31 - بَاب التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَكَبِّرْ . 399 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ - أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ - شَهْرًا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ - وَهُمْ الْيَهُودُ - : مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَمَا صَلَّى فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ : هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ . فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ ) أَيْ حَيْثُ وُجِدَ الشَّخْصُ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ كَمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي فِي الْبَابِ وَهُوَ حَدِيثُ جَابِرٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ ، وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْبَرَاءِ ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مُصَرِّحًا بِتَحْدِيثِ الْبَرَاءِ لَهُ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ ) جَاءَ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ - وَالْيَهُودُ أَكْثَرُ أَهْلِهَا - يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ ، فَاسْتَقْبَلَهَا سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ ، فَكَانَ يَدْعُو وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَنَزَلَتْ . وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : إِنَّمَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا : يُخَالِفُنَا مُحَمَّدٌ وَيَتْبَعُ قِبْلَتَنَا ، فَنَزَلَتْ . وَظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أَنَّ اسْتِقْبَالَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ بِأَنْ يَكُونَ أُمِرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا هَاجَرَ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الصَّلَاةِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَ مَا صَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ ، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَصَلَّى ثَلَاثَ حِجَجٍ ، ثُمَّ هَاجَرَ فَصَلَّى إِلَيْهِ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ . فَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلِ أَمَرَهُ اللَّهُ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاجْتِهَادٍ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَتَأَلَّفُ أَهْلَ الْكِتَابِ ، وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ بِتَوْقِيفٍ . قَوْلُهُ : ( نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ) أَيْ بِالْمَدِينَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ تَحْرِيرُ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَأَنَّهَا سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا وَأَيَّامٌ . قَوْلُهُ : ( يُوَجَّهُ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ يُؤْمَرُ بِالتَّوَجُّهِ . قَوْلُهُ : ( فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِجَالٌ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْحَمَوِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا رَجُلٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ أَنَّ اسْمُهُ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ، وَتَحْتَاجُ رِوَايَةُ الْمُسْتَمْلِي إِلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ خَرَجَ أَيْ بَعْضُ أُولَئِكَ الرِّجَالِ . قَوْلُهُ : ( فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ) ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَفِيهِ إِفْصَاحٌ بِالْمُرَادِ . وَوَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ثُوَيْلَةَ بِنْتِ أَسْلَمَ صَلَّيْتُ الظُّهْرَ - أَوِ الْعَصْرَ - فِي مَسْجِدِ بَنِي حَارِثَةَ فَاسْتَقْبَلْنَا مَسْجِدَ إِيلْيَاءَ فَصَلَّيْنَا سَجْدَتَيْنِ - أَيْ رَكْعَتَيْنِ - ثُمَّ جَاءَنَا مَنْ يُخْبِرُنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِ اسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ . وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي تَحَوَّلَتِ الْقِبْلَةُ عِنْدَهَا ، وَكَذَا فِي الْمَسْجِدِ فَظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَرَاءِ هَذَا أَنَّهَا الظُّهْرُ ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ قَالَ : يُقَالُ إِنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ فِي مَسْجِدِهِ بِالْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَاسْتَدَارَ إِلَيْهِ وَدَارَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ . وَيُقَالُ زَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فِي بَنِي سَلَمَةَ فَصَنَعَتْ لَهُ طَعَامًا وَحَانَتِ الظُّهْرُ فَصَلَّى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أُمِرَ فَاسْتَدَارَ إِلَى الْكَعْبَةِ وَاسْتَقْبَلَ الْمِيزَابَ فَسُمِّيَ مَسْجِدَ الْقِبْلَتَيْنِ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ قَالَ الْوَاقِدِيُّ : هَذَا أَثْبَتُ عِنْدَنَا . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ حِينَ صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ ، فَدَارَ وَدُرْنَا مَعَهُ فِي رَكْعَتَيْنِ ، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْكَعْبَةِ ، ولِلطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعْفٌ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ ) أَيِ الرَّجُلُ ( هُوَ يَشْهَدُ ) يَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَهُ ، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي نَقَلَ كَلَامَهُ بِالْمَعْنَى ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْإِيمَانِ بِلَفْظِ أَشْهَدُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ هُنَاكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ · ص 598 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب التوجه نحو القبلة حيث كان · ص 311 31 - باب التوجه نحو القبلة حيث كان وقال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : استقبل القبلة وكبر مراده بهذا الباب : أن القبلة يجب التوجه إلى نحوها حيث كان المصلي من أقطار الأرض في حضر أو سفر ، كما دل عليه قوله تعالى : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه ، هو قول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته لما علمه الصلاة : إذا قمت إلى صلاتك فاستقبل القبلة وكبر . وقد خرجه مسلم بهذا اللفظ .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب التوجه نحو القبلة حيث كان · ص 311 وخرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 399 - حدثنا عبد الله بن رجاء : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس ستة عشر - أو سبعة عشر - شهرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه إلى الكعبة ، فأنزل الله عز وجل : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فتوجه نحو الكعبة ، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - : مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رجل ، ثم خرج بعدما صلى ، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس ، فقال : هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه توجه نحو الكعبة ، فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة قد تقدم هذا الحديث في كتاب : الإيمان ، فإن البخاري خرجه في باب : الصلاة من الإيمان عن عمرو بن خالد ، عن زهير ، عن أبي إسحاق ، بأتم من هذا السياق ،
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب التوجه نحو القبلة حيث كان · ص 134 باب التوجه نحو القبلة حيث كان أي هذا باب في بيان التوجه إلى جهة القبلة حيث كان المصلي ؛ أي حيث وجد في سفر أو حضر وكان تامة ، فلذلك اقتصر على اسمه ، والمراد به في صلاة الفريضة ، وذلك لقوله تعالى : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ والمناسبة بين البابين ظاهرة . وقال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : استقبل القبلة وكبر . هذا التعليق طرف من حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته ، ساقه البخاري بهذا اللفظ في كتاب الاستئذان . 63 - حدثنا عبد الله بن رجاء قال : حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يوجه إلى الكعبة ، فأنزل الله عز وجل : قد نرى تقلب وجهك في السماء ، فتوجه نحو الكعبة ، وقال السفهاء من الناس وهم اليهود : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل ثم خرج بعدما صلى ، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس فقال هو يشهد أنه صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه توجه نحو الكعبة ، فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة . مطابقته للترجمة في قوله ( فتوجه نحو الكعبة التي استقرت قبلة أبدا ) في أي حالة كان المصلي صلاة الفرض . ذكر رجاله : وهم أربعة ؛ الأول : عبد الله بن رجاء - بتخفيف الجيم - الغداني بضم الغين المعجمة . الثاني : إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق . الثالث : أبو إسحاق السبيعي ، جد إسرائيل ، واسمه عمرو بن عبد الله الكوفي . الرابع : البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين بصري وكوفي . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في باب الصلاة من الإيمان عن عمرو بن خالد عن زهير عن أبي إسحاق عن البراء ، وأخرجه في التفسير أيضا عن أبي نعيم وعن محمد بن المثنى ، وفي خبر الواحد عن يحيى عن وكيع . وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن المثنى وأبي بكر بن خلاد ، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه ، وقد ذكرنا جميع ذلك في باب الصلاة من الإيمان . ذكر معناه : قوله ( صلى نحو بيت المقدس ) ؛ أي بالمدينة صلى جهة بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، فالشك من البراء ، وكذا وقع الشك عند البخاري في رواية زهير وأبي نعيم ، ورواه أبو عوانة في صحيحه من رواية أبي نعيم فقال ستة عشر من غير شك ، وكذا في رواية مسلم رواية الأحوص ، والنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة ، ووقع في رواية أحمد والطبراني عن ابن عباس سبعة عشر ، ونص النووي على صحة ستة عشر والقاضي على صحة سبعة عشر ، وهو قول أبي إسحاق وابن المسيب ومالك بن أنس ، والجمع بينهما أن من جزم بستة عشر أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا وألغى الأيام الزائدة فيه ، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا ، ومن شك تردد فيهما وذلك أن قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف ، وكان التحويل في نصف شهر رجب في السنة الثانية على الصحيح ، وبه جزم الجمهور . وجاءت فيه روايات أخرى ، ففي سنن أبي داود وابن ماجه ثمانية عشر شهرا ، وحكى المحب الطبري ثلاثة عشر شهرا ، وفي رواية أخرى سنتين ، وأغرب منهما تسعة أشهر وعشرة أشهر وهما شاذان . قوله ( أن يوجه ) على صيغة المجهول . قوله ( وصلى مع النبي - عليه الصلاة والسلام - رجل ) واسمه عباد بن بشر ، قاله ابن بشكوال ، وقال أبو عمر : عباد بن نهيك بفتح النون وكسر الهاء ، ووقع في رواية المستملي والحموي : فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجال ؛ بالجمع ، وقال الكرماني : فعلى هذه الرواية إلى ما يرجع الضمير في قوله : ثم خرج . قلت : إلى ما دل عليه رجال وهو مفرد ، أو معناه ثم خرج خارج . قلت : معناه على هذا ثم خرج خارج منهم ، فيكون الفاعل محذوفا . قوله ( بعدما صلى ) ، كلمة ما إما مصدرية وإما موصولة . قوله ( في صلاة العصر نحو بيت المقدس ) ، كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس ؛ أي جهته . قوله : ( فقال ) ؛ أي الرجل . قوله ( هو يشهد ) أراد به نفسه ، ولكن عبر عنها بلفظ الغيبة على سبيل التجريد أو على طريقة الالتفات ، أو نقل كلامه بالمعنى ، ويؤيده الرواية المذكورة في باب الإيمان من الصلاة بلفظ : أشهد ، ووقع هنا صلاة العصر ، وجاء في رواية أخرى عن ابن عمر في البخاري ومسلم والنسائي صلاة الصبح ، والتوفيق بينهما أن هذا الخبر وصل إلى قوم كانوا يصلون في نفس المدينة صلاة العصر ثم وصل إلى أهل قبا في صبح اليوم الثاني ؛ لأنهم كانوا خارجين عن المدينة لأن قبا من جملة سوادها وفي حكم رساتيقها ، وقد استقصينا الكلام فيه في باب الصلاة من الإيمان . ذكر ما يستنبط منه : فيه جواز نسخ الأحكام عند الجمهور إلا طائفة لا يقولون به ولا يعبأ بهم ، وفيه الدليل على نسخ السنة بالقرآن عند الجمهور وللشافعي فيه قولان ، وفيه دليل على قبول خبر الواحد ، وفيه وجوب الصلاة إلى القبلة والإجماع على أنها الكعبة ، وفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين ، وفيه أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه . وفي هذا الباب أبحاث طويلة ، فمن أراد الوقوف عليها فعليه بالمراجعة إلى ما ذكرنا في شرح باب الصلاة من الإيمان .