9 - بَاب الصَّلَاةِ فِي الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَالْقَبَاءِ 365 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ، فَقَالَ : أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ ، ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ : إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا ، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ ، قَالَ : وَأَحْسِبُهُ قَالَ فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ ) قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : السَّرَاوِيلُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . وَلَمْ يَعْرِفْ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ التَّذْكِيرَ ، وَالْأَشْهَرُ عَدَمُ صَرْفِهِ . قَوْلُهُ : ( وَالتُّبَّانُ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةٍ ، وَهُوَ عَلَى هَيْئَةِ السَّرَاوِيلِ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رِجْلَانِ . وَقَدْ يُتَّخَذُ مِنْ جِلْدِ . قَوْلُهُ : ( وَالْقَبَاءُ ) بِالْقَصْرِ وَبِالْمَدِّ قِيلَ هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَقِيلَ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنْ قَبَوْتُ الشَّيْءَ إِذَا ضَمَمْتُ أَصَابِعَكَ عَلَيْهِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْضِمَامِ أَطْرَافِهِ . وَرُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ لَبِسَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحَمَّدٍ ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ . قَوْلُهُ : ( قَامَ رَجُلٌ ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمَرْفُوعِ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ ) أَيْ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُسَمَّ أَيْضًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّهُ اخْتَلَفَ هُوَ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أُبَيٌّ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ يَعْنِي لَا تُكْرَهُ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ وَفِي الثِّيَابِ قِلَّةٌ ، فَقَامَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : الْقَوْلُ مَا قَالَ أُبَيٌّ ، وَلَمْ يَأْلُ ابْنُ مَسْعُودٍ . أَيْ لَمْ يُقَصِّرْ . أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ . قَوْلُهُ : ( جَمَعَ رَجُلٌ ) هُوَ بَقِيَّةُ قَوْلِ عُمَرَ ، وَأَوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَمُرَادُهُ الْأَمْرُ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يَعْنِي لِيَجْمَعْ وَلْيُصَلِّ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَلَامٌ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ كَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ فَحَسَنٌ . ثُمَّ فَصَّلَ الْجَمْعَ بِصُوَرٍ عَلَى مَعْنَى الْبَدَلِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ : تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثَ فَائِدَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا : وُرُودِ الْفِعْلِ الْمَاضِي بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى وَالْمَعْنَى لِيُصَلِّ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمُ اتَّقَى اللَّهَ عَبْدٌ وَالْمَعْنَى لِيَتَّقِ . ثَانِيهُمَا : حَذْفُ حَرْفِ الْعَطْفِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَفِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَصَدَّقَ امْرُؤٌ مِنْ دِينَارِهِ ، مِنْ دِرْهَمِهِ ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ . انْتَهَى ، فَحَصَلَ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ تَوْجِيهَانِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : وَأَحْسَبُهُ ) قَائِلُ ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَالضَّمِيرُ فِي أَحْسَبُهُ رَاجِعٌ إِلَى عُمَرَ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْصُلِ الْجَزْمُ بِذَلِكَ لِإِمْكَانِ أَنَّ عُمَرَ أَهْمَلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ التُّبَّانَ لَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ كُلَّهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَخِذَ مِنَ الْعَوْرَةِ فَالسَّتْرُ بِهِ حَاصِلٌ مَعَ الْقَبَاءِ وَمَعَ الْقَمِيصِ ، وَأَمَّا مَعَ الرِّدَاءِ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ . وَرَأَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ انْحِصَارَ الْقِسْمَةِ يَقْتَضِي ذِكْرَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَنَّ السَّتْرَ قَدْ يَحْصُلُ بِهَا إِذَا كَانَ الرِّدَاءُ سَابِغًا ، وَمَجْمُوعُ مَا ذَكَرَ عُمَرُ مِنَ الْمَلَابِسِ سِتَّةٌ ، ثَلَاثَةٌ لِلْوَسَطِ وَثَلَاثَةٌ لِغَيْرِهِ ، فَقَدَّمَ مَلَابِسَ الْوَسَطِ ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ سَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَقَدَّمَ أَسْتَرَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا اسْتِعْمَالًا لَهُمْ ، وَضَمَّ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدًا ، فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ تِسْعُ صُوَرٍ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ ، وَلَمْ يَقْصِدِ الْحَصْرَ فِي ذَلِكَ ، بَلْ يَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا يَقُومُ مَقَامُهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنَّ الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ كَانَ لِضِيقِ الْحَالِ . وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ ، لَكِنَّ عِبَارَةَ ابْنِ الْمُنْذِرِ قَدْ تُفْهِمُ إِثْبَاتَهُ ; لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَى عَنِ الْأَئِمَّةِ جَوَازَ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ قَالَ : وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبَيْنِ . وَعَنْ أَشْهَبَ فِيمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي السَّرَاوِيلِ مَعَ الْقُدْرَةِ : يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ ، إِلَّا إِنْ كَانَ صَفِيقًا . وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ . ( فَائِدَةٌ ) : رَوَى ابْنُ حِبَّانَ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ فَأَدْرَجَ الْمَوْقُوفَ فِي الْمَرْفُوعِ وَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرَ ، وَرِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ هَذِهِ الْمُفَصَّلَةُ أَصَحُّ ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَرَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ ، وَهِشَامٍ ، وَحَبِيبٍ ، وَعَاصِمٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ عُلَيَّةَ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى رَفْعِهِ وَحَذَفَ الْبَاقِيَ ، وَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ تَصَرُّفِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةِ فِي الْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَالْقَبَاءِ · ص 566 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء · ص 172 9 - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء خرج فيه حديثين : الحديث الأول : 365 - حدثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، قال : قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد ، فقال : أوكلكم يجد ثوبين ؟ ثم سأل رجل عمر ، فقال : إذا وسع الله عليكم فأوسعوا ، جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ورداء ، في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء ، في تبان وقباء ، في تبان وقميص . قال : وأحسبه قال : في تبان ورداء . قد تقدم حديث أبي هريرة هذا من وجه آخر عنه ، وذكرنا أن قوله : أولكلكم ثوبان ؟ ، أوكلكم يجد ثوبين ؟ إشارة إلى أنه لو لم تشرع الصلاة في ثوب واحد لشق على كثير منهم ؛ فإنه كَانَ فقيرا لا يجد ثوبين . وفيه إشارة - أيضا - إلى أن الصلاة في الثوب الواحد إنما شرعت لقلة الثياب حينئذ ، فلما كثرت الثياب ، ووسع الله على المسلمين ، بفتح البلاد عليهم وانتقال ملك فارس والروم إليهم أمر عمر رضي الله عنه حينئذ بالصلاة في ثوبين ثوبين ؛ لزوال المعنى الذي كان لأجله شرعت الصلاة في ثوب واحد . وكل ما يلبس على البدن فهو ثوب ، سواء كان شاملا له أو لبعضه ، وسواء كان مخيطا أو غير مخيط ، فالإزار ثوب ، والرداء ثوب ، والقميص ثوب ، والقباء ثوب ، والسراويل ثوب ، والتبان ثوب ، فلهذا قال عمر : إذا وسع الله عليكم فأوسعوا ، جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ورداء ، والإزار : مَا يشده عَلَى وسطه ، والرداء : مَا يلقيه عَلَى منكبيه ، في إزار وقميص ، في إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء ، في تبان وقباء ، في تبان وقميص . وشك الراوي : هل قال : في تبان ورداء ؟ والتبان والرداء : بمنزلة السراويل والرداء . فكل من هذه الأنواع التي ذكرها عمر رضي الله عنه صلاة في ثوبين ثوبين . وقد روى الجريري ، عن أبي نضرة ، قال : قال أبي بن كعب : الصلاة في الثوب الواحد سنة ، كنا نفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعاب علينا ، فقال ابن مسعود : إنما كان ذاك إذ كان في الثياب قلة ، فأما إذ وسع الله فالصلاة في الثوبين أزكى . خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في المسند ، وفيه انقطاع . وخرجه الدارقطني في علله من رواية داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، فصار متصلا . وذكر أنه روي عن داود ، عن أبي نضرة ، عن جابر . وروى وكيع في كتابه عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، قال : اختلف عَبْد الله بن مسعود وأبي بن كعب في الصلاة في الثوب الواحد ، فقال أبي : في ثوب ، وقال ابن مسعود : في ثوبين ، فبلغ ذلك عمر ، فقال : القول ما قال أُبي ، ولم يأل ابن مسعود عن الخير . وهذا منقطع أيضا . وروى ابن وهب ، عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن سعيد ، قال : قال : [...] : كنا نصلي في ثوب واحد ، حتى جاء الله بالثياب ، فقال : صلوا في ثوبين ، فقال أبي بن كعب : ليس هذا في شيء ، قد كنا نصلي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثوب الواحد ، ولنا ثوبان ، قيل لعمر بن الخطاب : ألا تقضي بين هذين - وَهُوَ جالس - ؟ قل : أنا مع أبي . وظاهر كلام أبي بن كعب أن الصلاة في ثوب واحد أفضل ، وكذلك كان يفعله جابر بن عبد الله وغيره . ويحتمل : أنهم أرادوا بذلك بيان الجواز لئلا يتوهم متوهم أنه لا تجوز الصلاة في ثوب واحد ، ويدل على هذا الاحتمال : أن عمر قد صح عنه الأمر بالصلاة في ثوبين - كما خرجه عنه البخاري - فعلم أنه أراد تارة بيان الجائز ، وتارة بيان الأفضل . وأكثر العلماء على استحباب الصلاة في ثوبين ، وقد تقدم عن ابن عمر وغيره ، وهو قول أكثر الفقهاء ، منهم : مالك ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد . ويتأكد استحبابه عند مالك وأحمد في حق الإمام أكثر من غيره ، وظاهر كلام أحمد : كراهته للإمام دون المنفرد ، وكره مالك ذلك لأئمة المساجد إلا من يؤم في سفر أو في بيته ، فإن ذلك من زينة الصلاة المأمور بها ، والإمام هو المنظور إليه ، فيتأكد استحباب الزينة في حقه . ويدل على هذا : أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الثوب الواحد ، إنما كان تارة في بيته كما في حديث عمر بن أبي سلمة ، وتارة في السفر كما في حديث جابر . وقد روي عن طائفة من السلف تفضيل بعض أنواع الثوبين على بعض : فقال أبو مالك : الصلاة في الإزار والقباء أحب إلي من الصلاة في القميص والإزار . وعن النخعي ، قال : الصلاة في التبان والرداء أحب إلي من الصلاة في القميص والرداء . والظاهر : أنه فضل التبان والسراويل على الإزار ؛ لأنه يواري العورة عن الأرض ، فقد روي عنه : أنه كره أن يفضي بفرجه إلى الأرض في الصلاة . وأما إن صلى في ثوب واحد ، فقال الشافعي وأصحابنا : أفضل ذلك القميص ، ثم الرداء ، ثم الإزار ، ثم السراويل . ومن أصحاب الشافعي من قال : السراويل أولى من الإزار ؛ لأنه أستر ، وهذا مقتضى كلام النخعي كما سبق . واستدل من رجح الإزار : بأنه يتجافى عنه ولا يصف الأعضاء بخلاف السراويل . وسئل الإمام أحمد : السراويل أحب إليك أم الميازر ؟ فقال : السراويل محدث ولكنه أستر . وقال - أيضا - : الأزر كانت لباس القوم ، والسراويل أستر . قال : والحديث : من لم يجد الإزار فليلبس السراويل ، وهذا دليل أن القوم قد لبسوا السراويلات . وقد سبق حديث سلمة بن الأكوع في الصلاة في القميص ، وأنه يزره ولو بشوكة . وفي سنن أبي داود عن جابر ، أنه أم في قميص ليس عليه رداء ، فلما انصرف قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في قميص . وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا إسرائيل ، عن عبد الأعلى : ثنا شيخ ، قال : أمنا الحسن - أو الحسين - بن علي رضي الله عنهم في قميص خفيف ، ليس عليه إزار ولا رداء ، فلما صلى قال : هذه السنة - أو من السنة - وإنما فعلته لتنظروا أن عندنا الثياب . وإذا صلى في قميص فإنه ينبغي أن يزره ، وقد تقدم قول من كره الصلاة في قميص غير مزرور استدلالا بحديث سلمة بن الأكوع ، فإن لم يزر القميص فإن كان تحته إزار أو سراويل صحت صلاته لاستتار عورته . وقد روي ، عن نافع ، أن ابن عمر كان لا يصلي إلا وهو متزر ، وربما اتزر تحت قميصه وفوقه في السفر . وإن لم يكن عليه إزار ولا سراويل ، فإن كان له لحية كبيرة تستر جيبه بحيث لا يرى منه عورته صحت صلاته - : نص عليه أحمد في رواية الأثرم ، وهو قول داود الطائي ، وأصح الوجهين للشافعية . وإن لم يكن كذلك ، بل كان يرى عورة نفسه من جيبه لم تصح صلاته ، عند الشافعي وأحمد ، وتصح عند مالك وأبي حنيفة وأبي ثور ، كما لو رئيت عورته من أسفل ذيله . وقد رخص في الصلاة في قميص غير مزرر : سالم بن عبد الله بن عمر وغيره من السلف . وقال مالك : هو أستر من الذي يصلي متوشحا بثوب . وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي : سألت أحمد عمن صلى ولم يزر عليه ، ولم يحتزم ؟ فقال : جائز ، فقلت له : إنه لو نظر إلى فرجه رآه ، فقال : لا يمكن أن يرى ذاك . وقال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : يزر عليه ، فإن لم يفعل وكان إذا ركع لا يستتر فرجه عن النظر أعاد الصلاة . وقال أبو خيثمة : نأمره أن يزر عليه ، ولا أرى عليه إعادة ؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للنساء : لا ترفعن رءوسكن قبل الرجال من ضيق الأزر ، وحديث عمرو بن سلمة : غطوا عنا است قارئكم . قال الجوزجاني : والقول في ذلك على ما قال أبو خيثمة لما احتج به ، ثم قال : ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود : ثنا زهير بن محمد ، عن عبد الله بن محمد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي سعيد ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا معشر النساء ، إذا سجد الرجال فاخفضن أبصاركن ، لا ترين عورات الرجال من ضيق الأزر . وروى الطبراني بإسناد ضعيف ، عن ابن عباس ، قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي محتبيا ، محلل الأزرار .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء · ص 72 باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء أي هذا باب في بيان حكم الصلاة في القميص إلى آخره القميص معروف ، وجمعه قمصان ، وأقمصة ، وقمصه تقميصا ، وتقمصة أي لبسه ، والسراويل أعجمي عرب نقله سيبويه عن يونس ، وزعم ابن سيده أنه فارسي معرب يذكر ، ويؤنث ، ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث ، والجمع سراويلات ، وقال سيبويه : لا تكسر لأنه لو كسر لم يرجع إلا إلى لفظ الواحد فترك ، ويقال هو جمع سروالة ، وقال أبو حاتم السجستاني : السراويل مؤنث لا يذكرها أحد علمناه ، وبعض العرب يظن السراويل جماعة ، وسمعت من الأعراب من يقول الشروال بالشين المعجمة ( قلت ) ولما استعملته العرب بدلوا الشين سينا ثم جمعوه على سراويل ، وقد يقال فيه سراوين بالنون موضع اللام ، وفي الجامع للقزاز سراويل ، وسروال ، وسرويل ثلاث لغات ، والتبان بضم التاء المثناة من فوق ، وتشديد الباء الموحدة قال في المحكم : التبان يشبه السراويل يذكر ، وفي الصحاح التبان سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة ، فقد يكون للملاحين ( قلت ) وهو عند العجم من جلد بلا رجلين يلبسه المصارعون ، والقبا بفتح القاف والباء الموحدة المخففة قال الكرماني ممدود ، وتبعه على ذلك بعضهم ( قلت ) لم يذكر غيره بل الظاهر أنه مقصور ، وفي كتاب الجواليقي قال بعضهم : هو فارسي معرب ، وقيل عربي ، واشتقاقه من القبو ، وهو الضم ، والجمع ، وقال أبو علي : سمي قباء لتقبضه ، وقبوت الشيء جمعته ، وقال أبو عبيد : هو اليلمق فارسي معرب ، والقردماني ، وقال السيرافي : قباء محشو ، وقال في الجامع : سمي قباء لأنه يضم لابسه ، وفي الصحاح : تقبيت إذا لبست قباء ، وفي المحكم : قبا الشيء قبوا جمعه بأصابعه ، والقبوة انضمام ما بين الشفتين ، والقباء من الثياب مشتق من ذلك لانضمام أطرافه ، والجمع أقبية ، وفي مجمع الغرائب للفارسي عن كعب : أول من لبس القباء سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ، فكان إذا أدخل رأسه في الثياب لنصت الشياطين يعني فصلت أنوفها ، وزعم أبو موسى في المغيث بالسين لنست . 31 - حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال : قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد ، فقال : أو كلكم يجد ثوبين ؟ ثم سأل رجل عمر فقال إذا وسع الله فأوسعوا جمع رجل عليه ثيابه صلى رجل في إزار ، ورداء في إزار ، وقميص في إزار ، وقباء في سراويل ، ورداء في سراويل ، وقميص في سراويل ، وقباء في تبان ، وقميص قال : وأحسبه قال في تبان ، ورداء . مطابقة هذا للترجمة ظاهرة لأنها في ذكر الصلاة في الأشياء الأربعة المذكورة ، وصدر هذا الحديث أعني المرفوع منه قد تقدم الكلام فيه في آخر باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به ؛ لأنه رواه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولكلكم ثوبان ؟ وهاهنا عن سليمان بن حرب إلخ . وأيوب هو السختياني ، ومحمد هو ابن سيرين ، وقد تقدموا غير مرة ، قوله أولكلكم بهمزة الاستفهام ، وواو العطف أي لا يجد كل واحد ثوبين ؛ فلهذا تصح الصلاة في الثوب الواحد ، قوله ثم سأل رجل عمر أي سأل عن الصلاة في ثوب واحد ، ولم يسم الرجل في الموضعين ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون ابن مسعود ؛ لأنه اختلف هو وأبي بن كعب رضي الله عنهما في ذلك ؛ فقال أبي : الصلاة في الثوب الواحد ، يعني لا تكره ، وقال ابن مسعود إنما كان ذلك ، وفي الثياب قلة فقال عمر : القول ما قال أبي ، ولم يأل ابن مسعود أي لم يقصر ( قلت ) اختلاف أبي وابن مسعود في ذلك لا يدل على أن السائل من عمر هو ابن مسعود بعينه ، ويحتمل أن يكون أبي ، والاحتمال موجود فيهما مع أنه حدس ، وتخمين ، وأما اختلافهما في ذلك فقد أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمر ، وعن الحسن قال اختلف أبي بن كعب ، وابن مسعود في الصلاة في ثوب واحد ، فقال أبي : لا بأس به ، وقال ابن مسعود إنما كان ذلك إذ كان الناس لا يجدون ثيابا ، فأما إذا وجدوها فالصلاة في ثوبين فقام عمر على المنبر فقال : الصواب ما قال أبي لا ما قال ابن مسعود . قوله : فقال إذا وسع الله أي فقال عمر في جواب الرجل الذي سأله عن الصلاة في الثوب الواحد ، قوله : جمع رجل عليه ... إلخ من بقية قول عمر ، وتتمة كلامه والضمير في عليه يرجع إلى الرجل أي جمع رجل على نفسه ثيابه ، ولفظة جمع وإن كانت صيغة الماضي ، ولكن المراد منها الأمر ، وكذلك قوله صلى فلذلك قال ابن بطال : يريد ليجمع عليه ثيابه ، وليصل فيها ذكره بلفظ الماضي ، ومراده المستقبل كقوله تعالى : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ والمعنى يقول الله يدل عليه قول عيسى عليه الصلاة والسلام : مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي قوله صلى رجل أي ليصل رجل في إزار ورداء ، وهذه تسع صور : الأولى هذه ، والفرق بين الإزار والرداء بحسب العرف ؛ لأن الإزار للنصف الأسفل ، والرداء للنصف الأعلى ، الثانية : من الصور هي قوله في إزار وقميص أي ليصل في إزار وقميص ، الثالثة : قوله في إزار وقباء أي ليصل فيهما ، وإنما قدم هذه الثلاثة لأنها أستر وأكثر استعمالا ، الرابعة : قوله في سراويل ورداء أي ليصل فيهما ، الخامسة : قوله في سراويل وقميص ، السادسة : قوله في سراويل وقباء ، السابعة : قوله في تبان وقباء ، الثامنة : قوله في تبان وقميص ، التاسعة : قوله في تبان ورداء ، ولم يقصد بذلك العدد الحصر ، بل ألحق بذلك ما يقوم مقامه . فإن قلت : كان المناسب أن يقول أو كذا أو كذا بحرف العطف ، فلم ترك حرف العطف ؟ ( قلت ) أخرج هذا على سبيل التعداد ، فلا حاجة إلى ذكر حرف العطف كما في قوله عليه الصلاة والسلام : تصدق امرؤ من ديناره من درهمه من صاع تمره ، ويجوز أن يقال : حذف حرف العطف على قول من يجوز ذلك من النحاة ، والتقدير حينئذ صلى رجل في إزار ورداء ، أو في إزار وقميص ، أو في إزار وقباء إلى آخره كذلك ، وقال الكرماني هو من باب الإبدال ( قلت ) كأنه أشار بذلك إلى ما قاله ابن المنير إنه كلام في معنى الشرط ، كأنه قال : إن جمع رجل عليه ثيابه فحسن ، ثم فصل الجمع بصور على البدلية . قوله : قال وأحسبه أي قال أبو هريرة وأحسب عمر قال في ثياب ورداء ، فإن قلت : كيف يدخل حرف العطف بين قوله ومقوله ؟ ( قلت ) هو عطف على مقدر تقديره بقي شيء من الصور المذكورة ، وأحسبه قال : في تبان ورداء . فإن قلت : كيف لم يجزم به أبو هريرة بل ذكره بالحسبان ؟ ( قلت ) لإمكان أن عمر أهمل ذلك لأن التبان لا يستر العورة كلها بناء على أن الفخذ من العورة ، فالستر به حاصل مع القباء ، ومع القميص ، وأما الرداء فقد لا يحصل ، ورأى أبو هريرة أن انحصار القسمة يقتضي ذكر هذه الصور ، وأن الستر قد يحصل بها إذا كان الرداء سابغا ، وقال ابن بطال : اللازم من الثياب في الصلاة ثوب واحد ساتر للعورة ، وقول عمر رضي الله تعالى عنه : إذا وسع الله يدل عليه ، وجمع الثياب فيها اختيار ، واستحسان ، ويقال : ذكر صورا تسعا ثلاثة منها سابغة الرداء ثم القميص ثم القباء ، وثلاثة ناقصة الإزار ثم السراويل ثم التبان ، وأفضلها الإزار ثم السراويل ، ومنهم من عكس ، واختلف أصحاب مالك فيمن صلى في سراويل ، وهو قادر على الثياب ففي المدونة : لا يعيد في الوقت ، ولا في غيره ، وعن ابن القاسم مثله ، وعن أشهب عليه الإعادة في الوقت ، وعنه أن صلاته تامة إن كان ضيقا ، وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يصلي في لحاف ، ولا يوشح به ، والآخر أن تصلي في سراويل ليس عليك رداء ، وبظاهره أخذ بعض أصحابنا ، وقال : تكره الصلاة في السراويل وحدها ، والصحيح أنه إذا ستر عورته لا تكره الصلاة فيه .