3888 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قَالَ : هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، قَالَ : وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ قَالَ : هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرٌو ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : ( فِي قَوْلِهِ ) أَيْ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ( قَالَ : هِيَ رُؤْيَا أَعْيُنٍ أُرِيَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ) قُلْتُ : وَإِيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْمِعْرَاجِ مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَرَى اتِّحَادَ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ ، بِخِلَافِ مَا فُهِمَ عَنْهُ مِنْ إِفْرَادِ التَّرْجَمَتَيْنِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ تَرْجَمَتَهُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ : فُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَقَدْ تَمَسَّكَ بِكَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مَنْ قَالَ : الْإِسْرَاءُ كَانَ فِي الْمَنَامِ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ فِي الْيَقَظَةِ . فَالْأَوَّلُ أُخِذَ مِنْ لَفْظِ الرُّؤْيَا ، قَالَ : لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُخْتَصٌّ بِرُؤْيَا الْمَنَامِ ، وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي فَمِنْ قَوْلِهِ أُرِيَهَا لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، وَالْإِسْرَاءُ إِنَّمَا كَانَ فِي الْيَقَظَةِ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنَامًا مَا كَذَّبَهُ الْكُفَّارُ فِيهِ وَلَا فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ وَكَانَ الْمِعْرَاجُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَقَظَةِ أَيْضًا إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ : إِنَّهُ نَامَ لَمَّا وَصَلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ عُرِجَ بِهِ وَهُوَ نَائِمٌ ، وَإِذَا كَانَ فِي الْيَقَظَةِ فَإِضَافَةُ الرُّؤْيَا إِلَى الْعَيْنِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ رُؤْيَا الْقَلْبِ ، وَقَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى رُؤْيَا الْقَلْبِ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ : مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى وَرُؤْيَا الْعَيْنِ فَقَالَ : مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ . وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ : نَظَرَ مُحَمَّدٌ إِلَى رَبِّهِ جَعَلَ الْكَلَامَ لِمُوسَى وَالْخُلَّةَ لِإِبْرَاهِيمَ وَالنَّظَرَ لِمُحَمَّدٍ ، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ عَبَّاسٍ هُنَا بِرُؤْيَةِ الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ لِمَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِالرُّؤْيَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ رُؤْيَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ الْمُشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قَالَ هذا الْقَائِلُ : وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : فِتْنَةً لِلنَّاسِ - مَا وَقَعَ مِنْ صَدِّ الْمُشْرِكِينَ لَهُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . انْتَهَى . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادَ الْآيَةِ لَكِنِ الِاعْتِمَادُ فِي تَفْسِيرِهَا عَلَى تَرْجُمَانِ الْقُرْآنِ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ : هَلْ رَأَى رَبَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ ، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَطَائِفَةٌ ، وَأَثْبَتَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَطَائِفَةٌ . وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ، حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ مِنْ كِتَابِ التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ قَالَ : هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ الشَّجَرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ ، وَقَدْ قِيلَ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمِعْرَاجِ · ص 258 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المعراج · ص 30 371 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال : هي رؤيا عين ، أريها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به إلى بيت المقدس . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحميدي عبد الله بن الزبير ، وقد تكرر ذكره ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار ، والحديث أخرجه البخاري أيضا عن الحميدي في القدر ، وفي التفسير عن علي بن عبد الله ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمد بن يحيى ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن منصور . قوله : في قوله تعالى : أي في تفسير قوله تعالى : إِلا فِتْنَةً أي بلاء قاله سعيد بن المسيب . قوله : رؤيا عين قيد به للإشعار بأن الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة ، وقال الزمخشري : تعلق بهذه الآية من قال : كان الإسراء في المنام ، ومن قال : كان الإسراء في اليقظة ، فسر الرؤيا بالرؤية ، ويقال : قد أثبت الله تعالى في القرآن رؤيا القلب ، فقال : مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ورؤيا العين فقال : مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لقد رأى الآية ، وروى الطبراني في الأوسط بإسناد قوي عن ابن عباس قال : رأى محمد ربه مرتين ، ومن وجه آخر قال : نظر محمد إلى ربه ، جعل الكلام لموسى ، والخلة لإبراهيم ، والنظر لمحمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - . فظهر من ذلك أن مراد ابن عباس هاهنا رؤيا العين ، وفيه رد لمن قال : المراد بالرؤيا في هذه الآية رؤياه - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه دخل المسجد الحرام المشار إليها بقوله تعالى : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ قال هذا القائل : والمراد بقوله : فِتْنَةً لِلنَّاسِ ما وقع من صد المشركين له في الحديبية عن دخول المسجد الحرام انتهى ، قيل : هذا وإن كان ممكنا أن يكون المراد ، لكن الاعتماد في تفسيرها على ترجمان القرآن أولى ، والله أعلم . قال : وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ قال : هي شجرة الزقوم . أراد بهذا تفسير الشجرة المذكورة في بقية الآية المذكورة ، وهذا التفسير مروي عن سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، وقالوا أيضا : ما جعل رؤياه التي رآها - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلا فتنة للناس ؛ لأن جماعة ارتدوا وقالوا : كيف يُسرى به إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ؟ وقالوا في الشجرة : كيف تكون في النار ولا تأكلها النار ؟ فكان في ذلك فتنة لقوم ، وانتصارا لقوم ؛ منهم الصديق رضي الله تعالى عنه ، وقيل : إنما سمي الصديق حينئذ ، ومعنى كونها ملعونة للعن أكلها ، وقيل : العرب تقول لكل طعام ضار مكروه : ملعون ، والزقوم ما وصفه الله تعالى في كتابه العزيز فقال : إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ وهو فعول من الزقم ، وهو اللقم الشديد ، والشرب المفرط ، وفي الحديث أن أبا جهل قال : إن محمدا يخوفنا شجرة الزقوم ، هاتوا الزبد والتمر وتزقموا : أي كلوا ، وقيل : أكل الزبد والتمر بلغة إفريقية الزقوم .