3911 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ ، وَنَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ ، قَالَ : فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ : يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ ؟ فَيَقُولُ : هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ ، قَالَ : فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ ، فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هُوَ بِفَارِسٍ قَدْ لَحِقَهُمْ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فَارِسٌ قَدْ لَحِقَ بِنَا ، فَالْتَفَتَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ فَصَرَعَهُ الْفَرَسُ ، ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ مُرْنِي بِمَا شِئْتَ قَالَ : فَقِفْ مَكَانَكَ لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بِنَا . قَالَ : فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً لَهُ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَانِبَ الْحَرَّةِ ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْأَنْصَارِ ، فَجَاءُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِمَا وَقَالُوا : ارْكَبَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَفُّوا دُونَهُمَا بِالسِّلَاحِ ، فَقِيلَ فِي الْمَدِينَةِ : جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ ، جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَشْرَفُوا يَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ : جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ ، فَأَقْبَلَ يَسِيرُ حَتَّى نَزَلَ جَانِبَ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ ، فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ، وَهُوَ فِي نَخْلٍ لِأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهُمْ ، فَعَجِلَ أَنْ يَضَعَ الَّذِي يَخْتَرِفُ لَهُمْ فِيهَا ، فَجَاءَ وَهِيَ مَعَهُ فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ ؟ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ : أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَذِهِ دَارِي وَهَذَا بَابِي ، قَالَ : فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا ، قَالَ : قُومَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ ، فَلَمَّا جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ وَقَدْ عَلِمَتْ يَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ فَادْعُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ ، فَأَرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَقْبَلُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَيْلَكُمْ اتَّقُوا اللَّهَ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ فَأَسْلِمُوا ، قَالُوا : مَا نَعْلَمُهُ ، قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ ، قَالَ : فَأَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ؟ قَالُوا : ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا ، قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ ؟ قَالُوا : حَاشَا لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ ، قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ ؟ قَالُوا : حَاشَا لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ ، قَالَ : أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ ؟ قَالُوا : حَاشَا لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ ، قَالَ : يَا ابْنَ سَلَامٍ اخْرُجْ عَلَيْهِمْ ، فَخَرَجَ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، اتَّقُوا اللَّهَ ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّهُ جَاءَ بِحَقٍّ ، فَقَالُوا : كَذَبْتَ ، فَأَخْرَجَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ) هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ : أَظُنُّهُ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَبُو مُوسَى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدِ . قَوْلُهُ : ( مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُرْتَدِفٌ خَلْفَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى رَاحِلَةٍ أُخْرَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ أَيْ يَتْلُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَرَجَّحَ ابْنُ التِّينِ الْأَوَّلَ ، وَقَالَ : لَا يَصِحُّ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَمْشِيَ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قُلْتُ : إِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ الْخَبَرُ جَاءَ بِالْعَكْسِ كَأَنْ يَقُولَ : وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْتَدِفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَأَمَّا وَلَفْظُهُ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ فَلَا ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفَهُ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ ) يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ شَابَ ، وَقَوْلُهُ : يُعْرَفُ أَيْ لِأَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ ، بِخِلَافِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّهُ كَانَ بَعِيدَ الْعَهْدِ بِالسَّفَرِ مِنْ مَكَّةَ ، وَلَمْ يَشِبْ ، وَإِلَّا فَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَانَ هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَسَنَّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الَّذِينَ هَاجَرُوا أَشْمَطَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ . قَوْلُهُ : ( وَنَبِيُّ اللَّهِ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَسَنَّ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ : أَيُّمَا أَسَنُّ أَنَا أَوْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنْتَ أَكْرَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنِّي وَأَكْبَرُ ، وَأَنَا أَسَنُّ مِنْكَ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا مُرْسَلٌ ، وَلَا أَظُنُّهُ إِلَّا وَهَمًا . قُلْتُ : وَهُوَ كَمَا ظَنَّ ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا لِلْعَبَّاسِ ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَكَانَ قَدْ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا فَيَلْزَمُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي سِنِّ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( يَهْدِينِي السَّبِيلَ ) بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ فِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ : الْهُ النَّاسَ عَنِّي . فَكَانَ إِذَا سُئِلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : بَاغِي حَاجَةً . فَإِذَا قِيلَ : مَنْ هَذَا مَعَكَ ؟ قَالَ : هَادٍ يَهْدِينِي . وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ : وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مَعْرُوفًا فِي النَّاسِ فَإِذَا لَقِيَهُ لَاقٍ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرٍ : مَنْ هَذَا مَعَكَ ؟ فَيَقُولُ : هَادٍ يَهْدِينِي يُرِيدُ الْهِدَايَةَ فِي الدِّينِ وَيَحْسَبُهُ الْآخَرُ دَلِيلًا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فَارِسٌ ) وَهُوَ سُرَاقَةُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ قِصَّتِهِ فِي الْحَدِيثِ الْحَادِيَ عَشَرَ ، وَوَقَعَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ فِي سَفَرِهِمْ ذَلِكَ قَضَايَا : مِنْهَا نُزُولُهُمْ بِخَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ ، وَقِصَّتُهَا أَخْرَجَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ مُطَوَّلَةً ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ شَبِيهًا بِأَصْلِ قِصَّتِهَا فِي لَبَنِ الشَّاةِ الْمَهْزُولَةِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ صِفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَا نَسَبَهَا ، فَاحْتَمَلَ التَّعَدُّدَ . وَمَرَّ بِعَبْدٍ يَرْعَى غَنَمًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى مِنْ طَرِيقِ إِيَاسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ مَرُّوا بِإِبِلٍ لَنَا بِالْجُحْفَةِ ، فَقَالَا : لِمَنْ هَذِهِ ؟ قَالَ : لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ . فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : سَلِمْتَ . قَالَ : مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ : مَسْعُودٌ ، فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : سَعِدْتَ . وَوَصَلَهُ ابْنُ السَّكَنِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ إِيَاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَوْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَجَرٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ مُطَوَّلًا وَفِيهِ : إنَّ أَوْسًا أَعْطَاهُمَا فَحَلَّ إِبِلَهُ ، وَأَرْسَلَ مَعَهُمَا غُلَامَهُ مَسْعُودًا ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَهُمَا حَتَّى يَصِلَا الْمَدِينَةَ . وَتَحْدِيثُ أَنَسٍ بِقِصَّةِ سُرَاقَةَ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ ، وَلَعَلَّهُ حَمَلَهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِهِ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَ عَنْهُ بِطَرَفِ من حديث الْغَارِ وَهُوَ قَوْلُهُ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا .. الْحَدِيثَ . وَقَوْلُهُ فِيهِ : فَصَرَعَهُ عَنْ فَرَسِهِ ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ قَالَ ابْنُ التِّينِ : فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ إِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَلَا يَجُوزُ فَصَرَعَهُ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَلَا يُقَالُ ثُمَّ قَامَتْ . قُلْتُ : وَإِنْكَارُهُ مِنَ الْعَجَائِبِ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ ذَكَّرَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْفَرَسِ وَأَنَّثَ بِاعْتِبَارِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ أُنْثَى . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْأَنْصَارِ فَجَاءُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِمَا وَقَالُوا : ارْكَبَا آمَنَيْنِ مُطَاعَيْنِ ، فَرَكِبَا ) طَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ قِصَّةَ إِقَامَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ عَشَرَ ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ : فَنَزَلَ جَانِبَ الْحَرَّةِ فَأَقَامَ بِقُبَاءَ الْمُدَّةَ الَّتِي أَقَامَهَا وَبَنَى بِهَا الْمَسْجِدَ ثُمَّ بَعَثَ .. إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى نَزَلَ جَانِبَ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ عَشَرَ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : إِنِّي لَأَسْعَى مَعَ الْغِلْمَانِ إِذْ قَالُوا : جَاءَ مُحَمَّدٌ ، فَنَنْطَلِقُ فَلَا نَرَى شَيْئًا ، حَتَّى أَقْبَلَ وَصَاحِبُهُ ، فَكَمَنَّا فِي بَعْضِ خِرَبِ الْمَدِينَةِ وَبَعَثْنَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُؤَذِّنُ بِهِمَا ، فَاسْتَقْبَلَهُ زُهَاءُ خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا : انْطَلِقَا آمَنَيْنِ مُطَاعَيْنِ .. الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ ) الضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ) بِالتَّخْفِيفِ ابْنُ الْحُوَيْرِثِ الْإِسْرَائِيلِيُّ يُكَنَّى أَبَا يُوسُفَ ، يُقَالُ : كَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنُ فَسُمِّيَ عَبْدَ اللَّهِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ . قَوْلُهُ : ( يَخْتَرِفُ لَهُمْ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ أَيْ يَجْتَنِي مِنَ الثِّمَارِ . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ وَهِيَ مَعَهُ ) أَيِ الثَّمَرَةُ الَّتِي اجْتَنَاهَا ، وَفِي بَعْضِهَا وَهُوَ أَيِ الَّذِي اجْتَنَاهُ . قَوْلُهُ : ( فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ ) وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ .. الْحَدِيثَ ، قَالَ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ : ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ يَعْنِي سِيَاقَ أَحْمَدَ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَلَفْظُهُ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ لِقُدُومِهِ فَكُنْتُ فِيمَنِ انْجَفَلَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ لَمَّا قَدِمَ قُبَاءَ ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ بِدَارِ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَ : فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ مَرَّتَيْنِ . قُلْتُ : لَيْسَ فِي الْأَوَّلِ تَعْيِينُ قُبَاءَ ، فَالظَّاهِرُ الِاتِّحَادُ وَحَمْلُ الْمَدِينَةِ هُنَا عَلَى دَاخِلِهَا . قَوْلُهُ : ( أَيُّ بُيُوتُ أَهْلِنَا أَقْرَبُ ) تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الْحَدِيثِ الثَّالِثِ عَشَرَ ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمْ أَهْلَهُ لِقَرَابَةِ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ وَالِدَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّهِ وَهِيَ سَلْمَى بِنْتُ عَوْفٍ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَزَلَ عَلَى أَخْوَالِهِ أَوْ أَجْدَادِهِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ . قَوْلُهُ : ( فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا ) أَيْ مَكَانًا تَقَعُ فِيهِ الْقَيْلُولَةُ ( قَالَ : قُومَا ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : فَذَهَبَ فَهَيَّأَ ، وَقَدْ وَقَعَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : فَانْطَلَقَ فَهَيَّأَ لَهُمَا مَقِيلًا ثُمَّ جَاءَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السُّفْلِ وَنَزَلَ هُوَ وَأَهْلُهُ فِي الْعُلْوِ ، ثُمَّ أَشْفَقَ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى تَحَوَّلَ إِلَى الْعُلْوِ وَنَزَلَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى السُّفْلِ . وَنَحْوَهُ فِي طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيرِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى . وَأَفَادَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ أَقَامَ بِمَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى بَنَى بُيُوتَهُ ، وَأَبُو أَيُّوبَ هُوَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ، وَبَنُو النَّجَّارِ مِنَ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَيُقَالُ : إِنَّ تُبَّعًا لَمَّا غَزَا الْحِجَازَ وَاجْتَازَ يَثْرِبَ خَرَجَ إِلَيْهِ أَرْبَعُمِائَةِ حَبْرٍ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا يَجِبُ مِنْ تَعْظِيمِ الْبَيْتِ ، وَأَنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ يَكُونُ مَسْكَنَهُ يَثْرِبُ ، فَأَكْرَمَهُمْ وَعَظَّمَ الْبَيْتَ بِأَنْ كَسَاهُ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَسَاهُ ، وَكَتَبَ كِتَابًا وَسَلَّمَهُ لِرَجُلٍ مِنْ أُولَئِكَ الْأَحْبَارِ ، وَأَوْصَاهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ أَدْرَكَهُ ، فَيُقَالُ : إِنَّ أَبَا أَيُّوبَ مِنْ ذُرِّيَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ . حَكَاهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ تُبَّعٍ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ إِلَى مَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ ( جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ) أَيْ إِلَيْهِ ( فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا قَبْلَ كِتَابِ الْمَغَازِي أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُ بِهَا أَسْلَمَ . وَلَفْظُهُ فَأَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَقَالَ : إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ : مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ ؟ فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ جَوَابَ مَسَائِلِهِ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ .. الْحَدِيثَ . وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ : سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَرَفْتُ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ ، فَكُنْتُ مُسِرًّا لِذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، فَسَمِعْتُ بِهِ وَأَنَا عَلَى رَأْسِ نَخْلَةٍ ، فَكَبَّرْتُ ، فَقَالَتْ لِي عَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ : لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى مَا زِدْتَ . فَقُلْتُ : وَاللَّهِ هُوَ أَخُو مُوسَى ، بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ . فَقَالَتْ لِي : يَا ابْنَ أَخِي هُوَ الَّذِي كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُ سَيُبْعَثُ مَعَ نَفْسِ السَّاعَةِ . قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَتْ : فَذَاكَ إِذًا ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَيْهِ فَأَسْلَمْتُ ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِي فَأَمَرْتُهُمْ فَأَسْلَمُوا ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ : إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ .. الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( وَلَقَدْ عَلِمَتْ يَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ ) فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ قَرِيبًا : قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ ثَمَّ . قَوْلُهُ : ( قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ ) فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ بَهَتُونِي عِنْدَكَ . قَوْلُهُ : ( فَأَرْسَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ إِلَى الْيَهُودِ فَجَاءُوا . قَوْلُهُ : ( فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ) أَيْ بَعْدَ أَنِ اخْتَبَأَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ هُنَاكَ . وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ فَأَدْخِلْنِي فِي بَعْضِ بُيُوتِكَ ثُمَّ سَلْهُمْ عَنِّي ، فَإِنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا بِذَلِكَ بَهَتُونِي وَعَابُونِي . قَالَ : فَأَدْخَلَنِي بَعْضَ بُيُوتِهِ . قَوْلُهُ : ( سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا ، وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا ) فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا ، وَأَفْضَلُنَا وَابْنُ أَفْضَلِنَا وَفِي تَرْجَمَةِ آدَمَ أَخْيَرُنَا بِصِيغَةِ أَفْعَلَ ، وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَيِّدُنَا ، وَأَخْيَرُنَا ، وَعَالِمُنَا وَلَعَلَّهُمْ قَالُوا جَمِيعَ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ بِالْمَعْنَى . قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا : شَرُّنَا ) وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالُوا : كَذَبْتَ ثُمَّ وَقَعُوا فِيَّ . قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا : كَذَبْتَ ، فَأَخْرَجَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ بُهُتٌ أَهْلُ غَدْرٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فَنَقَصُوهُ فَقَالَ : هَذَا مَا كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ . الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ · ص 293 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة · ص 52 392 - حدثني محمد ، حدثنا عبد الصمد ، حدثنا أبي ، حدثنا عبد العزيز بن صهيب ، حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال : أقبل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وهو مردف أبا بكر ، وأبو بكر شيخ يعرف ، ونبي الله - صلى الله عليه وسلم - شاب لا يعرف ، قال : فيلقى الرجل أبا بكر فيقول : يا أبا بكر ، من هذا الرجل الذي بين يديك ؟ فيقول : هذا الرجل يهديني السبيل ، قال : فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق ، وإنما يعني سبيل ، الخير فالتفت أبو بكر ، فإذا هو بفارس قد لحقهم ، فقال : يا رسول الله ، هذا فارس قد لحق بنا ، فالتفت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : اللهم اصرعه ، فصرعه الفرس ، ثم قامت تحمحم ، فقال : يا نبي الله ، مرني بم شئت قال : فقف مكانك لا تتركن أحدا يلحق بنا قال : فكان أول النهار جاهدا على نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان آخر النهار مسلحة له ، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جانب الحرة ، ثم بعث إلى الأنصار ، فجاؤوا إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ، فسلموا عليهما ، وقالوا : اركبا آمنين مطاعين ، فركب نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ، وحفوا دونهما بالسلاح ، فقيل في المدينة : جاء نبي الله ، جاء نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فأشرفوا ينظرون ويقولون : جاء نبي الله جاء نبي الله ، فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب ، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام ، وهو في نخل لأهله يخترف لهم ، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها ، فجاء وهي معه ، فسمع من نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ثم رجع إلى أهله ، فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : أي بيوت أهلنا أقرب ؟ فقال أبو أيوب : أنا يا نبي الله ، هذه داري ، وهذا بابي قال : فانطلق فهيئ لنا مقيلا ، قال : قوما على بركة الله تعالى ، فلما جاء نبي الله - صلى الله عليه وسلم - جاء عبد الله بن سلام ، فقال : أشهد أنك رسول الله ، وأنك جئت بحق ، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم ، وأعلمهم وابن أعلمهم ؛ فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت ، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في ، فأرسل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبلوا ، فدخلوا عليه ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا معشر اليهود ، ويلكم اتقوا الله ، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا ، وأني جئتكم بحق فأسلموا ، قالوا : ما نعلمه قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - قالها ثلاث مرار ، قال : فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام ؟ قالوا : ذاك سيدنا وابن سيدنا ، وأعلمنا وابن أعلمنا ، قال : أفرأيتم إن أسلم ؟ قالوا : حاشى لله ما كان ليسلم ، قال : أفرأيتم إن أسلم ؟ قالوا : حاشى لله ما كان ليسلم قال : أفرأيتم إن أسلم ؟ قالوا : حاشى لله ما كان ليسلم قال : يا ابن سلام ، اخرج عليهم ، فخرج فقال : يا معشر اليهود ، اتقوا الله ، فوالله الذي لا إله هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، وأنه جاء بحق فقالوا له : كذبت فأخرجهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . مطابقته للترجمة في قوله : أقبل نبي الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلى المدينة ، وإقباله إليها هو هجرته ، وشيخه محمد الذي ذكره مجردا هو محمد بن سلام ، وقال أبو نعيم في مستخرجه : أظن أنه محمد بن المثنى ، وعبد الصمد يروي عن أبيه عبد الوارث بن سعيد البصري ، والحديث من أفراده . قوله : وهو مردف الواو فيه للحال ، وقال الداودي : يحتمل أنه مرتدف خلفه على الراحلة التي هو عليها ، ويحتمل أن يكون على راحلة أخرى وراءه ، قال الله تعالى : بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ أي يتلو بعضهم بعضا ، واعترض عليه ابن التين بأن الاحتمال الثاني غير صحيح ؛ لأنه يلزم منه أن يمشي أبو بكر بين يدي النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأجاب بعضهم عن هذا بأنه إنما يلزم ذلك لو كان الخبر جاء بالعكس ، كأن يقول : والنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مرتدف خلف أبي بكر ، وأما عن لفظ : وهو مردف فلا ، ( قلت ) : في كل كلامي المعترض ، والمجيب نظر ؛ أما كلام المعترض فلا نسلم فيه الملازمة التي ذكرها ، ولئن سلمنا فماذا يترتب إذا مشى أبو بكر بين يدي النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بل هو المطلوب عند الملوك ، وأكابر الناس ، ولا ثَمَّةَ مَلكٍ وَلَا كَبِيرَ أَشرف من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولا أجل قدرا ، وأما كلام المجيب فإنه يسقط بسقوط الاعتراض . قوله : وأبو بكر شيخ يعرف أما كونه شيخا فلأنه قد شاب ، ومع هذا فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أسن من أبي بكر على الصحيح ، لكن كان شعر أبي بكر أبيض ، وأكثر بياضا من شعر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأما كونه يعرف فلأنه كان يمر على أهل المدينة في سفر التجارة بخلاف النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - . قوله : يهديني السبيل ، وسبب هذا القول ما ذكره ابن سعد في رواية له : أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال لأبي بكر : أله الناس عني ، فكان إذا سئل من أنت ؟ قال : باغي حاجة ، فإذا قيل : من هذا ؟ قال : هاد يهديني ، يريد الهداية في الدين ، ويحسبه الآخر دليلا . قوله : ويحسب : أي يظن . قوله : فقال يا رسول الله ، هذا فارس ، هو سراقة بن مالك جعشم . قوله : ثم قامت تحمحم من الحمحمة بالمهملتين ، وهي صوت الفرس ، وقال ابن التين : في هذا الكلام نظر ؛ لأن الفرس إن كانت أنثى فلا يجوز فصرعه ، وإن كان ذكرا فلا يقال : ثم قامت ، وقال بعضهم : وإنكاره من العجائب ، والجواب أنه ذكر باعتبار لفظ الفرس ، وأنث باعتبار ما في نفس الأمر من أنها كانت أنثى انتهى . ( قلت ) : الجواب الذي يقال ما قاله أهل اللغة ، منهم الجوهري : الفرس يقع على الذكر والأنثى ، ولم يقل أحد : إنه يذكر باعتبار لفظه ، ويؤنث باعتبار أنها كانت أنثى ، فهذا الذي ذكره على قوله يمشي في غير الفرس أيضا ، ولكن لم يقل به أحد ، ولا له وجه . قوله : لا تتركن أحدا يلحق بنا هو كقولهم : لا تدن من الأسد يهلكك ، قال الكرماني : وهو ظاهر على مذهب الكسائي ، ولم يبين ذلك ، ( قلت ) : هذا المثال غير صحيح عند غير الكسائي ؛ لأن فيه فساد المعنى ؛ لأن انتفاء الدنو ليس سببا للهلاك ، والكسائي يجوز هذا ؛ لأنه يقدر الشرط إيجابيا في قوة إن دنوت من الأسد يهلكك ، وتحقيقه يعرف في موضعه . قوله : مسلحة له : أي يدفع عنه الأذى ، وقال الكرماني : المسلحة بفتح الميم صاحب السلاح . ( قلت ) : فيه ما فيه قال الجوهري : المسلحة قوم ذوو سلاح ، والمسلحة كالثغر والمرقب ، وقال ابن الأثير : المسلحة القوم الذين يحفظون الثغور من العدو ، وسموا مسلحة ؛ لأنهم يكونون ذوو سلاح ، أو لأنهم يسكنون المسلحة ، وهي كالثغر ، والمرقب يكون فيه أقوام يرقبون العدو ؛ لئلا يطرقهم على غفلة ، فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له ، والجمع مسالح . قوله : عليهما : أي على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر رضي الله تعالى عنه . قوله : آمنين تثنية آمن ، نصب على الحال ، وكذا قوله : مطاعين تثنية مطاع ، نصب على الحال ، إما من المتداخلة أو المترادفة . قوله : وحفوا دونهما : أي أحدقوهما بالسلاح ، قال الله تعالى : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ أي محدقين . قوله : فأقبل : أي رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - . قوله : يسير حال : أي أقبل حال كونه سائرا . قوله : فإنه ليحدث أهله الضمير في إنه يرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . قوله : إذ سمع كلمة إذ للمفاجأة . قوله : وهو في نخل الواو فيه للحال . قوله : يخترف لهم بالخاء المعجمة وبالفاء : أي يجتني من الثمار . قوله : فعجل : أي استعجل . قوله : لهم : أي لأهله . قوله : فيها : أي في النخل ، النخل والنخيل بمعنى ، والواحدة نخلة . قوله : فجاء وهي معه ، الواو فيه للحال : أي الثمرة التي اجتناها معه ، ويروى : وهو معه : أي الذي اجتناه . قوله : أهلنا إنما قال - صلى الله عليه وسلم - أهلنا لقرابة ما بينهم من النساء ؛ لأن جدته والدة عبد المطلب ، وهي سلمى بنت عمرو منهم : أي من بني مالك بن النجار ، ولهذا جاء في حديث البراء أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - نزل على أخواله أو أجداده من بني النجار . قوله : مقيلا : أي مكانا يقيل فيه ، والمقيل أيضا النوم نصف النهار ، وقال الأزهري : القيلولة ، والمقيل الاستراحة نصف النهار كان معها نوم أو لا ؛ بدليل قوله تعالى : وَأَحْسَنُ مَقِيلا والجنة لا نوم فيها ، يقال : قلت أقيل قائلة وقيلولة ومقيلا ، قال الداودي : فهي لنا مقيلا يعني دار أبي أيوب رضي الله تعالى عنه . قوله : فلما جاء نبي الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : أي إلى منزل أبي أيوب ، جاء عبد الله بن سلام إليه . قوله : قالوا في بتشديد الياء في الموضعين . قوله : فدخلوا عليه : أي على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد أن خبأ عبد الله بن سلام ، وفي رواية يحيى بن عبد الله ، فأدخلني في بعض بيوتك ، ثم سلهم عني ؛ فإنهم إن علموا بذلك بهتوني وعابوني قال : فأدخلني بعض بيوته . قوله : قال : يا ابن سلام : أي قال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يا عبد الله بن سلام ، اخرج عليهم ، إنما قال : عليهم دون لهم ؛ لأنه صار عدوا لهم بإسلامه ومفارقته إياهم . قوله : فأخرجهم : أي من عنده .