لم يفعل . وقال أصحاب الرأي : ينفضهما . وكان ابن عمر لا ينفض يديه . قال ابن المنذر : قول أحمد حسن .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المتيمم هل ينفخ فيهما · ص 16 ( باب المتيمم هل ينفخ فيهما ) أي هذا باب يذكر فيه المتيمم : هل ينفخ فيهما أي في اليدين ؟ وقال الكرماني : وفي بعض النسخ : هل ينفح في يديه بعدما يضرب بهما الصعيد للتيمم ، وإنما أورده بلفظ الاستفهام على سبيل الاستفسار ؛ لأن نفخه - صلى الله عليه وسلم - في يديه في التيمم على ما يأتي في حديث الباب . يحتمل وجوها ثلاثة ، الأول : أن يكون لشيء علق بيديه فخشي - عليه السلام - أن يصيب وجهه الكريم ، فنفخ لذلك ، والثاني : أن يكون قد علق بيده من التراب ما يكرهه فلذلك نفخ فيهما ، والثالث : أن يكون لبيان التشريع وهو الظاهر ، ولهذا احتج به أبو حنيفة ولم يشترط التصاق التراب بيد المتيمم ، فعلى هذا الاحتمالات المذكورة التي ذهب إليها بعضهم غير سديدة ، بل ظاهر الحديث لبيان التشريع والحكمة فيه إزالة التلويث عن الوجه واليدين ، وتبويب البخاري أيضا بالاستفهام غير سديد . ووجه المناسبة بين البابين ظاهر وهو أن المذكور فيما قبل هذا الباب أحكام التيمم والنفخ فيه أيضا من أحكامه . 5 - ( حدثنا آدم قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا الحكم عن ذر ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه ، قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال : إني أجنبت فلم أصب الماء ، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب : أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت ، فأما أنت فلم تصل ، وأما أنا فتمعكت ، فصليت ، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه ) . الحديث يطابق الترجمة من حيث ذكر النفخ ولكن ليس في الحديث استفهام فيه ، ولهذا قلنا أن تبويبه بالاستفهام ليس بسديد ( ذكر رجاله ) وهم ثمانية ، الأول : آدم بن أبي إياس ، وقد تكرر ذكره ، الثاني : شعبة بن الحجاج كذلك ، الثالث : الحكم - بفتحتين - ابن عتيبة - بضم العين وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة - مر في باب السمر بالعلم ، الرابع : ذر - بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء ابن عبد الله الهمداني بسكون الميم ، الخامس : سعيد بن عبد الرحمن بكسر العين ، السادس : أبوه عبد الرحمن بن أبزى - بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وبالزاي المفتوحة وبالقصر - وهو صحابي خزاعي كوفي ، استعمله علي - رضي الله تعالى عنه - على خراسان ، السابع : عمر بن الخطاب ، الثامن : عمار بن ياسر . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول ، وفيه ثلاثة من الصحابة ، وفيه أن رواته ما بين خراساني وكوفي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري ههنا عن آدم وأخرجه أيضا في الطهارة عن سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم ومحمد بن كثير وفرقهم ، وعن بندار عن غندر ستتهم عن شعبة عن الحكم ، وأخرجه مسلم فيه عن إسحاق بن منصور عن النضر بن شميل وعن عبد الله بن هاشم ، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير عن سفيان ، وعن محمد بن العلاء ، وعن محمد بن بشار ، وعن علي بن سهل الرملي ، وعن مسدد ، وعن محمد بن المنهال ، وعن موسى بن إسماعيل ، وأخرجه الترمذي فيه عن أبي حفص عمرو بن علي ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن بشار عن عبد الرحمن بن مهدي ، وعن عبد الله بن عبد الرحمن ، وعن عمرو بن يزيد ، وعن إسماعيل بن مسعود عن عبد الله بن محمد بن تميم ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن بندار عن غندر . ( ذكر ما فيه من الروايات واختلاف الألفاظ ) وفي لفظ للبخاري " ثم أدناهما من فيه " وفي لفظ قال " عمار كنا في سرية فأجنبنا وقال تفل فيهما " وفي لفظ " فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يكفيك الوجه والكفان " وفي لفظ قال : " عمار فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه " وفي لفظ " قال أبو موسى لابن مسعود : إذا لم تجد الماء لا تصل " . قال عبد الله : لو رخصت لهم في هذا كان إذا وجد أحدهم البرد قال هكذا ، يعني تيمم وصلى، قال أبو موسى : فـ( قلت ) : فأين قول عمار لعمر - رضي الله تعالى عنهما - قال : إني لم أر قنع عمر بقول عمار ، وفي لفظ " كيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : كان يكفيك ؟ قال : ألم تر عمر لم يقنع بذلك منه ، فقال أبو موسى : فدعنا من قول عمار كيف تصنع بهذه الآية ؟ فما درى عبد الله ما يقول " وفي لفظ " بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حاجة فأجنبت ، فلم أجد الماء ، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا وضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بها ظهر كفيه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بهما وجهه " وفي لفظ " مسح وجهه وكفيه واحدة " انتهى ، وهو ظاهر في تقديم الكف على الوجه ، وهو شاهد لما يراه أبو حنيفة رأى ذلك محمد بن إدريس ، وبقول أبي حنيفة قال ابن حزم ، وحكاه عن الأوزاعي وعند مسلم " ثم تمسح بهما وجهك وكفيك " وعند ابن ماجه من حديث محمد بن أبي ليلى القاضي عن الحكم وسلمة بن كهيل أنهما سألا عبد الله بن أبي أوفى عن التيمم فقال : أمر الله النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عمارا أن يفعل هكذا ، وضرب بيديه إلى الأرض ثم نفضهما ومسح على وجهه ، قال الحكم : ويديه ، وقال سلمة : ومرفقيه " وفي حديث عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار " فتيممنا مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلى المناكب " وسنده صحيح ، ومن حديث عبيد الله عن عمار عنده وعند أبي داود " حين تيمموا مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فأمر المسلمين فضربوا بأكفهم التراب ولم يقبضوا من التراب شيئا ، فمسحوا وجوههم مسحة واحدة ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم " قال أبو داود : وكذا رواه ابن إسحاق ، قال به عن ابن عباس ، وذكر ضربتين كما ذكره يونس عن الزهري ، ورواه معمر ضربتين ، وعنده أيضا بسند صحيح متصل عن عبيد الله عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - " فقام المسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضربوا بأيديهم إلى الأرض فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط " ، وفي لفظ بسند صحيح " ثم مسح وجهه ويديه إلى نصف الذراع " ، وفي لفظ " إلى نصف الساعد ولم يبلغ المرفقين ضربة واحدة " ، وفي رواية " شك سلمة بن كهيل قال : لا أدري فيه إلى المرفقين " يعني أو إلى الكفين ، ورواه شعبة عنه إلى المرفقين أو الذراعين قال شعبة : " كان سلمة يقول : إلى الكفين والوجه والذراعين ، فقال له منصور ذات يوم : انظر ما تقول فإنه لا يذكر الذراعين غيرك " وفي حديث موسى بن إسماعيل حدثنا أبان عن قتادة عمن حدثه عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إلى المرفقين " ، وقال الطبراني في الأوسط لم يروه عن أبان بن يزيد العطار إلا عفان ، وفي كتاب الدارقطني قال الحربي : فذكر لأحمد بن حنبل ، فعجب منه وقال : ما أحسنه ، وقال ابن حزم : هو حبر ساقط ، ورواه ابن أبي الذئب عن الزهري ، فذكر فيه ضربتين رواه ابن مردويه وعند الدارقطني " لما تمرغ عمار - رضي الله تعالى عنه - وسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضرب بكفه ضربة إلى الأرض ثم نفضها وقال : تمسح بها وجهك وكفيك إلى الرسغين " ، وقال : لم يروه عن حصين مرفوعا غير إبراهيم بن طهمان ، ووافقه شعبة وزائدة وغيرهما ، وعند الأثرم من رواية عنه " ثم تمسح بوجهك وكفيك إلى الرسغين " وفي الأوسط للطبراني عن عمار " تمسح وجهك وكفيك بالتراب ضربة للوجه وضربة للكفين " ، وقال : لم يروه يعني عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن أبزى إلا إبراهيم بن محمد الأسلمي ، وفي المعجم الكبير له " وضربة لليدين إلى المنكبين ظهرا وبطنا " ، وفي لفظ " ومن بطون أيديهم إلى الآباط " ، وفي لفظ " إلى المناكب والآباط " ، وفي لفظ " أما كان يكفيك من ذاك التيمم ، فإذا قدرت على الماء اغتسلت " ، وفي لفظ " عزبت في الإبل ، فأجنبت ، فأمرني بالتيمم وكنت تمعكت في التراب " ، وفي الكنى للنسائي أنه قال لعمر - رضي الله عنه - : " أما تذكر أنا كنا نتناوب رعية الإبل فأجنبت " ، وعند البيهقي بسند صحيح " أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال له إلى المرفقين " . ( ذكر معناه وإعرابه ) قوله : " جاء رجل " ، وفي رواية للطبراني " من أهل البادية " ، وفي رواية سليمان بن حرب الآتية أن عبد الرحمن بن أبزى شهد ذلك قوله : " إني أجنبت " بفتح الهمزة أي صرت جنبا ، ويروى جنبت بضم الجيم وكسر النون ، قوله : " فلم أصب الماء " بضم الهمزة من الإصابة أي لم أجد ، قوله : " أما تذكر " الهمزة للاستفهام وكلمة ما للنفي ، قوله : " في سفر " ، وفي رواية مسلم " في سرية " قوله : " أنا كنا في سفر " في محل النصب لأنه مفعول تذكر ، قوله : " أنا وأنت " تفسير لضمير الجمع في كنا ، قوله : " فأما أنت " تفصيل لما وقع من عمار وعمر - رضي الله تعالى عنهما - ولم يذكر في هذه الرواية جواب عمر ، وكذلك روى البخاري هذا الحديث في الباب الذي يليه من رواية ستة أنفس عن شعبة ولم يذكر فيها جواب عمر ، وذكره مسلم من طريق يحيى بن سعيد والنسائي عن حجاج بن محمد فقال : " لا تصل " وزاد السراج : " حتى تجد الماء " ، وهذا مذهب مشهور عن عمر - رضي الله تعالى عنه - ووافقه عليه عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - وجرت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن مسعود على ما سيأتي في باب التيمم ضربة ، وقيل : إن ابن مسعود رجع عن ذلك ( فإن قلت ) كيف جاز لعمر - رضي الله تعالى عنه - ترك الصلاة ( قلت ) معناه أنه لم يصل بالتيمم لأنه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت أو أنه جعل آية التيمم مختصة بالحدث الأصغر وأدى اجتهاده إلى أن الجنب لا يتيمم ، قوله : " فتمعكت " ، وفي الرواية الآتية بعد " فتمرغت " بالغين المعجمة أي تقلبت . ( ذكر استنباط الأحكام ) الأول : فيه أن عمر - رضي الله تعالى عنه - لم يكن يرى للجنب التيمم ؛ لقول عمار له : " فأما أنت فلم تصل " ، وقد ذكرنا أن البخاري لم يسق هذا الحديث بتمامه ، والأئمة الستة أخرجوه مطولا ومختصرا ، وروى أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أبزى " قال : كنت عند عمر - رضي الله تعالى عنه - فجاءه رجل فقال : إنا نكون بالمكان الشهر أو الشهرين ، فقال عمر : أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء ، قال : فقال عمار : يا أمير المؤمنين أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأصابتنا جنابة فأما أنا فتمعكت ، فأتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال : إنما كان يكفيك أن تقول هكذا وضرب بيديه إلى الأرض ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع ؟ فقال عمر : يا عمار اتق الله ، فقال : يا أمير المؤمنين إن شئت والله لم أذكره أبدا ، فقال عمر : كلا والله لنولينك ما توليت " . الثاني : فيه دليل على صحة القياس ؛ لقول عمار : " أما أنا فتمعكت " فإنه اجتهد في صفة التيمم ظنا منه أن حالة الجنابة تخالف حالة الحدث الأصغر فقاسه على الغسل ، وهذا يدل على أنه كان عنده علم من أصل التيمم ، ثم أنه لما أخبر به النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - علمه صفة التيمم فإنه للجنابة والحدث سواء . الثالث : فيه صفة التيمم ، وهي ضربة واحدة للوجه واليدين ، وبه قال عطاء والشعبي في رواية ، والأوزاعي في أشهر قوليه ، وهو مذهب أحمد وإسحاق والطبري ، وقال أبو عمر : وهو أثبت ما روى في ذلك عن عمار وسائر أحاديث عمار مختلف فيها ، وأجابوا عن هذا بأن المراد ههنا هو صورة الضرب للتعليم وليس المراد جميع ما يحصل به التيمم ، وقد أوجب الله غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء ثم قال في التيمم : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ والظاهر أن اليد المطلقة ههنا هي المقيدة في الوضوء من أول الآية ، فلا يترك هذا الصريح إلا بدلالة صريح ( فإن قلت ) ما تقول في حديثه " تيممنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المناكب والآباط " ( قلت ) ليس هو مخالفا لحديث الوجه والكفين ، ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما علمه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، وقال ابن أبي حازم : لا يخلو أن يكون حديث عمار بأمر أولا ، فإن يكن عن غير أمر فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلافه ، وإن كان عن أمر فهو منسوخ وناسخه حديث عمار أيضا . ثم إن العلماء اختلفوا في كيفية التيمم ، فذهب أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأصحابهم ، والليث بن سعد إلى أنه ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين غير أن عند مالك إلى الكوعين فرض وإلى المرفقين اختيار ، وقال الحسن بن حيي وابن أبي ليلى : التيمم ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه ، وقال الخطابي : لم يقل ذلك أحد من أهل العلم غيرهما في علمي . وقال الزهري : يبلغ بالتيمم الآباط ، وفي شرح الأحكام لابن بزيزة : قالت طائفة من العلماء : يضرب أربع ضربات ضربتان للوجه وضربتان لليدين ، وقال ابن بزيزة : وليس له أصل من السنة . وقال بعض العلماء : يتيمم الجنب إلى المنكبين ، وغيره إلى الكوعين ، قال : وهو قول ضعيف ، وفي القواعد لابن رشد : روى عن مالك الاستحباب إلى ثلاث ، والفرض اثنتان ، وقال ابن سيرين : ثلاث ضربات الثالثة لهما جميعا ، وفي رواية عنه : ضربة للوجه وضربة للكف وضربة للذراعين ، انتهى . ولما كانت لعمار في هذا الباب أحاديث مختلفة مضطربة ، وذهب كل واحد من المذكورين إلى حديث منها ، كان الرجوع في ذلك إلى ظاهر الكتاب ، وهو يدل على ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين قياسا على الوضوء وإتباعا بما روى في ذلك من أحاديث تدل على الضربتين إحداهما للوجه والأخرى لليدين إلى المرفقين ، منها حديث الأسلع بن شريك التميمي خادم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ذكرناه فيما مضى عن قريب ، وفيه ضربتان رواه الطحاوي ، والطبراني ، والدارقطني ، والبيهقي . ومنها حديث ابن عمر رواه الدارقطني مرفوعا من حديث نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين " قال الدارقطني : كذا رواه علي بن طهمان مرفوعا ، ووقفه يحيى القطان وهشيم وغيرهما وهو الصواب ، ورواه الطحاوي أيضا من طرق موقوفا . ومنها حديث جابر - رضي الله عنه - رواه الدارقطني من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : " التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين " وأخرجه البيهقي أيضا والحاكم أيضا من حديث إسحاق الحربي ، وقال : هذا إسناد صحيح . وقال الذهبي أيضا : إسناده صحيح ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته . وأخرجه الطحاوي وابن أبي شيبة موقوفا ، ووردت في ذلك آثار صحيحة ، منها : ما رواه الطحاوي من حديث قتادة عن الحسن أنه قال : " ضربة للوجه والكفين وضربة للذراعين إلى المرفقين " وروى عن إبراهيم وطاوس وسالم والشعبي وسعيد بن المسيب نحوه وروى محمد عن أبي حنيفة قال : حدثنا حماد عن إبراهيم في التيمم " قال : تضع راحتيك في الصعيد فتمسح وجهك ، ثم تضعهما الثانية فتمسح يديك وذراعيك إلى المرفقين " قال محمد : وبه نأخذ ، وقال ابن أبي شيبة في مصنفه : أخبرنا ابن مهدي عن زمعة عن ابن طاوس عن أبيه قال : " التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين " حدثنا ابن علية عن داود عن الشعبي قال : " التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين " ، وروى في ذلك أيضا عن أبي أمامة وعائشة - رضي الله تعالى عنهما - مرفوعا ولكنهما ضعيفان ، فحديث أبي أمامة أخرجه الطبراني بإسناده إليه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين " وفي إسناده جعفر بن الزبير ، قال شعبة : وضع أربع مائة حديث ، وحديث عائشة أخرجه البزار بإسناده عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " في التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين " وفي إسناده الحريش بن حريث ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة . الرابع : احتج به أبو حنيفة على جواز التيمم من الصخرة التي لا غبار عليها لأنه لو كان معتبرا لما نفخ - صلى الله عليه وسلم - في يديه . الخامس : فيه أن النفخ سنة أو مستحب .