4091 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَسٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَالَهُ - أَخٌ لِأُمِّ سُلَيْمٍ - فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا وَكَانَ رَئِيسَ الْمُشْرِكِينَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ ، فَقَالَ : يَكُونُ لَكَ أَهْلُ السَّهْلِ وَلِي أَهْلُ الْمَدَرِ ، أَوْ أَكُونُ خَلِيفَتَكَ أَوْ أَغْزُوكَ بِأَهْلِ غَطَفَانَ بِأَلْفٍ وَأَلْفٍ ، فَطُعِنَ عَامِرٌ فِي بَيْتِ أُمِّ فُلَانٍ ، فَقَالَ : غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَكْرِ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ آلِ بني فُلَانٍ . ائْتُونِي بِفَرَسِي ، فَمَاتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ ، فَانْطَلَقَ حَرَامٌ أَخُو أُمِّ سُلَيْمٍ ، وَهُوَ رَجُلٌ أَعْرَجُ وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ ، قَالَ : كُونَا قَرِيبًا حَتَّى آتِيَهُمْ ، فَإِنْ آمَنُونِي كُنْتُمْ ، وَإِنْ قَتَلُونِي أَتَيْتُمْ أَصْحَابَكُمْ ، فَقَالَ : أَتُؤْمِنُونِي أُبَلِّغْ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ ، وَأَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ ، قَالَ هَمَّامٌ : أَحْسِبُهُ حَتَّى أَنْفَذَهُ بِالرُّمْحِ ، قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، فَلُحِقَ الرَّجُلُ فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ غَيْرَ الْأَعْرَجِ كَانَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْنَا ثُمَّ كَانَ مِنْ الْمَنْسُوخِ : إِنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثِينَ صَبَاحًا ، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لَحْيَانَ وَعُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ : ( عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ خَالَهُ أَخَا أُمِّ سُلَيْمٍ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا ) ، قَدْ سَمَّاهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَرَامًا ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسٍ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَالضَّمِيرُ فِي خَالِهِ لِأَنَسٍ ، وَقَدْ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْآتِيَةِ عَنْ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : لَمَّا طُعِنَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانِ وَكَانَ خَالَهُ ، وَعَجَبٌ تَجْوِيزُ الْكَرْمَانِيِّ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَحَرَامٌ خَالُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ ، كَذَا قَالَهُ . قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ : ( وَكَانَ رَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ ) ، أَيِ : ابْنَ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَبِي بَرَاءٍ عَامِرِ بْنِ مَالِكٍ . قَوْلُهُ : ( خَيَّرَ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، أَيْ : خَيَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيَّنَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، وَلَفْظُهُ : وَكَانَ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : أُخَيِّرُكَ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ خُيِّرَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَخَطَّأَهَا ابْنُ قُرْقُولٍ . قَوْلُهُ : ( بِأَلْفٍ وَأَلْفٍ ) فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ بِأَلْفِ أَشْقَرَ وَأَلْفِ شَقْرَاءَ . قَوْلُهُ : ( غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَكْرِ ) يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ أَصَابَتْنِي غُدَّةٌ أَوْ غُدَّةٌ بِي ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ ، أَيْ : أَغُدُّهُ غُدَّةً مِثْلَ بُعَيْرَه ، وَالْغُدَّةُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَمْرَاضِ الْإِبِلِ وَهُوَ طَاعُونِهَا . قَوْلُهُ : ( فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ آلِ بَنِي فُلَانٍ ) بَيَّنَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، فَقَالَ : امْرَأَةٌ مِنْ آلِ سَلُولٍ ، وَبَيَّنَ قُدُومَ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ قَالَ فِيهِ : لَأَغْزُوَنَّكَ بِأَلْفِ أَشْقَرَ وَأَلْفِ شَقْرَاءَ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ عَامِرٌ ، وَأَنَّهُ غَدَرَ بِهِمْ وَأَخْفَرَ ذِمَّةَ عَمِّهِ أَبِي بَرَاءٍ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامِرًا ، قال : فَجَاءَ إِلَى بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولٍ . قُلْتُ : سَلُولٌ امْرَأَةٌ ، وَهِيَ بِنْتُ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ ، وَزَوْجُهَا مُرَّةُ بْنُ صَعْصَعَةَ أَخُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَنُسِبَ بَنُوهُ إِلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ حَرَامٌ أَخُو أُمِّ سُلَيْمٍ وَهُوَ رَجُلٌ أَعْرَجُ ) كَذَا هُنَا عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ حَرَامٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْأَعْرَجُ غَيْرُهُ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ : فَانْطَلَقَ حَرَامٌ وَرَجُلَانِ مَعَهُ : رجل أَعْرَجُ ورجل مِنْ بَنِي فُلَانٍ ، فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ قُدِّمَتْ سَهْوًا مِنَ الْكَاتِبِ ، وَالصَّوَابُ تَأْخِيرُهَا ، وَصَوَابُ الْكَلَامِ : فَانْطَلَقَ حَرَامٌ هُوَ وَرَجُلٌ أَعْرَجُ ، فَأَمَّا الْأَعْرَجُ فَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ زَيْدٍ ، وَهُوَ مِنْ بَنِي دِينَارِ بْنِ النَّجَّارِ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجِلَاحِ الْخَزْرَجِيُّ سَمَّاهُمَا ابْنُ هِشَامٍ فِي زِيَادَاتِ السِّيرَةِ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : هُوَ وَرَجُلٌ أَعْرَجُ وَهُوَ الصَّوَابُ . قَوْلُهُ : ( فَإِنْ آمَّنُونِي كُنْتُمْ ) ، وَقَعَ هُنَا بِطَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ : فَإِنْ آمَّنُونِي كُنْتُمْ كَذَا ، وَلَعَلَّ لَفْظَةَ كَذَا مِنَ الرَّاوِي كَأَنَّهُ كَتَبَهَا عَلَى قَوْلِهِ كُنْتُمْ ، أَيْ : كَذَا وَقَعَ بِطَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمُقْرِي ، عَنْ هَمَّامٍ : فَإِنْ آمَنُونِي كُنْتُمْ قَرِيبًا مِنِّي ، فَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ ، عَنْ عَمَّارٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : فَخَرَجَ حَرَامٌ ، فَقَالَ : يَا أَهْلَ بِئْرِ مَعُونَةَ إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْكُمْ ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ كَسْرِ الْبَيْتِ بِرُمْحٍ فَضَرَبَهُ فِي جَنْبِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ . قَوْلُهُ : ( فَأَوْمَئُوا إِلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ ) لَمْ أَعْرِفِ اسْمَ الرَّجُلِ الَّذِي طَعَنَهُ ، وَوَقَعَ فِي السِّيرَةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ ، فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ فِي كِتَابِهِ حَتَّى عَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ قَاتِلَ حَرَامَ بْنِ مِلْحَانَ أَسْلَمَ ، وَعَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ مَاتَ كَافِرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ . وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْمُسْتَغْفِرِيُّ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّدْنِي بِكَلِمَاتٍ ، قَالَ : يَا عَامِرُ أَفْشِ السَّلَامَ وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ ، وَاسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ ، وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ . الْحَدِيثُ ، فَهُوَ أَسْلَمِيٌّ ، وَوَهَمَ الْمُسْتَغْفِرِيُّ فِي كَوْنِهِ سَاقَ فِي تَرْجَمَتِهِ نَسَبَ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الْعَامِرِيِّ ، وَقَدْ رَوَى الْبَغَوِيُّ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي بَرَاءٍ عَامِرِ بْنِ مَالِكٍ الْعَامِرِيِّ منْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَذَكَرَ حَدِيثًا فَعُرِفَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ أَسْلَمِيٌّ ، وَوَافَقَ اسْمُهُ وَاسْمُ أَبِيهِ الْعَامِرِيَّ ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْوَهَمِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، فَلَحِقَ الرَّجُلُ فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ ) أَشْكَلَ ضَبْطُ قَوْلِهِ : فَلَحِقَ الرَّجُلُ فِي هَذَا السِّيَاقِ فَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالرَّجُلِ الرجل الَّذِي كَانَ رَفِيقَ حَرَامٍ ، وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَلَحِقَ الرَّجُلُ بِالْمُسْلِمِينَ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ قَاتِلَ حَرَامٍ ، وَالتَّقْدِيرُ فَطَعَنَ حَرَامًا فَقَالَ : فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَلَحِقَ الرَّجُلُ الْمُشْرِكُ الطَّاعِنُ بِقَوْمِهِ الْمُشْرِكِينَ فَاجْتَمَعُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ . ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَلُحِقَ بِضَمِّ اللَّامِ وَالرَّجُلُ هُوَ حَرَامٌ أَيْ لَحِقَهُ أَجَلُهُ ، أَوِ الرَّجُلُ رَفِيقُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمْ يُمَكِّنُوهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ بَلْ لَحِقَهُ الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهُ وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُضْبَطَ الرَّجُلُ بِسُكُونِ الْجِيمِ وَهُوَ صِيغَةُ جَمْعٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي طَعَنَ حَرَامًا لَحِقَ بِقَوْمِهِ وَهُمُ الرِّجَالُ الَّذِينَ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ . وَالرَّجْلُ بِسُكُونِ الْجِيمِ هُمُ الْمُسْلِمُونَ الْقُرَّاءُ فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ ، وَهَذَا أَوْجَهُ التَّوْجِيهَاتِ إِنْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ بِسُكُونِ الْجِيمِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ غَيْرَ الْأَعْرَجِ كَانَ فِي رَأْسِ جَبَلٍ ) فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ هَمَّامٍ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فَقَتَلُوهُمْ إِلَّا رَجُلًا أَعْرَجَ صَعِدَ الْجَبَلَ قَالَ هَمَّامٌ : وَآخَرَ مَعَهُ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ غَيْرَ الْأَعْرَجِ وَكَانَ فِي رَأْسِ الْجَبَلِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ كَانَ مِنَ الْمَنْسُوخِ ) أَيِ الْمَنْسُوخِ تِلَاوَتُهُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمُ حُرْمَةِ الْقُرْآنِ كَتَحْرِيمِهِ عَلَى الْجُنُبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب غَزْوَةِ الرَّجِيعِ وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبِئْرِ مَعُونَةَ · ص 447 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة وحديث عضل والقارة وعاصم بن ثابت وخبيب وأصحابه · ص 171 127 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا همام ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال : حدثني أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث خاله - أخ لأم سليم - في سبعين راكبا ، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل ، خير بين ثلاث خصال فقال : يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر ، أو أكون خليفتك أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف ! فطعن عامر في بيت أم فلان ، فقال : غدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل فلان ، ائتوني بفرسي ! فمات على ظهر فرسه ، فانطلق حرام أخو أم سليم - وهو رجل أعرج - ورجل من بني فلان ، قال : كونا قريبا حتى آتيهم ، فإن آمنوني كنتم قريبا ، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم . فقال : أتؤمنوني أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فجعل يحدثهم ، وأومؤوا إلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه - قال همام : أحسبه حتى أنفذه بالرمح - قال : الله أكبر ! فزت ورب الكعبة ! فلحق الرجل فقتلوا كلهم غير الأعرج ؛ كان في رأس جبل ، فأنزل الله تعالى علينا ثم كان من المنسوخ : إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا - فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ثلاثين صباحا ؛ على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث ، وهمام - بتشديد الميم - هو ابن يحيى بن دينار البصري . والحديث مضى في كتاب الجهاد في باب من ينكب في سبيل الله ؛ فإنه أخرجه هناك عن حفص بن عمر عن همام عن إسحاق ، وفيهما من الزيادة والنقصان . قوله بعث خاله ؛ أي خال أنس رضي الله تعالى عنه ، واسمه حرام - ضد حلال - ابن ملحان ، واسم ملحان مالك بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري ، شهد بدرا مع أخيه سليم بن ملحان ، وشهدا أحدا . وقال الكرماني : قوله خاله الضمير لأنس أو للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ لأنه كان خاله إما من جهة الرضاعة وإما من جهة النسب وإن كان بعيدا . قوله أخ لأم سليم ؛ أي هو أخ لأم سليم ، فيكون ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، ويروى أخا لأم سليم بالنصب على أنه بدل من قوله خاله الذي هو مفعول بعث ، وأم سليم - بضم السين - بنت ملحان كانت تحت مالك بن النضر - أبو أنس بن مالك - في الجاهلية فولدت له أنس بن مالك ، فلما جاء الإسلام أسلمت مع قومها وعرضت الإسلام على زوجها فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك هناك ، ثم خلف عليها بعده أبو طلحة الأنصاري . وقال أبو عمر : اختلف في اسم أم سليم ؛ فقيل سهلة ، وقيل رميلة ، وقيل رمية ، وقيل مليكة ، ويقال الغميصاء والرميصاء . قوله في سبعين راكبا يتعلق بقوله بعث . قوله عامر بن الطفيل بضم الطاء مصغر الطفل ، ابن مالك بن جعفر بن كلاب ، وهو ابن أخي براء عامر بن مالك . قوله خير على صيغة المعلوم ، والضمير فيه يرجع إلى عامر ، والمفعول محذوف - أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وروى البيهقي في الدلائل من رواية عثمان بن سعيد عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري ، ولفظه : وكان أتى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال له : أخيرك بين ثلاث خصال ... فذكر الحديث . قوله أهل السهل ؛ أي البوادي ، و أهل المدر أهل البلاد . قوله بأهل غطفان بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة والفاء ، قال الرشاطي : غطفان في قيس غيلان غطفان بن سعد بن قيس ، وفي حذام غطفان بن سعد بن إياس بن حرام بن حذام ، وفي جهينة غطفان بن قيس بن جهينة . قال ابن دريد : غطفان فعلان ، من الغطف وهو قلة هدب العينين . قوله بألف وألف ، وفي رواية عثمان بن سعيد بألف أشقر وألف شقراء . قوله فطعن عامر بضم الطاء المهملة وكسر العين ؛ أي أصابه الطاعون وطلع له في أصل أذنه غدة عظيمة كالغدة التي تطلع على البكر . قوله غدة بضم الغين المعجمة وتشديد الدال ، قال الأصمعي : من أدواء الإبل الغدة ، يقال أغد البعير فهو مغد وناقة مغد بغير هاء ، ويقال جمل مغدود وناقة مغدودة ، وكل قطعة صلبة بين القصبة والسلعة يركبها الشحم فهي غدة - تكون في العنق وفي سائر الجسد . قوله البكر بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف ، وهو الفَتِيُّ من الإبل بمنزلة الغلام من الناس ، والأنثى بكرة ، وقد يستعار للناس . قوله في بيت امرأة من آل فلان ، وقد بينت هي في حديث سهل بن سعد ، أخرجه الطبراني فقال : امرأة من آل سلول . وفي حديث أيضا وإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دعا عليه - أي على عامر - فقال : اللهم اكفني عامرا ! قال : فجاء إلى بيت امرأة من آل سلول ، قلت : سلول هي بنت ذهل بن شيبان ، وزوجها مرة بن صعصعة أخو عامر بن صعصعة - فنسب بنوه إليها . قوله فانطلق حرام وهو خال أنس رضي الله تعالى عنه . قوله وهو رجل أعرج ، الواو فيه للحال على حسب ما وقع هنا على أن الأعرج صفة حرام ، وليس كذلك ؛ بل الأعرج غيره لأن حراما لم يكن أعرج ، والأعرج غيره ، وحرام قتل والأعرج لم يقتل ، والصواب : فانطلق حرام هو ورجل أعرج - فكأن الكاتب قدم الواو سهوا ، واسم الأعرج كعب بن زيد من بني دينار بن النجار قال الذهبي : بدري ، قتل مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يوم الخندق . ووقع في رواية عثمان بن سعيد فانطلق حرام ورجلان معه - رجل أعرج ورجل من بني فلان ، وبين ابن هشام أن اسم الرجل الذي من بني فلان المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح الخزرجي . قوله كونا ؛ أي قال حرام للرجل الأعرج وللرجل الذي من بني فلان ، وقال الكرماني : ويروى كونوا باعتبار أن أقل الجمع اثنان . قوله كنتم ؛ أي ثبتم ، وكان تامة فلا تحتاج إلى خبر ، وقال بعضهم فإن آمنوني كنتم ، وقع هذا بطريق الاكتفاء - قلت : إن أراد اكتفاء كان عن الخبر فلا يجوز إلا إذا كان كان تامة . ووقع في رواية عثمان بن سعيد فإن آمنوني كنتم كذا ، ووقع لأبي نعيم في المستخرج فإن آمنوني كنتم قريبا مني ، قلت : كان ناقصة على هاتين الروايتين على ما لا يخفى . قوله فقال : أتومنوني ؟ ؛ أي فقال حرام أتعطوني الأمان ؟ والهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستعلام ، ويروى أتومنونني على الأصل . قوله أبلغ بالجزم لأنه جواب الاستفهام . قوله فجعل يحدثهم ؛ أي جعل حرام يحدث المشركين الذين أتى إليهم ، وجعل من أفعال المقاربة وهو من القسم الثالث منها ، وهو ما وضع لدنو الخبر على وجه الشروع فيه والأخذ في فعله . قوله وأومؤوا ؛ أي أشاروا . قوله قال همام ، هو المذكور في السند . قوله أحسبه ؛ أي أظن الطعن أنفذه من جانب إلى جانب . قوله بالرمح يتعلق بقوله فطعنه . قوله قال : الله أكبر ! فزت ورب الكعبة ، القائل بهذا هو حرام ، وقد صرح به في الحديث الذي يليه على ما يأتي ، ومعنى قوله فزت يعني بالشهادة . قوله فلحق الرجل في ضبطه مع معناه ثلاثة أوجه ؛ الأول : أن يكون لحق على صيغة المعلوم و الرجل فاعله ، والمراد به الرجل الذي كان رفيق حرام ، ويكون فيه حذف تقديره فلحق الرجل بالمسلمين . الثاني : أن يكون لحق على صيغة المجهول ، والتقدير لحق الرجل الذي هو رفيق حرام ؛ يعني صار ملحوقا فلم يقدر أن يبلغ المسلمين قبل بلوغ المشركين إليهم . الثالث : أن يكون لفظ الرجل بسكون الجيم وفتح اللام ويكون جمع الراجل ، ويكون المعنى فلحق الرجال المشركون بالمسلمين فقاتلوهم وقتل المسلمون كلهم ؛ أي قتل السبعون الذين أرسلهم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - غير الأعرج فإنه كان في رأس جبل ، وفي رواية حفص بن عمر عن همام - تقدم في الجهاد فقتلوهم إلا رجلا أعرج صعد الجبل ، قال همام : وآخر معه . قوله فأنزل الله علينا ، الْمُنْزَلُ هو قوله إنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ، وقوله ثم كان من المنسوخ جملة معترضة ؛ أي مما نسخت تلاوته ، وقال ابن التين : إما أن يكون كان يتلى ثم نسخ رسمه ، أو كان الناس يكثرون ذكره وهو من الوحي ثم تقادم حتى صار لا يذكر إلا خبرا . قوله ثلاثين صباحا ؛ يعني في صلاة الفجر ، وفي شرف المصطفى : لما أصيب أهل بئر معونة جاءت الحمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : اذهبي إلى رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله ! فأتتهم فقتلت منهم سبعمائة رجل ؛ لكل رجل من المسلمين عشرة .