10 - بَاب قوله تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الْقَوَاعِدُ : أَسَاسُهُ ، وَاحِدَتُهَا قَاعِدَةٌ . وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ وَاحِدُهَا قَاعِدٌ . 4484 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَمْ تَرَيْ أَنْ قَوْمَكِ بَنَوْا الْكَعْبَةَ وَاقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ؟ قَالَ : لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ سَاقَ إِلَى - الْعَلِيمِ . قَوْلُهُ : ( الْقَوَاعِدُ : أَسَاسُهُ ، وَاحِدَتُهَا قَاعِدَةٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ قَالَ : قَوَاعِدُهُ : أَسَاسُهُ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : يُقَالُ : الْقَوَاعِدُ أَسَاسُ الْبَيْتِ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : اخْتَلَفُوا فِي الْقَوَاعِدِ الَّتِي رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ أَهُمَا أَحْدَثَاهَا أَمْ كَانَتْ قَبْلَهُمَا ، ثُمَّ رَوَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتْ قَوَاعِدُ الْبَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ . وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ قَالَ : قَالَ آدَمُ : أَيْ رَبِّ ، لَا أَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْمَلَائِكَةِ . قَالَ : ابْنِ لِي بَيْتًا ثُمَّ احْفُفْ بِهِ كَمَا رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تَحُفُّ بِبَيْتِي الَّذِي فِي السَّمَاءِ . فَيَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ حَتَّى بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بَعْدُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِزِيَادَةٍ فِيهِ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ . قَوْلُهُ : وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ وَاحِدَتُهَا قَاعِدٌ ) أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى أَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ مُشْتَرَكٌ ، وَتَظْهَرُ التَّفْرِقَةُ بِالْوَاحِدِ ، فَجَمْعُ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي قَعَدْنَ عَنِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِمْتَاعِ : قَاعِدٌ ، بِلَا هَاءٍ وَلَوْلَا تَخْصِيصُهُنَّ بِذَلِكَ لَثَبَتَ الْهَاءُ نَحْوُ قَاعِدَةٍ مِنَ الْقُعُودِ الْمَعْرُوفِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي بِنَاءِ قُرَيْشٍ الْبَيْتَ ، وَقَدْ سَبَقَ بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ · ص 19 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى · ص 92 باب قوله واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى أي : هذا باب ، وليس في كثير من النسخ لفظ باب ، وإنما المذكور قوله تعالى وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى قوله وَاتَّخِذُوا بكسر الخاء المعجمة أمر للجماعة على إرادة القول ؛ أي وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة ، وهكذا هو عند الجمهور ، وقرئ واتخذوا بفتح الخاء جملة فعلية ماضية ، وهي قراءة نافع وابن عامر ، أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم ، عطف على قوله وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا الآية ، ومقام إبراهيم هو الحجر الذي عليه أثر قدميه ، وعن عطاء : مقام إبراهيم عرفة والمزدلفة والجمار ، لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها . قوله مصلى ؛ أي موضع صلاة تصلون فيه ، وهو على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب ، وقيل : مصلى أي مدعى . مثابة : يثوبون يرجعون . هو في قوله وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً ؛ يعني مرجعا للناس من الحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه ، والمثابة الموضع الذي يرجع إليه مرة بعد أخرى ، من ثاب ثوبا وثوبانا رجع بعد ذهابه ، وأصله مثوبة ؛ نقلت حركة الواو إلى ما قبلها ثم قلبت ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها ، ونقل بعضهم عن أبي عبيدة أن مثوبة مصدر يثوبون ، قلت : ليس بمصدر ، بل هو اسم للمصدر ، ويجوز أن يكون مصدرا ميميا . 10 - حدثنا مسدد ، عن يحيى بن سعيد ، عن حميد ، عن أنس قال : قال عمر رضي الله عنه : وافقت الله في ثلاث - أو وافقني ربي في ثلاث ؛ قلت : يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ! وقلت : يا رسول الله ، يدخل عليك البر والفاجر ، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ! فأنزل الله آية الحجاب . قال : وبلغني معاتبة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض نسائه فدخلت عليهن ، قلت : إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - خيرا منكن ، حتى أتيت إحدى نسائه ، قالت : يا عمر ، أما في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت ! فأنزل الله : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ الآية . مطابقته للآية في قوله وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى والحديث مضى في كتاب الصلاة في باب ما جاء في القبلة ؛ فإنه أخرجه هناك عن عمرو بن عون عن هشيم عن حميد عن أنس ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله آية الحجاب هي قوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ الآية . قوله إحدى نسائه هي أم سلمة . وفيه الموافقة في ثلاثة ، وقد ثبتت أيضا في منع الصلاة على المنافقين وفي قصة أسارى بدر وفي تحريم الخمر ، والتخصيص بالعدد لا ينافي الزائد ، ويحتمل أن يكون هذا القول قبل موافقة هذه الثلاثة . وقال ابن أبي مريم : أخبرنا يحيى بن أيوب ، حدثني حميد ، سمعت أنسا ، عن عمر رضي الله عنه . ابن أبي مريم سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم المصري ، ويحيى بن أيوب الغافقي - بالغين المعجمة والفاء والقاف ، ومضى هذا أيضا في كتاب الصلاة في الباب المذكور آخر هذا الحديث وهناك لفظه ، وقال أبو عبد الله : وقال ابن أبي مريم - وأبو عبد الله هو البخاري ، ذكر هذا عن ابن أبي مريم بالمذاكرة ، وقد مر الكلام فيه هناك فليرجع إليه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى · ص 92 قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم أي اذكر إذ يرفع ؛ أي حين يرفع إبراهيم ، وهي حكاية حال ماضية ، والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه ، وقال الفراء : القواعد أساس البيت . وقال الطبري : اختلفوا في القواعد التي رفعها إبراهيم وإسماعيل صلوات الله عليهما ؛ أهما أحدثاها أم كانت قبلهما ؟ ثم روَى بسند صحيح عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال : كانت قواعد البيت قبل ذلك . ومن طريق عطاء قال : قال آدم عليه السلام : أي رب ، لا أسمع أصوات الملائكة ! قال : ابن لي بيتا ، ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء - فزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل حتى بناه إبراهيم عليه السلام بعد ، وقال الزمخشري : معنى رفع القواعد رفعها بالبناء . قوله ربنا ؛ أي يقولان ربنا ، يعني يرفعانها حال كونهما قائلين ربنا . قوله إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ؛ أي لدعائنا العليم ؛ أي بضمائرنا ونياتنا . القواعد أساسه ، واحدتها قاعدة ، والقواعد من النساء واحدها قاعد . أشار بهذا إلى الفرق بين القواعد التي هي جمع قاعدة البناء وبين جمع القواعد التي هي جمع قاعد من النساء بلا تاء ، حاصله أن لفظ القواعد مشترك بين قواعد الأساس وقواعد النساء ، والفرق في مفرديهما أن القاعدة بتاء التأنيث الأساس وبدونها المرأة التي قعدت عن الحيض ، وذلك لتخصيصهن بذلك في هذه الحالة ، وفي غير هذه الحال بالتاء أيضا ، وذلك من القعود خلاف القيام ؛ فافهم ! 11 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ألم تري أن قومك بنوا الكعبة واقتصروا عن قواعد إبراهيم ! فقلت : يا رسول الله ، ألا تردها على قواعد إبراهيم ؟ قال : لولا حدثان قومك بالكفر ! فقال عبد الله بن عمر : لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم . مطابقته للآية في قوله واقتصروا عن قواعد إبراهيم ، وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، والحديث مضى في كتاب الحج في باب فضل مكة وبنيانها ومضى الكلام فيه هناك . قوله حدثان بكسر الحاء وسكون الدال المهملتين وبالثاء المثلثة ، مصدر حدث يحدث حدوثا وحدثانا ، وجواب لولا محذوف تقديره لولا قرب عهد قومك ثابت لرددتها . قوله الحجر بكسر الحاء ، وذلك لأن ستة أذرع منه كانت من البيت ، فالركنان اللذان فيه لم يكونا على الأساس الأول . قوله لم يتمم ، ويروى لم يتم .