60 - بَاب بَعْثُ أَبِي مُوسَى ، وَمُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ 4341 ، 4342 حَدَّثَنَا مُوسَى ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا مُوسَى ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ : وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ قَالَ : وَالْيَمَنُ مِخْلَافَانِ ، ثُمَّ قَالَ : يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ، فَانْطَلَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى عَمَلِهِ ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَسَارَ مُعَاذٌ فِي أَرْضِهِ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَبِي مُوسَى ، فَجَاءَ يَسِيرُ عَلَى بَغْلَتِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ، وَإِذَا هُوَ جَالِسٌ ، وَقَدْ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ ، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ قَدْ جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَيُّمَ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ ، قَالَ : لَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ قَالَ : إِنَّمَا جِيءَ بِهِ لِذَلِكَ فَانْزِلْ قَالَ : مَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ، ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ : أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا قَالَ : فَكَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ ؟ قَالَ : أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأَقُومُ ، وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنْ النَّوْمِ ، فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ بَعْثِ أَبِي مُوسَى ، وَمُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِالتَّقْيِيدِ بِمَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثَ الْبَابِ أَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْيَمَنِ فَلَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، لَكِنَّ الْقَبْلِيَّةَ نِسْبِيَّةٌ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الزَّكَاةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ مُعَاذٍ مَتَى كَانَ بَعْثُهُ إِلَى الْيَمَنِ . وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ مُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْيَمَنِ خَرَجَ يُوصِيهِ وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ الْحَدِيثَ . وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ قُطَيْبٍ ، عَنْ مُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْيَمَنِ قَالَ : قَدْ بَعَثْتُكَ إِلَى قَوْمٍ رَقِيقَةٍ قُلُوبُهُمْ ، فَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ وَعِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهَا كَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا مُوسَى ) هَذَا صُورَتُهُ مُرْسَلٌ ، وَقَدْ عَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِطَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَهُوَ ظَاهِرُ الِاتِّصَالِ ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّؤَالِ عَنِ الْأَشْرِبَةِ ، لَكِنِ الْغَرَضَ مِنْهُ إِثْبَاتُ قِصَّةِ بَعْثِ أَبِي مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ ، وَهُوَ مَقْصُودُ الْبَابِ ، ثُمَّ قَوَّاهُ بِطَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَرْضِ قَوْمِي الْحَدِيثَ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ الْإِهْلَالِ ، لَكِنَّهُ يُثْبِتُ أَصْلَ قِصَّةِ الْبَعْثِ الْمَقْصُودَةِ هُنَا أَيْضًا ، ثُمَّ قَوَّى قِصَّةَ مُعَاذٍ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ حِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ ، وَبِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ مُعَاذٍ ، وَالْمُرَادُ بِهَا أَيْضًا إِثْبَاتُ أَصْلِ قِصَّةِ بَعْثِ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ ، وَإِنْ كَانَ سِيَاقُ الْحَدِيثِ فِي مَعْنًى آخَرَ ، وَقَدِ اشْتَمَلَ الْبَابُ عَلَى عِدَّةِ أَحَادِيثَ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَصْلُ الْبَعْثَ إِلَى الْيَمَنِ ، وَسَيَأْتِي فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى سَبَبُ بَعْثِهِ إِلَى الْيَمَنِ وَلَفْظُهُ : قَالَ : أَقْبَلْتُ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ وَكِلَاهُمَا سَأَلَ - يَعْنِي أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ - فَقَالَ : لَنْ نَسْتَعْمِلَ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ . قَوْلُهُ : ( وَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ ، قَالَ : وَالْيَمَنُ مِخْلَافَانِ ) الْمِخْلَافُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ فَاءٌ ، هُوَ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ ، وَهُوَ الْكُورَةُ وَالْإِقْلِيمُ وَالرُّسْتَاقُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ ، وَآخِرُهَا قَافٌ . وَكَانَتْ جِهَةُ مُعَاذٍ الْعُلْيَا إِلَى صَوْبِ عَدَنَ ، وَكَانَ مِنْ عَمَلِهِ الْجَنَدُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالنُّونِ ، وَلَهُ بِهَا مَسْجِدٌ مَشْهُورٌ إِلَى الْيَوْمِ ، وَكَانَتْ جِهَةُ أَبِي مُوسَى السُّفْلَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ) قَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ مَعْنَى الثَّانِي مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَنْ يُقَالَ : بَشِّرَا وَلَا تُنْذِرَا وَآنِسَا وَلَا تُنَفِّرَا . فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِيَعُمَّ الْبِشَارَةَ وَالنِّذَارَةَ ، وَالتَّأْنِيسَ وَالتَّنْفِيرَ . قُلْتُ : وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ النُّكْتَةَ فِي الْإِتْيَانِ بِلَفْظِ الْبِشَارَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ ، وَبِلَفْظِ التَّنْفِيرِ وَهُوَ اللَّازِمُ ، وَأَتَى بِالَّذِي بَعْدَهُ عَلَى الْعَكْسِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْإِنْذَارَ لَا يُنْفَى مُطْلَقًا بِخِلَافِ التَّنْفِيرِ ، فَاكْتَفَى بِمَا يَلْزَمُ عَنْهُ الْإِنْذَارُ وَهُوَ التَّنْفِيرُ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : إِنْ أَنْذَرْتُمْ فَلْيَكُنْ بِغَيْرِ تَنْفِيرٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا قَوْلُهُ : ( إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا ) كَذَا فِيهِ ، وَلِلْأَكْثَرِ إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ وَكَانَ قَرِيبًا أَحْدَثَ - أَيْ جَدَّدَ - بِهِ الْعَهْدَ لِزِيَارَتِهِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ فَجَعَلَا يَتَزَاوَرَانِ ، فَزَارَ مُعَاذٌ ، أَبَا مُوسَى زَادَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً قَالَ انْزِلْ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّهُ يَهُودِيٌّ ، وَسَيَأْتِي كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ مَعَ شَرْحِ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَبَيَانِ الِاخْتِلَافِ فِي مُدَّةِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ ، وَقَوْلُهُ : ( أَيْمَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَرْكِ إِشْبَاعِهَا لُغَةٌ ، وَأَخْطَأَ مَنْ ضَمَّهَا وَأَصْلُهُ أَيِ الِاسْتِفْهَامِيَّةُ دَخَلَتْ عَلَيْهَا مَا وَقَدْ سُمِعَ أَيْمَ هَذَا بِالتَّخْفِيفِ مِثْلَ إِيشَ هَذَا فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنْ ( أَيْمَ ) وَالْهَمْزُ مِنْ ( إِيشَ ) . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ) هُوَ اسْمُ أَبِي مُوسَى ( كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ : أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا ) بِالْفَاءِ ثُمَّ الْقَافِ أَيْ أُلَازِمُ قِرَاءَتَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَحِينًا بَعْدَ حِينٍ : مَأْخُوذٌ مِنْ فَوَاقِ النَّاقَةِ وَهُوَ أَنْ تُحْلَبَ ثُمَّ تُتْرَكَ سَاعَةً حَتَّى تَدِرَّ ثُمَّ تُحْلَبُ هَكَذَا دَائِمًا . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي ) قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ لَعَلَّهُ : أَرْبِي وَهُوَ الْوَجْهُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ لَوْ جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ ، وَلَكِنِ الَّذِي جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ صَحِيحٌ وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ جَزَّأَ اللَّيْلَ أَجْزَاءً : جُزْءًا لِلنَّوْمِ ، وَجُزْءًا لِلْقِرَاءَةِ وَالْقِيَامِ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى تَخْطِئَةِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الْمُوَجَّهَةِ بِمُجَرَّدِ التَّخَيُّلِ . قَوْلُهُ : ( فَاحْتَسَبْتُ نَوْمَتِي كَمَا احْتَسَبْتُ قَوْمَتِي ) كَذَا لَهُمْ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَحْتَسِبُ بِغَيْرِ الْمُثَنَّاةِ فِي آخِرِهِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ فِي الرَّاحَةِ كَمَا يَطْلُبُهُ فِي التَّعَبِ ؛ لِأَنَّ الرَّاحَةَ إِذَا قُصِدَ بِهَا الْإِعَانَةُ عَلَى الْعِبَادَةِ حَصَّلَتِ الثَّوَابَ . ( تَنْبِيهٌ ) : كَانَ بَعْثُ أَبِي مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ غَزْوَةَ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهَا فِيمَا بَعْدُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ عَالِمًا فَطِنًا حَاذِقًا ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُوَلِّهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِمَارَةَ ، وَلَوْ كَانَ فَوَّضَ الْحُكْمَ لِغَيْرِهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَوْصِيَتِهِ بِمَا وَصَّاهُ بِهِ ، وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ ، فَطَعَنُوا فِيهِ وَنَسَبُوهُ إِلَى الْغَفْلَةِ ، وَعَدَمِ الْفِطْنَةِ لِمَا صَدَرَ مِنْهُ فِي التَّحْكِيمِ بِصِفِّينَ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ : وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي وَصْفُهُ بِذَلِكَ ، وَغَايَةُ مَا وَقَعَ مِنْهُ أَنَّ اجْتِهَادَهُ أَدَّاهُ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَنَحْوِهِمْ لِمَا شَاهَدَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الشَّدِيدِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ بِصِفِّينَ ، وَآلَ الْأَمْرُ إِلَى مَا آلَ إِلَيْهِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي :
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب بَعْثُ أَبِي مُوسَى وَمُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ · ص 657 عمدة القاري شرح صحيح البخاريبعث أبي موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن قبل حجة الوداع · ص 315 بسم الله الرحمن الرحيم ( بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن قبل حجة الوداع ) أي هذا بيان بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلخ ، وفي بعض النسخ باب بعث أبي موسى إلخ ، والبعث الإرسال مصدر مضاف إلى مفعوله ، وطوى ذكر الفاعل كما قررناه ، وقيل : أراد بقوله قبل حجة الوداع الإشارة إلى ما وقع في بعض أحاديث الباب أن أبا موسى رجع من اليمن فلقي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة في حجة الوداع ، والقبلية أمر نسبي 341 - حدثنا موسى ، حدثنا أبو عوانة ، حدثنا عبد الملك ، عن أبي بردة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن ، قال : وبعث كل واحد منهما على مخلاف ، قال : واليمن مخلافان ثم قال : يسرا ، ولا تعسرا ، وبشرا ، ولا تنفرا . فانطلق كل واحد منهما إلى عمله قال : وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه كان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا فسلم عليه ، فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبي موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه ، وإذا هو جالس ، وقد اجتمع إليه الناس ، وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه ، فقال له معاذ : يا عبد الله بن قيس أيم هذا ؟ قال : هذا رجل كفر بعد إسلامه . قال : لا أنزل حتى يقتل . قال : إنما جيء به لذلك فانزل ، قال : ما أنزل حتى يقتل ، فأمر به فقتل ، ثم نزل فقال : يا عبد الله كيف تقرأ القرآن ؟ قال : أتفوقه تفوقا . قال : فكيف تقرأ أنت يا معاذ ؟ قال : أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي مطابقته للترجمة ظاهرة ، وموسى هو ابن إسماعيل الذي يقال له التبوذكي ، وأبو عوانة بالفتح الوضاح اليشكري ، وعبد الملك بن عمير ، وأبو بردة بضم الباء الموحدة ، واسمه عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس ، وهذا مرسل ، وسيأتي من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى متصلا . قوله ( مخلاف ) بكسر الميم ، وسكون الخاء المعجمة ، وهو لليمن كالريف للعراق أي الرستاق ، والمخاليف الرساتيق أي الكور . قوله : ( واليمن مخلافان ) أي أرض اليمن كورتان ، وكانت لمعاذ الجهة العليا إلى صوب عدن ، وكان من عمله الجند بفتح الجيم والنون ، وله بها مسجد مشهور إلى اليوم ، وكانت جهة أبي موسى السفلي قوله ( إلى عمله ) أي موضع عمله . قوله : ( إذا سار في أرضه كان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا ) كذا وقع في رواية الأكثرين إذا سار في أرضه كان قريبا من صاحبه أحدث به أي جدد العهد بزيارته ، ووقع في رواية سعيد بن أبي بردة التي تأتي في الباب : فجعلا يتزاوران ، فزار معاذ أبا موسى ، وزاد في رواية حميد بن هلال : ( فلما قدم عليه ألقى له وسادة ، قال : انزل ) . قوله : ( يسير ) حال من الضمير الذي في فجاء . قوله : ( وإذا هو جالس ) كلمة إذا للمفاجأة ، وكذا وإذا الثاني . قوله : ( وإذا رجل ) لم يدر ما اسمه لكن وقع في رواية سعيد بن أبي بردة أنه يهودي . قوله : ( قد جمعت يداه إلى عنقه ) جملة وقعت صفة لرجل . قوله : ( أيم ) بفتح الهمزة ، وضم الياء المشددة ، وفتح الميم ، وأصله أي التي للاستفهام فزيدت عليها كلمة ما فقيل : أيما ، وقد تسقط الألف فيصير أيم ، وقد تخفف الياء فيقال أيم بفتح الهمزة ، وسكون الياء ، وفتح الميم ، وذلك كما يقال أيش أصله أي شيء . قوله : ( إنما جيء به لذلك ) أي إنما جيء بالرجل المذكور للقتل . قوله : ( فقال : يا عبد الله ) أي فقال معاذ بن جبل لأبي موسى : يا عبد الله ، وهو اسمه كما مر غير مرة . قوله : ( أتفوقه ) بالفاء والقاف أي ألازم قراءته ليلا ونهارا شيئا بعد شيء يعني لا أقرأ وردي دفعة واحدة بل هو كما يحلب اللبن ساعة بعد ساعة ، وأصله مأخوذ من فواق الناقة ، وهو أن تحلب ثم تترك ساعة حتى تدر ثم تحلب هكذا دائما . قوله : ( جزئي ) بضم الجيم ، وسكون الزاي ، وكان قد جزأ الليل أجزاء جزءا للنوم ، وجزءا للقراءة ، وجزءا للقيام . قوله : ( فأحتسب ) من الاحتساب من باب الافتعال أي أطلب الثواب في نومتي بفتح النون ، وسكون الواو ، وفتح الميم ، كما أحتسب قومتي بفتح القاف ، وطلب الثواب في القومة ظاهر ، وأما في النومة بالنون فلأنه من جملة المعينات على الطاعة من القراءة ونحوها .