49 - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَمَرْثِيَتِهِ لِمَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ 3936 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : عَادَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ مَرَضٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى ، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ يَا سَعْدُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ورثتك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ - قال أحمد بن يونس عن إبراهيم : أن تذر ذريتك - وَلَسْتَ بِنَافِقٍ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهة اللَّهِ إِلَّا آجَرَكَ اللَّهُ بِهَا ، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً ، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ . يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، وَمُوسَى ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَمَرْثِيَتُهُ لِمَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ) بِتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلٍ . وَالْمَرْثِيَةُ تَعْدِيدُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا التَّوَجُّعُ لَهُ لِكَوْنِهِ مَاتَ فِي الْبَلَدِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ قَبْلُ بِبَابٍ . قَوْلُهُ : ( وَرَثَتَكَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالْقَابِسِيِّ ذُرِّيَّتَكَ ، وَرِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى ; لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدْ بَيَّنَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهَا لِغَيْرِ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ شَيْخِهِ هُنَا . قَوْلُهُ : ( وَلَسْتَ بِنَافِقٍ ) كَذَا هُنَا ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِمُنْفِقٍ وَهُوَ الصَّوَابُ . قَوْلُهُ : ( أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ لِلتَّعْلِيلِ ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَتَرَدَّدَ فِيهِ فَقَالَ : إِنْ كَانَ بِالْفَتْحِ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الصَّدَرِ مِنْ حَجَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ ، وَإِنْ كَانَ بِالْكَسْرِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّهُ يُرِيدُ التَّخَلُّفَ بَعْدَ الصَّدَرِ فَخَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْرِكَهُ أَجَلُهُ بِمَكَّةَ . قُلْتُ : وَالْمَضْبُوطُ الْمَحْفُوظُ بِالْفَتْحِ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَ بَعْدَ حَجِّهِ ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ) يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ ( أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ ) أَمَّا رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ فَأَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي آخِرِ الْمَغَازِي ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مُوسَى وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ فَأَخْرَجَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الدَّعَوَاتِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَمَرْثِيَتِهِ لِمَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ · ص 316 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ومرثيته لمن مات بمكة · ص 67 باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ومرثيته لمن مات بمكة . أي : هذا باب في ذكر قول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ويأتي تفسيره في حديث الباب . قوله : ومرثيته بالجر عطف على قوله : قول النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أي : وفي ذكر مرثية النبي للذين ماتوا بمكة ، وهو من رثى للميت إذا رق له ، ورثيته إذا بكيته وعددت محاسنه ، والمراد من مرثيته هنا التوجع له لكونه مات في البلدة التي هاجر منها . 414 - حدثنا يحيى بن قزعة ، حدثنا إبراهيم ، عن الزهري ، عن عامر بن سعد بن مالك عن أبيه قال : عادني النبي - صلى الله عليه وسلم - عام حجة الوداع من مرض أشفيت منه على الموت ، فقلت : يا رسول الله ، بلغ بي من الوجع ما ترى ، وأنا ذو مال ، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة ، أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : لا ، قال : فأتصدق بشطره ؟ قال : لا ، قال : الثلث يا سعد ، والثلث كثير ، إنك أن تذر ذريتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ، قال أحمد بن يونس وموسى عن إبراهيم : أن تذر ورثتك ، ولست بنافق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرك الله بها ، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك ، قلت : يا رسول الله ، أخلف بعد أصحابي ، قال : إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ، ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون ، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة ، يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن توفي بمكة . مطابقته للترجمة في قوله : اللهم أمض لأصحابي هجرتهم إلى آخر الحديث . ويحيى بن قزعة بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحات ، الحجازي ، وهو من أفراده ، وإبراهيم هو ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، يروي عن محمد بن مسلم الزهري ، وسعد بن مالك هو سعد بن أبي وقاص ، وهذا الحديث قد مر في كتاب الجنائز في باب رثاء النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - سعد بن خولة ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه إلى آخره ، ومر الكلام فيه هناك . قوله : أشفيت أي : أشرفت من الوجع منه ، أي : من المرض . قوله : أن تذر ذريتك هكذا في رواية الكشميهني والقابسي ، وفي رواية الأكثرين ورثتك . قوله : وأن بفتح الهمزة ويروى بكسرها ، وجزاؤه قوله : خير . قوله : عالة جمع العائل ، وهو الفقير . قوله : يتكففون أي : يبسطون أكفهم إلى الناس للسؤال . قوله : قال أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس أحد مشايخ البخاري . قوله : وموسى هو موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي ، وهو أيضا أحد مشايخ البخاري . قوله : عن إبراهيم هو ابن سعد ، فتعليق أحمد أخرجه البخاري في حجة الوداع في آخر المغازي ، وتعليق موسى أخرجه في الدعوات . قوله : بنافق يستعمل بمعنى منفق ، وهو رواية الكشميهني أعني منفق ، وهو الصواب . قوله : إلا أجرك الله بقصر الهمزة . قوله : وأخلف على صيغة المجهول ، أي : في مكة أو في الدنيا . قوله : أمض من الإمضاء ، أي : أنفذها وتممها لهم ولا تنقصها عليهم . قوله : لكن البائس هو شديد الحاجة أو الفقير . قوله : يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلام سعد بن أبي وقاص ، والأكثر على أنه كلام الزهري . قوله : أن توفي بفتح الهمزة للتعليل ، أي : لأجل أنه توفي في مكة ، ويروى أنه مات بمكة .