4452 ، 4453 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يُكَلِّمْ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَتَيَمَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُغَشًّى بِثَوْبِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ، وَبَكَى ثُمَّ قَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا . قَوْلُهُ : ( مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِضَمِّهَا أَيْضًا وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ ، وَتَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي الْجَنَائِزِ ، وَأَنَّهُ مَسْكَنُ زَوْجَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . قَوْلُهُ : ( لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ ، وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِالْمَوْتَةِ الْأُخْرَى مَوْتَةُ الشَّرِيعَةِ أَيْ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَكَ وَمَوْتَ شَرِيعَتِكَ . قَالَ هَذَا الْقَائِلُ : وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْتَ : لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا لِأَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ . قُلْتُ : وَرِوَايَةُ ابْنِ السَّكَنِ قَدْ أَوْضَحَتِ الْمُرَادَ فَإِنَّهُ زَادَ لَفْظَ : عَلِمْتُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَرَضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَفَاتِهِ · ص 752 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَرَضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَفَاتِهِ · ص 752 4454 قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ : اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، وَتَرَكُوا عُمَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمَّا بَعْدُ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَالَ اللَّهُ : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إِلَى قَوْلِهِ : الشَّاكِرِينَ وَقَالَ : وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنْ النَّاسِ إِلَّا يَتْلُوهَا فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ) الْقَائِلُ هُوَ الزُّهْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ ) أَيْ يَقُولُ لَهُمْ : مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ بَابَنُوسَ ، عَنْ عَائِشَةَ مُتَّصِلًا بِمَا ذَكَرْتُهُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّامِنِ شَيْءٌ دَارَ بَيْنَ الْمُغِيرَةِ ، وَعُمَرَ . فَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهَا : فَسَجَّيْتُهُ ثَوْبًا : فَجَاءَ عُمَرُ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَاسْتَأْذَنَا فَأَذِنْتُ لَهُمَا ، وَجَذَبْتُ الْحِجَابَ فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَيْهِ فَقَالَ : وَاغَشْيَتَاهْ . ثُمَّ قَامَا ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْبَابِ قَالَ الْمُغِيرَةُ : يَا عُمَرُ مَاتَ . قَالَ : كَذَبْتَ ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ تَحُوشُكَ فِتْنَةٌ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَمُوتُ حَتَّى يُفْنِيَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ . ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَرَفَعْتُ الْحِجَابَ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِعُمَرَ : هَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ ، وَلَمْ يَمُتْ حَتَّى حَارَبَ وَسَالَمَ وَنَكَحَ وَطَلَّقَ وَتَرَكَكُمْ عَلَى مَحَجَّةٍ وَاضِحَةٍ وَهَذِهِ مِنْ مُوَافَقَاتِ الْعَبَّاسِ ، لِلصِّدِّيقِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مَرَّ بِعُمَرَ وَهُوَ يَقُولُ : مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَقْتُلَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ ، وَكَانُوا أَظْهَرُوا الِاسْتِبْشَارَ وَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ، فَقَالَ : أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ ، أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَقَالَ تَعَالَى : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ثُمَّ أَتَى الْمِنْبَرَ فَصَعِدَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَذَكَرَ خُطْبَتَهُ . قَوْلُهُ : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ زَادَ يَزِيدُ بْنُ بَابَنُوسُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ ، ثُمَّ تَلَا وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ الْآيَةَ ، وَقَالَ فِيهِ : قَالَ عُمَرُ . أَوَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ مَا شَعَرْتُ أَنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ ، وَزَادَ : ثُمَّ نَزَلَ ، فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ ، وَأَخَذَ الْمُنَافِقِينَ الْكَآبَةُ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَكَأَنَّمَا عَلَى وُجُوهِنَا أَغْطِيَةٌ فَكُشِفَتْ . قَوْلُهُ : ( فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ) هُوَ مَقُولُ الزُّهْرِيِّ ، وَأَغْرَبَ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ : مَا أَدْرِي : الْقَائِلُ : فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الزُّهْرِيُّ أَوْ شَيْخُهُ أَبُو مَسْلَمَةَ ؟ فَقُلْتُ : صَرَّحَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ بِأَنَّهُ الزُّهْرِيُّ ، وَأَثَرُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ عُمَرَ هَذَا أَهْمَلَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ أَنَّهُ عَلَى شَرْطِهِ . قَوْلُهُ : ( فَعُقِرْتُ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ هَلَكْتُ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ دَهَشْتُ وَتَحَيَّرْتُ ، وَيُقَالُ : سَقَطْتُ ، وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ بِالْفَاءِ مِنَ الْعَفَرِ وَهُوَ التُّرَابُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَقُعِرْتُ بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْعَيْنِ وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ . قَوْلُهُ : ( مَا تُقِلُّنِي ) بِضَمِّ أَوَّلُهُ وَكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ مَا تَحْمِلُنِي . قَوْلُهُ : ( وَحَتَّى أَهْوَيْتُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : هَوَيْتُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ . قَوْلُهُ : ( إِلَى الْأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَقَوْلُهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ تَلَاهَا : أَيْ تَلَا الْآيَةَ الَّتِي مَعْنَاهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ فَعَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ وَهِيَ وَاضِحَةٌ ، وَكَذَا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَعُقِرْتُ وَأَنَا قَائِمٌ حَتَّى خَرَرْتُ إِلَى الْأَرْضِ ، فَأَيْقَنْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ مَاتَ وَفِي الْحَدِيثِ قُوَّةُ جَأْشِ أَبِي بَكْرٍ وَكَثْرَةُ عِلْمِهِ ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَبَّاسُ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَالْمُغِيرَةُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ كَمَا فِي الْمَغَازِي لِأَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَالنَّاسُ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ ، وَكَانَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْأَقَلَّ عَدَدًا فِي الِاجْتِهَادِ قَدْ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ الْأَكْثَرَ فَلَا يَتَعَيَّنُ التَّرْجِيحُ بِالْأَكْثَرِ ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ ظَهَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَلَّدَ بَعْضًا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته · ص 72 439 - حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو سلمة أن عائشة أخبرته أن أبا بكر رضي الله عنه أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل ، فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ، فتيمم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مغشى بثوب حبرة ، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى ، ثم قال : بأبي أنت وأمي ، والله لا يجمع الله عليك موتتين ، أما الموتة التي كتبت عليك ، فقد متها . قال الزهري : وحدثني أبو سلمة عن عبد الله بن عباس أن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس ، فقال : اجلس يا عمر ، فأبى عمر أن يجلس ، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر ، فقال أبو بكر : أما بعد ، من كان منكم يعبد محمدا - صلى الله عليه وسلم - فإن محمدا قد مات ، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله تعالى : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إلى قوله : الشَّاكِرِينَ وقال : والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر ، فتلقاها منه الناس كلهم ، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها ، فأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعقرت حتى ما تقلني رجلاي ، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد مات . مطابقته للترجمة ظاهرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه ، والحديث مر في كتاب الجنائز في باب الدخول على الميت ، ومر الكلام فيه هناك . قوله بالسنح بضم السين المهملة وسكون النون وبضمها أيضا ، وبالحاء المهملة ، وهو موضع في عوالي المدينة ، كان للصديق مسكن ثمة ، ويقال : هو من منازل بني الحارث بن الخزرج بعوالي المدينة ، وقيل : كان مسكن زوجته . قوله فتيمم قصد قوله وهو مغشى ؛ أي مغطى ، بثوب حبرة بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة ، وهو ثوب يماني ، ويقال : ثوب حبرة بالإضافة وبالصفة . قوله موتتين إنما قال ذلك أبو بكر حين قال عمر : حين مات النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إن الله سيبعث نبيه فيقطع أيدي رجال قالوا إنه مات ، ثم يموت آخر الزمان ، فأراد أبو بكر رد كلامه أي لا يكون ذلك في الدنيا إلا موتة واحدة ، وقال الداودي : أي لا يموت في قبره موتة أخرى كما قيل في الكافر والمنافق بعد أن ترد إليه روحه ، ثم تقبض ، وقيل : لا يجمع الله عليك كرب هذا الموت قد عصمك من عذابه ومن أهوال يوم القيامة ، وقيل : أراد بالموتة الأخرى موت الشريعة ، أي لا يجمع الله عليك موتك وموت شريعتك . قوله قال الزهري وحدثني أبو سلمة ، وفي بعض النسخ قال وحدثني ، بدون ذكر الزهري . قوله وعمر يكلم الناس ؛ أي يقول لهم : ما مات رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وعن أحمد بإسناده عن عائشة فقال عمر : لا يموت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - حتى ينفي المنافقين . قوله فأخبرني سعيد بن المسيب من كلام الزهري ، أي قال الزهري : فأخبرني سعيد بن المسيب ، وقال الخطابي : ما أدري من يقول ذلك أبو سلمة أو الزهري ، قيل : صرح عبد الرزاق عن معمر بأنه الزهري . قوله فعقرت بضم العين وكسر القاف ، أي هلكت ، ويروى بفتح العين أي دهشت وتحيرت ، وقيل : سقطت ، ورواه يعقوب بن السكيت بالفاء من العفر ، وهو التراب ، وفي رواية الكشميهني : فقعرت - بتقديم القاف على العين ، قيل : هو خطأ ، والصواب الأول . قوله ما تقلني بضم أوله وكسر القاف وتشديد اللام ، أي ما تحملني ، ومنه قوله تعالى حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا قوله أهويت وفي رواية الكشميهني : هويت قال بعضهم : هويت بفتح أوله وكسر الواو ، أي سقطت ، قلت : ليس كذلك ، بل هو بفتح الهاء والواو معا ، لأنه من هوى يهوي هويا من باب ضرب يضرب ، ومنه قوله تعالى وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى وأما هوي بكسر الواو يهوى بمعنى أحب فمن باب علم يعلم . قوله حين سمعته تلاها أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قد مات هكذا رواية الأكثرين ، ويروى حين سمعته تلاها علمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد مات قال الكرماني : فإن قلت كيف قال تلاها أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قد مات وليس في القرآن ذلك ، قلت : تقديره : تلاها رجل أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قد مات ، ولتقرير ذلك ، وقال بعضهم : قوله أن النبي بدل من الهاء في قوله تلاها ؛ أي تلا الآية ، معناها أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قد مات ، وهي قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ قلت : الذي قاله الكرماني أوضح وأحسن .