2 - بَاب ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُقْتَلُ بِبَدْرٍ 3950 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ صَدِيقًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ ، وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ . فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا ، فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ لِأُمَيَّةَ : انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ . فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ : يَا أَبَا صَفْوَانَ ، مَنْ هَذَا مَعَكَ ؟ فَقَالَ : هَذَا سَعْدٌ . فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ : أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِمَكَّةَ آمِنًا ، وَقَدْ أَوَيْتُمْ الصُّبَاةَ ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا . فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ - وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ - : أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ : طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ . فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ : لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ سَيِّدِ أَهْلِ الْوَادِي . فَقَالَ سَعْدٌ : دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ . قَالَ : بِمَكَّةَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا ، فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ قَالَ : يَا أُمَّ صَفْوَانَ ، أَلَمْ تَرَيْ مَا قَالَ لِي سَعْدٌ ؟ قَالَتْ : وَمَا قَالَ لَكَ ؟ قَالَ : زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ . فَقُلْتُ لَهُ : بِمَكَّةَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . فَقَالَ أُمَيَّةُ : وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ . فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ ، قَالَ : أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ ، فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ : يَا أَبَا صَفْوَانَ ، إِنَّكَ مَتَى مَا يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ . فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَالَ : أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي ، فَوَاللَّهِ لَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ ، ثُمَّ قَالَ : يَا أُمَّ صَفْوَانَ جَهِّزِينِي . فَقَالَتْ لَهُ : يَا أَبَا صَفْوَانَ ، وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ ؟ قَالَ : مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا ، فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لَا يترك مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِبَدْرٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ ذِكْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يُقْتَلُ بِبَدْرٍ ) أَيْ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ بِزَمَانٍ ، فَكَانَ كَمَا قَالَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيُرِيَنَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ يَقُولُ : هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ . فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَئُوا تِلْكَ الْحُدُودَ الْحَدِيثَ ، وَهَذَا وَقَعَ وَهُمْ بِبَدْرٍ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي الْتَقَوْا فِي صَبِيحَتِهَا ، بِخِلَافِ حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ . قَوْلُهُ : ( شُرَيْحُ ) هُوَ بِمُعْجَمَةٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ هُوَ يُوسُفُ بْنُ أبي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ . قَوْلُهُ : ( إنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ : كَانَ صَدِيقًا ) فِيهِ الْتِفَاتٌ عَلَى رَأْيٍ ، وَالسِّيَاقُ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ : قال : كُنْتُ صَدِيقًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ زَائِدَةً ، وَيَكُونَ قَوْلُهُ قَالَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْمُرَادُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ . قَوْلُهُ : ( عَلَى أُمَيَّةَ ) بْنِ خَلَفٍ وَوَقَعَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفِ بْنِ صَفْوَانَ ، كَذَا لِلْمَرْوَزِيِّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ ، وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْبَاقِينَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفِ أَبِي صَفْوَانَ ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَبِي صَفْوَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَهِيَ كُنْيَةُ أُمَيَّةَ كُنِّيَ بِابْنِهِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ أَصْحَابُ أَبِي إِسْحَاقَ ثُمَّ أَصْحَابُ إِسْرَائِيلَ عَلَى أَنَّ الْمَنْزُولَ عَلَيْهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ فَقَالَ : نَزَلَ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَسَاقَ الْقِصَّةَ كُلَّهَا ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ . وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ قُتِلَ بِبَدْرٍ أَيْضًا لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَارِهًا فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَدْرٍ ، وَإِنَّمَا حَرَّضَ النَّاسَ عَلَى الرُّجُوعِ بَعْدَ أَنْ سَلِمَتْ تِجَارَتُهُمْ فَخَالَفَهُ أَبُو جَهْلٍ ، وَفِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّهَا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ لِقَوْلِهِ فِيهَا : فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : يَا أُمَّ صَفْوَانَ وَلَمْ يَكُنْ لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا : أُمُّ صَفْوَانَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ ) أَيْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ( لِأُمَيَّةَ ) بْنِ خَلَفٍ ( انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ ) فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ : أَلَا تَنْظُرُ حَتَّى يَكُونَ نِصْفُ النَّهَارِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ سَعْدًا سَأَلَهُ وَأَشَارَ عَلَيْهِ أُمَيَّةُ ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ لَهُ نِصْفَ النَّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْخَلْوَةِ . قَوْلُهُ : ( أَلَا أَرَاكَ ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ لِلِاسْتِفْتَاحِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَهِيَ مُرَادَةٌ . قَوْلُهُ : ( أوَيْتُمْ ) بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ ، وَالصُّبَاةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ صَابِي بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَهُوَ الَّذِي يَنْتَقِلُ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ وَقَدْ أوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ . قَوْلُهُ : ( طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ ) أَيْ مَا يُقَارِبُهَا أَوْ يُحَاذِيهَا ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : طَرِيقَكَ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ . قُلْتُ : النَّصْبُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ عَامِلَهُ لَأَمْنَعَنَّكَ ، فَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ ، وَأَمَّا الرَّفْعُ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ . وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ مَتْجَرَكَ إِلَى الشَّامِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَطْعِ طَرِيقِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( عَلَى أَبِي الْحَكَمِ ) هِيَ كُنْيَةُ أَبِي جَهْلٍ ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهُوَ الَّذِي لَقَّبَهُ بِأَبِي جَهْلٍ . قَوْلُهُ : ( فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّهُمْ قَاتَلُوكَ ) كَذَا أَتَى بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَالْمُرَادُ الْمُسْلِمُونَ ، أَوِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَذَكَرَهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ تَعْظِيمًا ، وَفِي بَقِيَّةِ سِيَاقِ الْقِصَّةِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الثَّانِيَ ، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ قَاتِلِيكَ بِتَحْتَانِيَّةٍ بَدَلَ الْوَاوِ وَقَالُوا : هِيَ لَحْنٌ ، وَوُجِّهَتْ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ قَاتِلِيكَ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ إنَّهُ قَاتِلُكَ بِالْإِفْرَادِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ بَيَانُ وَهَمِ الْكَرْمَانِيِّ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الضَّمِيرَ لِأَبِي جَهْلٍ فَاسْتَشْكَلَهُ فَقَالَ أنَّ أَبَا جَهْلٍ لَمْ يَقْتُلْ أُمَيَّةَ ، ثُمَّ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا فِي خُرُوجِهِ حَتَّى قُتِلَ . قُلْتُ : وَرِوَايَةُ الْبَابِ كَافِيَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ فِيهَا أَنَّ أُمَيَّةَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إِنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَاتِلِي وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِهِ لِأَبِي جَهْلٍ ذِكْرٌ . قَوْلُهُ : ( فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا ) بَيَّنَ سَبَبَ فَزَعِهِ فِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ فَفِيهَا قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إِذَا حَدَّثَ وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ ، فَكَادَ أَنْ يُحْدِثَ كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ مِنَ الْحَدَثِ وَهُوَ خُرُوجُ الْخَارِجِ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ ، وَالضَّمِيرُ لِأُمَيَّةَ أَيْ أَنَّهُ كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ الْحَدَثُ مِنْ شِدَّةِ فَزَعِهِ ، وَمَا أَظُنُّ ذَلِكَ إِلَّا تَصْحِيفًا . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ ) أَيِ امْرَأَتِهِ ( فَقَالَ : يَا أُمَّ صَفْوَانَ ) هِيَ كُنْيَتُهَا ، وَاسْمُهَا صَفِيَّةُ وَيُقَالُ : كَرِيمَةُ بِنْتُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ ، وَهِيَ مِنْ رَهْطِ أُمَيَّةَ فَأُمَيَّةُ ابْنُ عَمِّ أَبِيهَا ، وَقِيلَ : اسْمُهَا فَاخِتَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ . قَوْلُهُ : ( مَا قَالَ لِي سَعْدٌ ) وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ مَا قَالَ لِي أَخِي الْيَثْرِبِيُّ ذَكَرَ الْأُخُوَّةَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُؤَاخَاةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَنَسَبَهُ إِلَى يَثْرِبَ وَهُوَ اسْمُ الْمَدِينَةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ لَهُ : بِمَكَّةَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . فَقَالَ أُمَيَّةُ : وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْأَخْذَ بِالْمُحْتَمَلِ حَيْثُ يَتَحَقَّقُ الْهَلَاكُ فِي غَيْرِهِ أَوْ يَقْوَى الظَّنُّ أَوْلَى . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ) زَادَ إِسْرَائِيلُ : وَجَاءَ الصَّرِيخُ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ ، وَعَرَفَ أَنَّ اسْمَ الصَّرِيخِ ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ جَدَعَ بَعِيرَهُ وَحَوَّلَ رَحْلَهُ وَشَقَّ قَمِيصَهُ وَصَرَخَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ ، الْغَوْثَ الْغَوْثَ . قَوْلُهُ : ( أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيِ الْقَافِلَةَ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّكَ مَتَى يَرَاكَ النَّاسُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ : مَتَى مَا يَرَاكَ النَّاسُ بِزِيَادَةِ مَا وَهِيَ الزَّائِدَةُ الْكَافَّةُ عَنِ الْعَمَلِ ، وَبِحَذْفِهَا كَانَ حَقُّ الْأَلِفِ مِنْ يَرَاكَ أَنْ تُحْذَفَ ؛ لِأَنَّ مَتَى لِلشَّرْطِ وَهِيَ تَجْزِمُ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : يُخَرَّجُ ثُبُوتُ الْأَلِفِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : يَرَاكَ مُضَارِعُ رَاءَ بِتَقْدِيمِ الْأَلِفِ عَلَى الْهَمْزَةِ وَهِيَ لُغَةٌ فِي رَأَى قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا رَاءَنِي أَبْدَى بَشَاشَةَ وأصِلٍ وَمُضَارِعُهُ يَرَاءُ بِمَدٍّ ثُمَّ هَمْزٍ ، فَلَمَّا جُزِمَتْ حُذِفَتِ الْأَلِفُ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ أَلِفًا فَصَارَ يَرَا ، وَعَلَى أَنَّ مَتَى شُبِّهَتْ بِإِذَا فَلَمْ يُجْزَمْ بِهَا ، وَهُوَ كَقَوْلِ عَائِشَةَ الْمَاضِي فِي الصَّلَاةِ فِي أَبِي بَكْرٍ : مَتَى يَقُومُ مَقَامَكَ أَوْ عَلَى إِجْرَاءِ الْمُعْتَلِّ مَجْرَى الصَّحِيحِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : وَلَا تَرْضَاهَا وَلَا تَمَلَّقْ أَوْ عَلَى الْإِشْبَاعِ كَمَا قُرِئَ ( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي ) . قُلْتُ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ مَتَى يَراكَ النَّاسُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَهُوَ الْوَجْهُ . قَوْلُهُ : ( وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي ) أَيْ وَادِي مَكَّةَ ، قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أُمَيَّةَ وَصَفَ بِهَا أَبَا جَهْلٍ لَمَّا خَاطَبَ سَعْدًا بِقَوْلِهِ : لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ ، هُوَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي فَتَقَارَضَا الثَّنَاءَ وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ ) بَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ الصِّفَةَ الَّتِي كَادَ بِهَا أَبُو جَهْلٍ أُمَيَّةَ حَتَّى خَالَفَ رَأْيَ نَفْسِهِ فِي تَرْكِ الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ فَقَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ قَدْ أَجْمَعَ عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ ، وَكَانَ شَيْخًا جَسِيمًا ، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِمَجْمَرَةٍ حَتَّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ : إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ النِّسَاءِ ، فَقَالَ : قَبَّحَكَ اللَّهُ . وَكَأَنَّ أَبَا جَهْلٍ سَلَّطَ عُقْبَةَ عَلَيْهِ حَتَّى صَنَعَ بِهِ ذَلِكَ ، وَكَانَ عُقْبَةُ سَفِيهًا . قَوْلُهُ : ( لَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ ) يَعْنِي فَأَسْتَعِدُّ عَلَيْهِ لِلْهَرَبِ إِذَا خِفْتُ شَيْئًا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ ) فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : فَاشْتَرَى الْبَعِيرَ الَّذِي ذَكَرَ ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ . قَوْلُهُ : ( لَا يَتْرُكُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَنْزِلُ بِنُونٍ وَزَايٍ وَلَامٍ مِنَ النُّزُولِ ، وَهِيَ أَوْجَهُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ يَتْرُكُ بِمُثَنَّاةٍ وَرَاءٍ وَكَافٍ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ) تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي صِفَةِ قَتْلِهِ ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ . وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الَّذِي وَلِيَ قَتْلَهُ خُبَيْبٌ وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ ، ابْنُ إِسَافٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَمُهْمَلَةٍ خَفِيفَةٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مَازِنٍ مِنَ الْأَنْصَارِ . وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : يُقَالُ : اشْتَرَكَ فِيهِ مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَخُبَيْبٌ الْمَذْكُورُ . وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ رَافِعٍ طَعَنَهُ بِالسَّيْفِ ، وَيُقَالُ : قَتَلَهُ بِلَالٌ . وَأَمَّا ابْنُهُ عَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ فَقَتَلَهُ عَمَّارٌ . وَفِي الْحَدِيثِ مُعْجِزَاتٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَاهِرَةٌ ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مِنْ قُوَّةِ النَّفْسِ وَالْيَقِينِ . وَفِيهِ أَنَّ شَأْنَ الْعُمْرَةِ كَانَ قَدِيمًا ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ مَأْذُونًا لَهُمْ فِي الِاعْتِمَارِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَعْتَمِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ الْحَجِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُقْتَلُ بِبَدْرٍ · ص 329 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من يقتل ببدر · ص 74 باب ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - من يقتل ببدر أي : هذا باب في بيان ذكر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من يقتل في غزوة بدر ، وفي بعض النسخ من قتل على صيغة المجهول من الماضي ، والوجه هو يقتل على صيغة المجهول من المضارع ، وهي رواية أبي ذر ، وفيه الدلالة على معجزته الباهرة حيث أخبر عما سيأتي . 2 - حدثني أحمد بن عثمان ، حدثنا شريح بن مسلمة ، حدثنا إبراهيم بن يوسف ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق قال : حدثني عمرو بن ميمون أنه سمع عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - حدث عن سعد بن معاذ أنه قال : كان صديقا لأمية بن خلف ، وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد ، وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية ، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة انطلق سعد معتمرا فنزل على أمية بمكة ، فقال لأمية : انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت ، فخرج به قريبا من نصف النهار ، فلقيهما أبو جهل فقال : يا أبا صفوان ، من هذا معك ؟ فقال : هذا سعد ، فقال له أبو جهل : ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد أويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم ، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما ، فقال له سعد ورفع صوته عليه : أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه ، طريقك على المدينة ، فقال له أمية : لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي ، فقال سعد : دعنا عنك يا أمية ، فوالله لقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنهم قاتلوك ، قال : بمكة ؟ قال : لا أدري ، ففزع لذلك أمية فزعا شديدا ، فلما رجع أمية إلى أهله قال : يا أم صفوان ، ألم تري ما قال لي سعد ؟ قالت : وما قال لك ؟ قال : زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي ، فقلت له : بمكة ؟ قال : لا أدري ، فقال أمية : والله لا أخرج من مكة ، فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس ، قال : أدركوا عيركم ، فكره أمية أن يخرج ، فأتاه أبو جهل فقال : يا أبا صفوان ، إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك ، فلم يزل به أبو جهل حتى قال : أما إذ غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة ، ثم قال أمية : يا أم صفوان جهزيني ، فقالت له : يا أبا صفوان ، وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي ؟ قال : لا ، ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا ، فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره ، فلم يزل بذلك حتى قتله الله عز وجل ببدر . مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - أخبر بمن يقتل ببدر ، فهذا أمية قتل ببدر ، وهذا من أبلغ معجزاته - صلى الله تعالى عليه وسلم - . وأحمد بن عثمان بن حكيم الأودي ، وشريح بضم الشين المعجمة وبالحاء المهملة ابن مسلمة بفتح الميم واللام الكوفي ، وإبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي ، ويوسف هذا يروي عن جده أبي إسحاق . والحديث قد تقدم في علامات النبوة في الإسلام ، فإنه أخرجه هناك عن أحمد بن إسحاق عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق إلى آخره ، وتقدم الكلام فيه هناك . قوله: وقد أويتم بالمد والقصر ، والصباة بضم الصاد جمع الصابي ، وهو المائل عن دينه إلى دين غيره . قوله : طريقك قال الكرماني : بالنصب والرفع ، ولم يبين وجههما ، قلت : أما بالنصب فعلى أنه بدل من قوله : ما هو أشد عليك منه وأما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو طريقك . قوله : قاتلوك ويروى قاتليك على غير القياس بتأويل يكونون قاتليك ، ويروى قاتلتك ، أي : الطائفة القاتلون لك . قوله : قال : بمكة أي : قال أمية : إنهم قاتلوني بمكة . قوله : أخبرهم أي : أخبر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أصحابه - رضي الله تعالى عنهم . قوله : أنهم أي : أن أبا جهل وأتباعه قاتلي بتشديد الياء . قوله : استنفر أي : طلب الخروج من الناس . قوله : عيركم بكسر العين المهملة ، وهو الإبل التي تحمل الميرة . قوله : متى يراك الناس ويروى متى يرك الناس بالجزم . قوله : أخوك اليثربي أراد به سعدا ، والمراد الأخوة بينهما بحسب المعاهدة والموالاة . قوله : أن أجوز أي : أنفذ أو أن أسلك . قوله : حتى قتله الله أي : قدر الله قتله بيد بلال مؤذن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولما كان أبو جهل هو السبب في خروج أمية إلى القتال أضيف إليه ؛ لأن القتل كما يكون مباشرة يكون سببا .