45 - بَاب هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ . وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ . 3897 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ : عُدْنَا خَبَّابًا فَقَالَ : هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا ، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ نَمِرَةً ، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ إِذْخِرٍ ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا . 5833 قَوْلُهُ : ( بَابُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ) أَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ . وَذَكَرَ الْحَاكِمُ : أَنَّ خُرُوجَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ كَانَ بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا ، وَجَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ : بِأَنَّهُ خَرَجَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَعْدَ الْبَيْعَةِ بِشَهْرَيْنِ وَبِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْأُمَوِيُّ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَقَالَ : كَانَ مَخْرَجُهُ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ الْعَقَبَةِ بِشَهْرَيْنِ وَلَيَالٍ ، قَالَ : وَخَرَجَ لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ . قُلْتُ : وَعَلَى هَذَا خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَتَوَجَّهَ مَعَهُ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ، وَتَوَجَّهَ قَبْلَ ذَلِكَ بَيْنَ الْعَقَبَتَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ . وَيُقَالُ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَشْهَلِ الْمَخْزُومِيُّ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُوذِيَ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْحَبَشَةِ ، فَعَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهَا ، فَبَلَغَهُ قِصَّةُ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَأَسْنَدَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخَذَهَا مَعَهُ فَرَدَّهَا قَوْمُهَا فَحَبَسُوهَا سَنَةً ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ فَتَوَجَّهَتْ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ وَفِيهَا فَقَدِمَ أَبُو سَلَمَةَ الْمَدِينَةَ بُكْرَةً ، وَقَدِمَ بَعْدَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ عَشِيَّةً ثُمَّ تَوَجَّهَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا لِيُفَقِّهَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَسَيَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ قَوْلُ الْبَرَاءِ : أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ .. إِلَخْ ، ثم تَوَجَّهَ بَاقِي الصَّحَابَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ . ثُمَّ لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتَقَرَّ بِهَا خَرَجَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَمْنَعُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُمْ ، فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ يَخْرُجُ سِرًّا إِلَى أَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بِمَكَّةَ إِلَّا مَنْ غُلِبَ عَلَى أَمْرِهِ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلَ وَالثَّانِي . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَتَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ ، وَقَوْلُهُ : مِنَ الْأَنْصَارِ أَيْ كُنْتُ أَنْصَارِيًّا صِرْفًا فَمَا كَانَ لِي مَانِعٌ مِنَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ ، لَكِنَّنِي اتَّصَفْتُ بِصِفَةِ الْهِجْرَةِ ، وَالْمُهَاجِرُ لَا يُقِيمُ بِالْبَلَدِ الَّذِي هَاجَرَ مِنْهَا مُسْتَوْطِنًا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لَكُمُ الطُّمَأْنِينَةُ بِأَنِّي لَا أَتَحَوَّلُ عَنْكُمْ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي جَوَابِ قَوْلِهِمْ : أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَحَبَّ الْإِقَامَةَ بِمَوْطِنِهِ ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو مُوسَى .. إِلَخْ ) يَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : فَذَهَبَ وَهَلِي بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْهَاءِ أَيْ ظَنِّي ، يُقَالُ : وَهَلَ بِالْفَتْحِ يُهِلُّ بِالْكَسْرِ وَهْلًا بِالسُّكُونِ إِذَا ظَنَّ شَيْئًا فَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ ، وَقَوْلُهُ : أَوْ هَجَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ مِنَ الْبَحْرَيْنِ وَهِيَ مِنْ مَسَاكِنِ عَبْدِ الْقَيْسِ ، وَقَدْ سَبَقُوا غَيْرَهُمْ مِنَ الْقُرَى إِلَى الْإِسْلَامِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي ذَرٍّ أَوِ الْهَجَرَ بِزِيَادَةِ أَلْفٍ وَلَامٍ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ، وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَجَرَ هُنَا قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ خَطَأٌ فَإِنَّ الَّذِي يُنَاسِبُ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَيْهِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بَلَدًا كَبِيرًا كَثِيرَ الْأَهْلِ ، وَهَذِهِ الْقَرْيَةُ الَّتِي قِيلَ : إِنَّهَا كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا : هَجَرُ ، لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ ، وَإِنَّمَا زَعَمَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ فِي قَوْلِهِ : قِلَالُ هَجَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا قَرْيَةٌ كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ كَانَ يُصْنَعُ بِهَا الْقِلَالُ ، وَزَعَمَ آخَرُونَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هَجَرَ الَّتِي بِالْبَحْرَيْنِ كَأَنَّ الْقِلَالَ كَانَتْ تُعْمَلُ بِهَا وَتُجْلَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَعُمِلَتْ بِالْمَدِينَةِ عَلَى مِثَالِهَا ، وَأَفَادَ يَاقُوتُ أَنَّ هَجَرَ أَيْضًا بَلَدٌ بِالْيَمَنِ ، فَهَذَا أَوْلَى بِالتَّرَدُّدِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْيَمَامَةِ ؛ لِأَنَّ الْيَمَامَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ . وَقَوْلُهُ : فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسَمِّيَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَيْبَةَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ رَفَعَهُ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ سَبْخَةً بَيْنَ ظَهْرَانَيْ حَرَّتَيْنِ ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هَجَرَ أَوْ يَثْرِبَ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْيَمَامَةَ ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَيُّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نَزَلْتَ فَهِيَ دَارُ هِجْرَتِكَ : الْمَدِينَةُ أَوْ الْبَحْرَيْنِ أَوْ قِنَّسْرِينَ . اسْتَغْرَبَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَفِي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ ذِكْرِ الْيَمَامَةِ ؛ لِأَنَّ قِنَّسْرِينَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ مِنْ جِهَةِ حَلَبَ ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ النُّونِ الثَّقِيلَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ، بِخِلَافِ الْيَمَامَةِ فَإِنَّهَا إِلَى جِهَةِ الْيَمَنِ ، إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَأْخَذِ ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ جَرَى عَلَى مُقْتَضَى الرُّؤْيَا الَّتِي أُرِيهَا ، وَالثَّانِي يُخَيَّرُ بِالْوَحْيِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُرِيَ أَوَّلًا ثُمَّ خُيِّرَ ثَانِيًا فَاخْتَارَ الْمَدِينَةَ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : حَدِيثُ خَبَّابٍ هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ بِإِذْنِهِ ، وَإِلَّا فَلَمْ يُرَافِقِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَى أَبِي بَكْرٍ ، وَعَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ أَعَادَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ بَعْدَ بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ ، وَمَضَى شَيْءٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ · ص 266 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة · ص 35 باب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة . أي : هذا باب في بيان هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهجرة أصحابه إلى المدينة ، أما هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانت أول يوم من ربيع الأول ، بعد بيعة العقبة بشهرين وبضعة عشرة أيام ، وجزم به الأموي في المغازي ، عن ابن إسحاق ، وقدم المدينة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول ، وأما هجرة أصحابه فكان أبو بكر قد توجه معه ، وعامر بن فهيرة ، وتوجه قبل ذلك بين العقبتين جماعة ، منهم : ابن أم مكتوم ، ويقال : إن أول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، زوج أم سلمة ، وقدم بعده عامر بن ربيعة ، حليف بني عدي ، ثم توجه مصعب بن عمير ، ثم كان أول من هاجر بعد بيعة العقبة عامر بن ربيعة ، على ما ذكره ابن إسحاق ، ثم توجه باقي الصحابة شيئا فشيئا ، وعن شعبة ، عن إسحاق سمعت البراء بن عازب قال : أول ما قدم مصعب بن عمير ، وابن أم مكتوم ، فكانا يقرئان الناس ، وقدم بلال ، وسعد ، وعمار بن ياسر ، ثم قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عشرين من أصحابه ، ثم قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وفي مسلم التصريح بأن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه هاجر قبل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة . وقال عبد الله بن زيد ، وأبو هريرة رضي الله عنهما ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لولا الهجرة لكنت امْرَأً من الأنصار . تعليق عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري البخاري المازني ، أخرجه البخاري موصولا مطولا في المغازي في باب غزوة الطائف ، وذكره أيضا معلقا في باب مناقب الأنصار ، وكذلك أخرج تعليق أبي هريرة فيه في باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار . وقال أبو موسى ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل ، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة ، أو هجر ، فإذا هي المدينة يثرب . أبو موسى عبد الله بن قيس ، ومضى تعليقه في باب علامات النبوة مطولا ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : وهلي بفتح الواو والهاء وسكونها : أي وهمي ، واليمامة مدينة باليمن على مرحلتين من الطائف ، وهجر بفتح الهاء والجيم ، ويروى : والهجر بالألف واللام ، قال الكرماني : هي قرية قريبة من المدينة ، وقال بعضهم : وزعم بعض الشراح أن المراد بهجر هنا قرية قريبة من المدينة ، وهو خطأ ، فإن الذي يناسب أن يهاجر إليه لا بد وأن يكون بلدا كثير الأهل ، وهذه القرية الذي ذكرها لا يعرفها أحد . ( قلت ) : أراد به الحط على الكرماني حيث نسبه إلى الخطأ ، والذي قاله غير خطأ فهذا ياقوت ذكره في المشترك ، وكيف يقول : لا يعرفها أحد ، وقوله : لا بد إلى آخره غير مسلم ، فمن هو الذي شرط هذا من العلماء ، ولا ينزل - صلى الله عليه وسلم - في موضع إلا ويكثر أهله ويعظم شأنه ، ويثرب اسم مدينة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهو غير منصرف . 380 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا الأعمش ، قال : سمعت أبا وائل يقول : عدنا خبابا فقال : هاجرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نريد وجه الله ، فوقع أجرنا على الله ، فمنا من مضى لم يأخذ من أجره شيئا ، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد ، وترك نمرة ، فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه ، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه ، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نغطي رأسه ، ونجعل على رجليه شيئا من إذخر ، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها . مطابقته للترجمة في قوله : هاجرنا مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - والحميدي عبد الله بن الزبير ، وسفيان بن عيينة ، والأعمش سليمان ، وأبو وائل شقيق ، والكل قد ذكروا غير مرة ، والحديث قد مر في كتاب الجنائز في باب إذا لم يجد كفنا إلا ما يواري رأسه . قوله : هاجرنا مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - معناه هاجرنا بإذنه ؛ لأنه لم يهاجر مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلا أبو بكر ، وعامر بن فهيرة . قوله : نمرة بفتح النون وكسر الميم ، وهي كساء ملون مخطط ، أو بردة تلبسها الإماء ، وتجمع على نمرات ونمور . قوله : أينعت : أي أدركت ونضجت يقال : ينع الثمر ، وأينع يينع ويونع فهو يانع ومونع . قوله : يهدبها بكسر الدال وضمها : أي يقطعها ، ويجتنيها من هدب الثمرة إذا اجتناها .