64 - بَاب ذَهَابُ جَرِيرٍ إِلَى الْيَمَنِ 4359 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : كُنْتُ بِالْيَمَنِ فَلَقِيتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ : ذَا كَلَاعٍ ، وَذَا عَمْرٍو ، فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ ذُو عَمْرٍو : لَئِنْ كَانَ الَّذِي تَذْكُرُ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِكَ فَقَدْ مَرَّ عَلَى أَجَلِهِ مُنْذُ ثَلَاثٍ وَأَقْبَلَا مَعِي ، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ رُفِعَ لَنَا رَكْبٌ مِنْ قِبَلِ الْمَدِينَةِ ، فَسَأَلْنَاهُمْ فَقَالُوا : قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ ، وَالنَّاسُ صَالِحُونَ ، فَقَالَا : أَخْبِرْ صَاحِبَكَ أَنَّا قَدْ جِئْنَا وَلَعَلَّنَا سَنَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَرَجَعَا إِلَى الْيَمَنِ ، فَأَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرٍ بِحَدِيثِهِمْ قَالَ : أَفَلَا جِئْتَ بِهِمْ ؟ فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ قَالَ لِي ذُو عَمْرٍو : يَا جَرِيرُ ، إِنَّ بِكَ عَلَيَّ كَرَامَةً ، وَإِنِّي مُخْبِرُكَ خَبَرًا ، إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا كُنْتُمْ إِذَا هَلَكَ أَمِيرٌ تَأَمَّرْتُمْ فِي آخَرَ ، فَإِذَا كَانَتْ بِالسَّيْفِ كَانُوا مُلُوكًا يَغْضَبُونَ غَضَبَ الْمُلُوكِ ، وَيَرْضَوْنَ رِضَا الْمُلُوكِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ ذَهَابِ جَرِيرٍ ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ( إِلَى الْيَمَنِ ) ذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْيَمَنِ أُقَاتِلُهُمْ وَأَدْعُوهُمْ أَنْ يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْبَعْثَ غَيْرُ بَعْثِهِ إِلَى هَدْمِ ذِي الْخَلَصَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعَثَهُ إِلَى الْجِهَتَيْنِ عَلَى التَّرْتِيبِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِيَّ حَدِيثِ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : يَا جَرِيرُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَوَاغِيتِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا بَيْتُ ذِي الْخَلَصَةِ ، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِتَأْخِيرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ جِدًّا ، وَسَيَأْتِي فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنَّ جَرِيرًا شَهِدَهَا ، فَكَأَنَّ إِرْسَالَهُ كَانَ بَعْدَهَا ، فَهَدَمَهَا ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الْيَمَنِ ، وَلِهَذَا لَمَّا رَجَعَ بَلَغَتْهُ وَفَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ وَاسْمُ أَبِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَاسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَبْسِيُّ بِالْمُوَحَّدَةِ الْحَافِظُ ، وَابْنُ إِدْرِيسَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ بِالْيَمَنِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ جَرِيرٍ عِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَهُ إِلَى ذِي عَمْرٍو ، وَذِي الْكَلَاعِ يَدْعُوهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَا ، قَالَ : وَقَالَ لِي ذُو الْكَلَاعِ : ادْخُلْ عَلَى أُمِّ شُرَحْبِيلَ يَعْنِي زَوْجَتَهُ . وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ فِي الرِّدَّةِ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةٍ نَحْوَ هَذَا . قَوْلُهُ : ( فَلَقِيتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كُنْتُ بِالْيَمَنِ ، فَأَقْبَلْتُ وَمَعِي ذُو الْكَلَاعِ ، وَذُو عَمْرٍو وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَبْيَنُ ، وَذَلِكَ أَنَّ جَرِيرًا قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ الْيَمَنِ ، وَأَقْبَلَ رَاجِعًا يُرِيدُ الْمَدِينَةَ فَصَحِبَهُ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ ذُو الْكَلَاعِ ، وَذُو عَمْرٍو ، فَأَمَّا ذُو الْكَلَاعِ فَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَاسْمُهُ إسْمَيْفَعُ بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَبَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، وَيُقَالُ : أَيْفَعُ بْنُ بَاكُورَاءَ وَيُقَالُ : ابْنُ حَوْشَبِ بْنِ عَمْرٍو . وَأَمَّا ذُو عَمْرٍو فَكَانَ أَحَدَ مُلُوكِ الْيَمَنِ وَهُوَ مِنْ حِمْيَرَ أَيْضًا ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ غَيْرِهِ ، وَلَا رَأَيْتُ مِنْ أَخْبَارِهِ أَكْثَرَ مِمَّا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَكَانَا عَزَمَا عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا بَلَغَهُمَا وَفَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَا إِلَى الْيَمَنِ ثُمَّ هَاجَرَا فِي زَمَنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( لَئِنْ كَانَ الَّذِي تَذْكُرُ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِكَ ) أَيْ حَقًّا ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَئِنْ كَانَ كَمَا تَذْكُرُ وَقَوْلُهُ : لَقَدْ مَرَّ عَلَى أَجَلِهِ جَوَابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ ، أَيْ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِهَذَا أُخْبِرْكَ بِهَذَا ، وَهَذَا قَالَهُ ذُو عَمْرٍو عَنِ اطِّلَاعٍ مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ لِأَنَّ الْيَمَنَ كَانَ أَقَامَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ فَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي دِينِهِمْ ، وَتَعَلَّمُوا مِنْهُمْ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ : إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْ بَعْضِ الْقَادِمِينَ مِنَ الْمَدِينَةِ سِرًّا ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَاهِنًا ، أَوْ أَنَّهُ صَارَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ مُحْدَّثًا أَيْ بِفَتْحِ الدَّالِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ بأنه الْمُلْهَمُ . قُلْتُ : وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى مَا قَرَّرْتُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ وَفَاتِهِ عَلَى مَا أَخْبَرَهُ بِهِ جَرِيرٌ مِنْ أَحْوَالِهِ ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَفَادًا مِنْ غَيْرِ مَا ذَكَرْتُهُ لَمَا احْتَاجَ إِلَى بِنَاءِ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ خَبَرٌ مَحْضٌ ، وَالثَّالِثَ وُقُوعُ شَيْءٍ فِي النَّفْسِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ ، عَنْ جَرِيرٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ . قَالَ لِي حَبْرٌ بِالْيَمَنِ وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْتُهُ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ . قَوْلُهُ : ( فَأَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرٍ بِحَدِيثِهِمْ قَالَ : أَفَلَا جِئْتَ بِهِمْ ) كَأَنَّهُ جَمَعَ بِاعْتِبَارِ مَنْ كَانَ مَعَهُمَا مِنَ الْأَتْبَاعِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ إِلَخْ ) لَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ لَمَّا هَاجَرَ ذُو عَمْرٍو فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ ذَا الْكَلَاعِ كَانَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ بَيْتٍ مِنْ مَوَالِيهِ ; فَسَأَلَ عُمَرُ بَيْعَهُمْ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى حَرْبِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ ذُو الْكَلَاعِ : هُمْ أَحْرَارٌ فَأَعْتَقَهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ . وَرَوَى سَيْفٌ فِي الْفُتُوحِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَسْتَنْفِرُ أَهْلَ الْيَمَنِ إِلَى الْجِهَادِ فَرَحَلَ ذُو الْكَلَاعِ وَمَنْ أَطَاعَهُ . وَذَكَرَ ابْنُ الْكُلْبِيِّ فِي النَّسَبِ أَنَّ ذَا الْكَلَاعِ كَانَ جَمِيلًا ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ يَتَعَمَّمُ . وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَقُتِلَ بِهَا . قَوْلُهُ : ( تَآمَرْتُمْ ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ تَشَاوَرْتُمْ ، أَوْ بِالْقَصْرِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ أَقَمْتُمْ أَمِيرًا مِنْكُمْ عَنْ رِضًا مِنْكُمْ أَوْ عَهْدٍ مِنَ الْأَوَّلِ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا كَانَتْ ) أَيِ الْإِمَارَةُ ( بِالسَّيْفِ ) أَيْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ ( كَانُوا مُلُوكًا ) أَيِ الْخُلَفَاءُ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا قَرَرْتُهُ أَنَّ ذَا عَمْرٍو كَانَ لَهُ اطِّلَاعٌ عَلَى الْأَخْبَارِ مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ ، وَإِشَارَتُهُ بِهَذَا الْكَلَامِ تُطَابِقُ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ سَفِينَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا عَضُوضًا . قَالَ ابْنُ التِّينِ : مَا قَالَهُ ذُو عَمْرٍو ، وَذُو الْكَلَاعِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ كِتَابٍ أَوْ كَهَانَةٍ ، وَمَا قَالَهُ ذُو عَمْرٍو لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ كِتَابٍ . قُلْتُ : وَلَا أَدْرِي لِمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَقَالَتَيْنِ وَالِاحْتِمَالُ فِيهِمَا وَاحِدٌ ، بَلِ الْمَقَالَةُ الْأَخِيرَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِهَةِ التَّجْرِبَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب ذَهَابُ جَرِيرٍ إِلَى الْيَمَنِ · ص 676 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ذهاب جرير إلى اليمن · ص 13 باب ذهاب جرير إلى اليمن أي هذا باب في بيان ذهاب جرير بن عبد الله البجلي إلى اليمن ، وذكر الطبراني من طريق إبراهيم بن جرير ، عن أبيه ، قال : بعثني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى اليمن أقاتلهم وأدعوهم أن يقولوا : لا إله إلا الله ، ( فإن قلت ) : هذا البعث غير بعثه إلى هدم ذي الخلصة أم لا ؟ ( قلت ) : الظاهر أنه غيره ، ويحتمل أن يكون بعثه إلى الجهتين على الترتيب ، ويؤيد الغيرية ما رواه ابن حبان من حديث جرير أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال له : يا جرير ، إنه لم يبق من طواغيت الجاهلية إلا بيت ذي الخلصة فإنه يشعر بتأخير هذه القصة جدا . 356 - حدثني عبد الله بن أبي شيبة العبسي ، حدثنا ابن إدريس ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ، عن جرير قال : كنت بالبحر فلقيت رجلين من أهل اليمن ذا كلاع وذا عمرو ، فجعلت أحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له ذو عمرو : لئن كان الذي تذكر من أمر صاحبك لقد مر على أجله منذ ثلاث ، وأقبلا معي حتى إذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من قبل المدينة فسألناهم فقالوا : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستخلف أبو بكر ، والناس صالحون ، فقالا : أخبر صاحبك أنا قد جئنا ، ولعلنا سنعود إن شاء الله ، ورجعا إلى اليمن فأخبرت أبا بكر بحديثهم ، قال : أفلا جئت بهم ، فلما كان بعد قال لي ذو عمرو : يا جرير إن لك علي كرامة ، وإني مخبرك خبرا إنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم إذا هلك أمير تأمرتم في آخر ، فإذا كانت بالسيف كانوا ملوكا يغضبون غضب الملوك ، ويرضون رضا الملوك . مطابقته للترجمة ظاهرة من حيث إن جريرا لما هد ذا الخلصة بعد شهوده حجة الوداع ذهب إلى اليمن ثم لما رجع بلغته وفاة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وعبد الله هو أبو بكر ، واسم أبيه محمد بن أبي شيبة ، واسمه إبراهيم بن عثمان الحافظ العبسي بفتح العين المهملة ، وسكون الباء الموحدة ، وهو شيخ مسلم أيضا يروي عن عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم . قوله ( ذا كلاع ) بفتح الكاف ، وتخفيف اللام ، واسمه إسميفع بكسر الهمزة ، وسكون السين المهملة ، وفتح الميم ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح الفاء ، وفي آخره عين مهملة ، ويقال إيفع بن باكوراء ، ويقال ابن حوشب بن عمرو ، قال أبو عمر : وأظنه من حمير ، ويقال : إنه ابن عم كعب الأحبار يكنى أبا شرحبيل ، ويقال أبو شرحبيل ، كان رئيسا في قومه مطاعا متبوعا أسلم ، وكتب إليه صلى الله عليه وسلم في التعاون على الأسود ، ومسيلمة ، وطليحة ، وكان الرسول إليه جرير بن عبد الله البجلي فأسلم ، وخرج مع جرير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان ذو الكلاع القائم بأمر معاوية في حرب صفين ، وقتل قبل انقضاء الحرب ففرح معاوية بموته ، وكان موته في سنة سبع وثلاثين ، قال أبو عمر : ولا أعلم لذي الكلاع صحبة أكثر من إسلامه ، واتباعه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حياته ، وأظنه أحد الوفود عليه ، والله أعلم ، ولا أعلم له رواية إلا عن عمرو ، وعوف بن مالك ، وقال أبو عمر : وإنه أعتق عشرة آلاف أهل بيت ، وقال ابن دريد : كان ذو الكلاع ادعى الربوبية في الجاهلية ، وأن إسلامه إنما كان أيام عمر رضي الله تعالى عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب له مع جرير ، وجرير إنما قدم بعد وفاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . قوله : ( وذا عمرو ) كان أحد ملوك اليمن ، وقال أبو عمر : ذو عمرو رجل من اليمن أقبل مع ذي الكلاع إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مسلمين ، ومعهما جرير بن عبد الله البجلي ، ويقال كانا عزما على التوجه إلى المدينة ، فلما بلغهما وفاة النبي صلى الله عليه وسلم رجعا إلى اليمن ثم هاجرا في زمن عمر رضي الله تعالى عنه . قوله : ( أحدثهم ) إنما جمع الضمير باعتبار من كان معهما . قوله : ( من أمر صاحبك ) أراد بالصاحب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : ( لقد مر على أجله منذ ثلاث ) أراد أنه مات منذ ثلاثة أيام . قال الكرماني : فإن قلت : أين جزاء الشرط ؟ قلت : جواب القسم جزاء للشرط معنى ، فإن قلت : الشرط شرطه أن يكون سببا للجزاء ، وهاهنا ليس كذلك . قلت : هو متأول بالإخبار إن تخبرني بذلك أخبرك بهذا ، فالإخبار سبب للإخبار ، وقال أيضا : إنما علم وفاته صلى الله تعالى عليه وسلم إما بسماعه من بعض القادمين من المدينة سرا ، وإما أنه كان من المحدثين ، وإما أنه كان في الجاهلية كاهنا ، وقيل : إنما أخبر بذلك عن اطلاع من الكتب القديمة لأن اليمن كان أقام بها جماعة من اليهود فدخل كثير من أهل اليمن في دينهم ، وتعلموا منهم . قوله : ( وأقبلا معي ) من كلام جرير أي أقبل ذو الكلاع وذو عمرو يعني متوجهين إلى المدينة . قوله : ( فقالا ) أي ذو الكلاع وذو عمرو أخبر صاحبك ، أراد به أبا بكر رضي الله تعالى عنه . قوله : ( بحديثهم ) قد ذكرنا أن جمعه باعتبار أتباعهم أو باعتبار أن أقل الجمع اثنان . قوله : ( فلما كان بعد ) بضم الدال على البناء أي بعد هذا الأمر ، ولعله كان ذلك بعد أن هاجر ذو عمرو في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ، وذكر يعقوب بن شبة بإسناد له أن ذا الكلاع كان معه اثنا عشر ألف بيت من مواليه فسأله عمر بيعهم ليستعين بهم على حرب المشركين ، فقال ذو الكلاع : هم أحرار فأعتقهم في ساعة واحدة . قوله : ( كرامة ) منصوب . قوله : ( تآمرتم ) بمد الهمزة ، وتخفيف الميم أي تشاورتم ، والائتمار المشاورة ، ويروى ( تأمرتم ) بالقصر ، وبتشديد الميم أي أقمتم أميرا منكم عن رضى منكم أو عهد من الأول . قوله : ( فإذا كانت ) أي الإمارة بالسيف أي بالقهر والغلبة كانوا ملوكا أي خلفاء ، وهذا الكلام منه يدل على أن ذا عمرو له اطلاع على الأخبار من الكتب القديمة لأنه يطابق حديث سفينة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا . رواه أحمد ، وأصحاب السنن ، وصححه ابن حبان .