32 - بَاب مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ ، وَمَنْ لَا يَرَى الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْ الظُّهْرِ وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ ثُمَّ أَتَمَّ مَا بَقِيَ 402 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَآيَةُ الْحِجَابِ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ . حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا بِهَذَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ ) أَيْ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ ( وَمَنْ لَمْ يَرَ الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ) وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ إِذَا تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ . وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا تَجِبُ فِي الْوَقْتِ لَا بَعْدَهُ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ يُعِيدُ إِذَا تَيَقَّنَ الْخَطَأَ مُطْلَقًا . وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ مَا يُوَافِقُ قَوْلَ الْأَوَّلِينَ ، لَكِنْ قَالَ : لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . . إِلَخْ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ ، لَكِنَّ قَوْلُهُ : وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ لَيْسَ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِهَذَا اللَّفْظِ مَوْصُولًا ، لَكِنَّهُ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَوَهِمَ ابْنُ التِّينِ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ حَيْثُ جَزَمَ بِأَنَّهُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ . وَمُنَاسَبَةُ هَذَا التَّعْلِيقِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ بِنَاءَهُ عَلَى الصَّلَاةِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ فِي حَالِ اسْتِدْبَارِهِ الْقِبْلَةَ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ سَاهِيًا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ ) هُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ ، لَكِنَّهُ صَغِيرٌ عَنْ كَبِيرٍ . قَوْلُهُ : ( وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ ) أَيْ وَقَائِعَ ، وَالْمَعْنَى : وَافَقَنِي رَبِّي فَأَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى وَفْقِ مَا رَأَيْتُ ، لَكِنْ لِرِعَايَةِ الْأَدَبِ أَسْنَدَ الْمُوَافَقَةَ إِلَى نَفْسِهِ ، أَوْ أَشَارَ بِهِ إِلَى حُدُوثِ رَأْيهِ وَقِدَمِ الْحُكْمِ ، وَلَيْسَ فِي تَخْصِيصِهِ الْعَدَدَ بِالثَّلَاثِ مَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ الْمُوَافَقَةُ فِي أَشْيَاءَ غَيْرِ هَذِهِ مِنْ مَشْهُورِهَا قِصَّةُ أُسَارَى بَدْرٍ وَقِصَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ، وَهُمَا فِي الصَّحِيحِ ، وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ فَقَالُوا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ عُمَرُ إِلَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ فِيهِ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ عُمَرُ ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى كَثْرَةِ مُوَافَقَتِهِ ، وَأَكْثَرُ مَا وَقَفْنَا مِنْهَا بِالتَّعْيِينِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ لَكِنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَنْقُولِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحِجَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ ، وَعَلَى مَسْأَلَةِ التَّخْيِيرِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ : عَسَى رَبُّهُ . . . إِلَخْ وَذَكَرَ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ زِيَادَةً يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي بَابِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ اللَّائِقُ إِيرَادَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الْمَاضِي وَهُوَ قَوْلُهُ : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّنْصِيصِ فِيهِ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا فَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا مُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ فَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ التَّرْجَمَةِ مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ بِالْكَعْبَةِ فَظَاهِرٌ ، أَوْ بِالْحَرَمِ كُلِّهِ فَمِنْ فِي قَوْلِهِ : مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ لِلتَّبْعِيضِ ، وَمُصَلًّى أَيْ قِبْلَةً ، أَوْ بِالْحَجَرِ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَيَكُونَ تَعَلُّقُهُ بِالْمُتَعَلِّقِ بِالْقِبْلَةِ لَا بِنَفْسِ الْقِبْلَةِ ، وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ تَعَلُّقَ الْحَدِيثِ بِالتَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ اجْتَهَدَ فِي أَنِ اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلَّى إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي هُوَ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ فَاخْتَارَ إِحْدَى جِهَاتِ الْقِبْلَةِ بِالِاجْتِهَادِ ، وَحَصَلَتْ مُوَافَقَتُهُ عَلَى ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى تَصْوِيبِ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ إِذَا بَذَلَ وُسْعَهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، وَفَائِدَةُ إِيرَادِ هَذَا الْإِسْنَادِ مَا فِيهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ حُمَيْدٍ مِنْ أَنَسٍ فَأُمِنَ مِنْ تَدْلِيسِهِ ، وَقَوْلُهُ : ( بِهَذَا ) أَيْ إِسْنَادًا وَمَتْنًا ، فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ ، عَنْ عُمَرَ لَا مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَفَائِدَةُ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ تَصْرِيحُ حُمَيْدٍ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ أَنَسٍ ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَإِنْ خَرَّجَ لَهُ فِي الْمُتَابَعَاتِ . وَأَقُولُ : وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَابَعَاتِ ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بِالتَّصْرِيحِ الْمَذْكُورِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يُوسُفَ الْقَاضِي ، عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزُّهْرَانِيِّ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ وَمَنْ لَمْ يَرَ الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ · ص 601 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة · ص 316 32 - باب ما جاء في القبلة ، ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة وقد سلم النبي صلى الله عليه وسلم في ركعتي الظهر ، فأقبل على الناس بوجهه ، ثم أتم ما بقي . خرج فيه ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : قال : 402 - حدثنا عمرو بن عون : ثنا هشيم ، عن حميد ، عن أنس ، قال : قال عمر : وافقت ربي في ثلاث : قلت : يا رسول الله ، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ، فنزلت : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وآية الحجاب ، قلت : يا رسول الله ، لو أمرت نساءك أن يحتجبن ؛ فإنه يكلمهن البر والفاجر ، فنزلت آية الحجاب ، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه ، فقلت لهن : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ فنزلت هذه الآية . وقال ابن أبي مريم : أبنا يحيى بن أيوب : حدثني حميد ، قال : سمعت أنسا - بهذا هذا الحديث مشهور عن حميد ، عن أنس ، وقد خرجه البخاري - أيضا - في التفسير من حديث يحيى بن سعيد ، عن حميد . ورواه - أيضا - يزيد بن زريع وابن علية وابن أبي عدي وحماد بن سلمة وغيرهم ، عن حميد ، عن أنس . وإنما ذكر البخاري رواية يحيى بن أيوب : حدثني حميد ، قال : سمعت أنسا ؛ ليبين به أن حميدا سمعه من أنس ؛ فإن حميدا يروي عن أنس كثيرا . وروي عن حماد بن سلمة ، أنه قال : أكثر حديث حميد لم يسمعه من أنس ، إنما سمعه من ثابت ، عنه . وروي عن شعبة ، أنه لم يسمع من أنس إلا خمسة أحاديث . وروي عنه ، أنه لم يسمع منه إلا بضعة وعشرين حديثا . وقد سبق القول في تسامح يحيى بن أيوب والمصريين والشاميين في لفظة : ثنا - : كما قاله الإسماعيلي . وقال علي ابن المديني في هذا الحديث : هو من صحيح الحديث . ولم يخرج مسلم هذا الحديث ، إنما خرج من رواية سعيد بن عامر ، عن جويرية ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر ، قال : وافقت ربي في ثلاث : في الحجاب ، وفي أسارى بدر ، وفي مقام إبراهيم . وقد أعله الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد - رحمه الله - بأنه روى عن سعيد بن عامر ، عن جويرية ، عن رجل ، عن نافع ، أن عمر قال : وافقت ربي في ثلاث . فدخل في إسناده رجل مجهول ، وصار منقطعا . وروى ابن أبي حاتم من طريق عبد الوهاب بن عطاء ، عن ابن جريج ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : سمعت جابرا يحدث عن حجة الوداع ، قال : لما طاف النبي صلى الله عليه وسلم قال له عمر : هذا مقام إبراهيم ؟ قال : نعم ، قال : أفلا نتخذه مصلى ؟ فأنزل الله وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى . وهذا غريب ، وهو يدل على أن هذا القول كان في حجة الوداع ، وأن الآية نزلت بعد ذلك ، وهو بعيد جدا ، وعبد الوهاب ليس بذاك المتقن . وقد خالفه الحفاظ ، فرووا في حديث حجة الوداع الطويل ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى المقام ، وقرأ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ثُمَّ صلى ركعتين ، والمقام بينه وبين البيت . وروى الوليد بن مسلم ، عن مالك ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن جابر ، قال : لما وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم ، قال له عمر : يا رسول الله ، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ؟ قال : نعم . قال الوليد : قلت لمالك : هكذا حدثك ؟ قال : نعم . وقد خرجه النسائي بمعناه . والوليد ، كثير الخطأ - : قاله أبو حاتم وأبو داود وغيرهما . وذكر فتح مكة فيه غريب أو وهم ؛ فإن هذه قطعة من حديث جابر في حجة الوداع . وقد روي حديث أنس ، عن عمر من وجه آخر : خرجه أبو داود الطيالسي : ثنا حماد بن سلمة : ثنا علي بن زيد ، عن أنس ، قال : قال عمر : وافقت ربي في أربع - فذكر الخصال الثلاث المذكورة في حديث حميد ، إلا أنه قال في الحجاب : فأنزل الله : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ قال : ونزلت هذه الآية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ فلما نزلت قلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين ، فنزل : فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ وقول عمر : وافقت ربي في ثلاث ، ليس بصيغة حصر ، فقد وافق في أكثر من هذه الخصال الثلاث والأربع . ومما وافق فيه القرآن قبل نزوله : النهي عن الصلاة على المنافقين . وقوله لليهود : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فنزلت الآية . وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم لما اعتزل نساءه ووجد عليهن : يا رسول الله ، إن كنت طلقتهن ، فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك . قال عمر : وقل ما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول ، فنزلت آية التخيير : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ الآية . وقد خرج هذا الأخير مسلم من حديث ابن عباس ، عن عمر . وأما موافقته في النهي عن الصلاة على المنافقين ؛ فمخرج في الصحيحين من حديث ابن عباس ، عن عمر - أيضا . وأما موافقته في قوله : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فرواه : أبو جعفر الرازي ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن ابن أبي ليلى ، عن عمر . ورواه : داود ، عن الشعبي ، عن عمر ، وهما منقطعان . وقد روي موافقته في خصال أخر ، وقد عد الحافظ أبو موسى المديني من ذلك اثنتي عشرة خصلة . وتخريج البخاري لهذا الحديث في هذا الباب : يدل على أنه فسر قوله تعالى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى بالأمر بالصلاة إلى البيت الذي بناه إبراهيم ، وهو الكعبة ، والأكثرون على خلاف ذلك ، كما سبق ذكره .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في القبلة ومن لا يرى الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة · ص 143 باب ما جاء في القبلة ومن لا يرى الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة أي : هذا باب في بيان ما جاء في أمر القبلة ، وهو بخلاف ما تقدم قبل هذا الباب ، فإن ذاك في حكم التوجه إلى القبلة وهذا في حكم من سها فصلى إلى غير القبلة ، وأشار إلى حكم هذا بقوله : ومن لم ير الإعادة . . . إلى آخره ، وهذا باب فيه الخلاف ، وهو أن الرجل إذا اجتهد في القبلة فصلى إلى غيرها فهل يعيد أم لا ؟ فقال إبراهيم النخعي والشعبي وعطاء وسعيد بن المسيب وحماد : لا يعيد ، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ، وإليه ذهب البخاري ، وعن مالك كذلك ، وعنه : يعيد في الوقت استحسانا . وقال ابن المنذر : وهو قول الحسن والزهري . وقال المغيرة : يعيد أبدا . وعن حميد بن عبد الرحمن وطاوس والزهري : يعيد في الوقت . وقال الشافعي : إن فرغ من صلاته ثم بان له أنه صلى إلى المغرب استأنف الصلاة ، وإن لم يبن له ذلك إلا باجتهاده فلا إعادة عليه . وفي التوضيح : وقال الشافعي : إن لم يتيقن الخطأ فلا إعادة عليه ، وإلا أعاد . وروى الترمذي وابن ماجه من حديث أنه قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فغيمت السماء وأشكلت علينا القبلة ، فصليناه وأعلمنا ، فلما طلعت الشمس إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة ، فذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . وروى البيهقي في المعرفة من حديث جابر أنهم صلوا في ليلة مظلمة كل رجل منهم على حياله ، فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : مضت صلاتكم ، ونزلت : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . ويحتج بهذين الحديثين لما ذهب إليه أبو حنيفة ومن تبعه في المسألة المذكورة ، فإن قلت : قال الترمذي : ليس إسناده بذاك ، وقال البيهقي : حديث جابر ضعيف - قلت : روي حديث جابر من ثلاث طرق ؛ إحداها أخرجه الحاكم في المستدرك عن محمد بن سالم عن عطاء بن أبي رباح عنه ، ثم قال : هذا حديث صحيح ، ومحمد بن سالم لا أعرفه بعدالة ولا جرح . وقال الواحدي : مذهب ابن عمران الآية نازلة في التطوع بالنافلة ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لما توفي النجاشي جاء جبريل عليه السلام إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال : إن النجاشي توفي فصل عليه . فقال الصحابة في أنفسهم : كيف نصلي على رجل مات ولم يصل إلى قبلتنا ؟ وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس إلى أن مات ، فنزلت الآية . وقال قتادة : هذه الآية منسوخة بقوله : الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وهي رواية عن ابن عباس . قوله ( ومن لم ير الإعادة ) ، وفي بعض النسخ : ومن لم يرى الإعادة ، وهو عطف على قوله في القبلة ؛ أي : وباب ما جاء فيمن لا يرى إعادة الصلاة على من سها فصلى إلى غير القبلة . وقال الكرماني : فصلى تفسير لقوله سها والفاء تفسيرية . قلت : وفيه بعد ، والأولى أن تكون للسببية كما في قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً ولو قال بالواو لكان أحسن على ما لا يخفى . ( وقد سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ركعتي الظهر وأقبل على الناس بوجهه ، ثم أتم ما بقي ) . مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث عدم وجوب الإعادة على من صلى ساهيا إلى غير القبلة ، وهو ظاهر ؛ لأنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - في حال إقباله على الناس داخل في حكم الصلاة ، وأنه في ذلك الزمان ساه مصل إلى غير القبلة ، وهذا التعليق قطعة من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قصة ذي اليدين ، وزعم ابن بطال وابن التين أنه طرف من حديث ابن مسعود الذي سلف ، وهذا وهم منهما ؛ لأن حديث ابن مسعود ليس في شيء من طرقه أنه سلم من ركعتين . 66 - حدثنا عمرو بن عون قال : حدثنا هشيم ، عن حميد ، عن أنس قال : قال عمر : وافقت ربي في ثلاث ؛ فقلت : يا رسول الله ، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ! فنزلت : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وآية الحجاب ؛ قلت : يا رسول الله ، لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر ! فنزلت آية الحجاب ، واجتمع نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغيرة عليه ، فقلت لهن : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن - فنزلت هذه الآية . مطابقة هذا الحديث للترجمة في الجزء الأول وهو قوله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ، والمراد من مقام إبراهيم الكعبة على قول ، وهي قبلة ، والباب فيما جاء في القبلة ، وعلى قول من فسر مقام إبراهيم بالحرم فالحرم كله قبلة في حق الآفاقيين ، والباب في أمور القبلة ، وأما على قول من فسر المقام بالحجر الذي وقف عليه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فتكون المطابقة للترجمة متعلقة بالمتعلق بالقبلة لا بنفس القبلة . ذكر رجاله : وهم خمسة ؛ الأول : عمرو بن عون ، أبو عثمان الواسطي ، البزاز - بالزاي المكررة - نزيل البصرة ، مات سنة خمس وعشرين ومائتين . الثاني : هشيم بضم الهاء وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، ابن بشير بفتح الباء الموحدة ، وقد مر ذكره في أول كتاب التيمم . الثالث : حميد الطويل ، وقد تكرر ذكره . الرابع : أنس بن مالك . الخامس : عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول ، وفيه أن رواته ما بين واسطي وبصري ، وفيه رواية صحابي عن صحابي . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن عمرو بن عون ، وفي التفسير أيضا عن مسدد عن يحيى عن حميد بقصة الحجاب فقط . وأخرجه الترمذي في التفسير عن أحمد بن منيع عن هشيم بالقصة الأولى ، وعن عبد بن حميد عن حجاج . وأخرجه النسائي فيه عن هناد عن يحيى بن زائدة عن حميد بالقصة الأولى ، وعن محمد بن المثنى عن خالد بن الحارث عن حميد بالقصة الثانية قصة الحجاب ، وعن يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن هشيم بالقصة الثالثة اجتمع نساؤه في الغيرة . وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن محمد بن الصباح عن هشيم بالقصة الأولى . ذكر معناه وإعرابه : قوله ( وافقت ربي ) من الموافقة من باب المفاعلة التي تدل على مشاركة اثنين في فعل ينسب إلى أحدهما متعلقا بالآخر ، والمعنى في الأصل : وافقني ربي فأنزل القرآن على وفق ما رأيت ، ولكنه راعى الأدب فأسند الموافقة إلى نفسه لا إلى الرب جل وعز . قوله ( في ثلاث ) ؛ أي في ثلاثة أمور ، وإنما لم يؤنث الثلاث مع أن الأمر مذكر لأن المميز إذا لم يكن مذكورا جاز في لفظ العدد التذكير والتأنيث ، فإن قلت : حصلت الموافقة له في أشياء غير هذه الثلاث ، منها في أسارى بدر حيث كان رأيه أن لا يفدون فنزل : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ومنها في منع الصلاة على المنافقين فنزل : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ومنها في تحريم الخمر . ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي من حديث حماد بن سلمة ، حدثنا علي بن زيد ، عن أنس ، قال عمر : وافقت ربي في أربع . . . وذكر ما في البخاري ، قال : ونزلت وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إلى قوله ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ، فقلت أنا : فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ - فنزلت كذلك . ومنها في شأن عائشة - رضي الله عنها - لما قال أهل الإفك ما قالوا ، فقال : يا رسول الله ، من زوجكها ؟ فقال : الله تعالى . قال : أفتنظر أن ربك دلس عليك فيها ! سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ، فأنزل الله ذلك . ذكره المحب الطبري في أحكامه ، وقد ذكر أبو بكر ابن العربي أن الموافقة في أحد عشر موضعا ، قلت : يشهد لذلك ما رواه الترمذي مصححا من حديث ابن عمر : ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر - رضي الله تعالى عنه - إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر رضي الله عنه ، وهذا يدل على كثرة موافقته ، فإذا كان كذلك فكيف نص على الثلاث في العدد ؟ قلت : التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد ، وقيل : يحتمل أنه ذكر ذلك قبل أن يوافق في أربع وما زاد ، وفيه نظر ؛ لأن عمر أخبر بهذا بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يتجه ما ذكر من ذلك ، ويقال : يحتمل أن الراوي اعتنى بذكر الثلاث دون ما سواها لغرض له . قوله ( قلت ) ، ويروى : فقلت . قوله ( لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ) ، جواب لو محذوف ، ويجوز أن يكون لو للتمني فلا يحتاج إلى جواب ، واختلفوا فيه ؛ فقال ابن الصائغ وابن هشام : هي قسم برأسها لا يحتاج إلى جواب كجواب الشرط ، ولكن قد يؤتى لها بجواب منصوب كجواب ليت . وقال بعضهم : هي لو الشرطية ، أشربت معنى التمني . وقال ابن مالك : هي لو المصدرية ، أغنت عن فعل التمني . قوله ( وآية الحجاب ) ، هي قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ و آية الحجاب كلام إضافي يجوز فيه الرفع والنصب والجر ؛ أما الرفع فيحتمل وجهين ، أحدهما بالابتداء محذوف الخبر تقديره وآية الحجاب كذلك ، والآخر أن يكون معطوفا على مقدر تقديره هو اتخاذ المصلى وآية الحجاب ، وأما النصب فعلى الاختصاص ، وأما الجر فعلى أنه معطوف على مجرور وهو بدل من ثلاث ، والتقدير : في ثلاث ؛ اتخاذ المصلى ، وآية الحجاب . قوله ( البر ) بفتح الباء الموحدة ، صفة مشبهة من بررت أبر - من باب علم يعلم - فأنا بر وبار ، ويجمع البر على أبرار ، والبار على البررة ، والبر مقابل الفاجر من الفجور ، قال الجوهري : فجر فجورا أي فسق ، وفجر أي كذب ، وأصله الميل ، والفاجر المائل . قوله ( في الغيرة ) بفتح الغين المعجمة ، وهي الحمية والأنفة ، يقال : رجل غيور وامرأة غيور بلا هاء ؛ لأن فعولا يشترك فيه الذكر والأنثى ، يقال : غرت على أهلي أغار غيرة فأنا غائر وغيور للمبالغة . ذكر استنباط الأحكام : وهي على ثلاثة أنواع كما صرح بها في الحديث ؛ الأول : سؤال عمر رضي الله تعالى عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى ، وقال الخطابي : سأل عمر رضي الله تعالى عنه أن يجعل ذلك الحجر الذي فيه أثر مقامه مصلى بين يدي القبلة يقوم الإمام عنده ، فنزلت الآية . وقال ابن الجوزي : فإن قيل : ما السر في أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يقنع بما في شرعنا حتى طلب الاستنان بملة إبراهيم عليه السلام وقد نهاه - صلى الله عليه وسلم - عن مثل هذا حين أتى بأشياء من التوراة ؟ فالجواب أن عمر لما سمع قوله تعالى في إبراهيم إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ثم سمع أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ علم أن الائتمام به مشروع في شرعنا دون غيره ، ثم رأى أن البيت مضاف إليه وأن أثر قدمه في المقام كرقم اسم الباني في البناء ليذكر به بعد موته ، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسم من بناه ، انتهى . ولم تزل آثار قدمي إبراهيم عليه السلام ظاهرة فيه معروفة عند العرب في جاهليتها ، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته اللامية المعروفة : وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا ، كما قال عبد الله بن وهب : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثهم قال : رأيت المقام فيه أصابعه - صلى الله عليه وسلم - أخمص قدميه ، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم . وقال ابن جرير : حدثنا بشر بن معاذ ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى : إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه ، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها ، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيها ، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى . الثاني : الحجاب ، فكان - صلى الله عليه وسلم - جاريا فيه على عادة العرب ، ولم يكن يخفى عليه - صلى الله عليه وسلم - أن حجبهن خير من غيره ، لكنه كان ينتظر الوحي بدليل أنه لم يوافق عمر حين أشار بذلك ، قاله القرطبي . وكان الحجاب في السنة الخامسة في قول قتادة ، وقيل : في السنة الثالثة ؛ قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى ، وعند ابن سعد : في ذي القعدة سنة أربع ، وكان السبب في ذلك أنه لما تزوج زينب بنت جحش أولم عليها ، فأكل جماعة وهي مولية بوجهها إلى الحائط ، ولم يخرجوا ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يخرجوا ، وعاد ولم يخرجوا ، فنزلت آية الحجاب . وقال عياض : أما الحجاب الذي خص به زوجات النبي - عليه الصلاة والسلام - فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين ، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا لغيرها ولا إظهار شخصهن إذا خرجن كما فعلت حفصة يوم مات أبوها ستر شخصها حين خرجت وبنيت عليها قبة لما توفيت ، قال تعالى : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ الثالث : اجتماع نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغيرة عليه ، وهو ما ذكره البخاري في تفسير سورة البقرة : حدثنا مسدد ، عن يحيى بن سعيد ، عن حميد ، عن أنس قال : قال عمر رضي الله تعالى عنه : وافقت ربي في ثلاث - أو وافقني ربي في ثلاث - فقلت : يا رسول الله ، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ! وقلت : يا رسول الله ، يدخل عليك البر والفاجر ، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ! فأنزل الله آية الحجاب . قال : وبلغني معاتبة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض نسائه فدخلت عليهن ، قلت : إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن ، حتى أتيت إحدى نسائه ، فقالت : يا عمر ، أما في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت ! فأنزل الله تعالى : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ الآية . وأخرج في سورة التحريم ، وقال : حدثنا عمرو بن عون ، حدثنا هشيم ، عن حميد ، عن أنس قال : قال عمر رضي الله تعالى عنه : اجتمع نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغيرة عليه ، فقلت لهن : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ! فنزلت الآية . وأصل هذه القضية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى الغداة دخل على نسائه امرأة امرأة ، وكانت قد أهديت لحفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما عكة من عسل ، فكانت إذا دخل عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلما حبسته وسقته منها ، وإن عائشة رضي الله تعالى عنها أنكرت احتباسه عندها ، فقالت لجويرية عندها حبشية يقال لها خضرة : إذا دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حفصة فادخلي عليها فانظري ماذا تصنع ، فأخبرتها الخبر وشأن العسل فغارت ، فأرسلت إلى صواحبها وقالت : إذا دخل عليكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلن : إنا نجد منك ريح مغافير ! وهو صمغ العرفط كريه الرائحة ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكره ويشق عليه أن يوجد منه ريح منتنة لأنه يأتيه الملك ، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سودة ، قالت : فما أردت أن أقول ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم إني فرقت من عائشة فقلت : يا رسول الله ، ما هذه الريح التي أجدها منك ؟ أكلت المغافير ؟ قال : لا ، ولكن حفصة سقتني عسلا . ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على امرأة امرأة وهن يقلن له ذلك ، ثم دخل على عائشة فأخذت بأنفها ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ما شأنك ؟ قالت : أجد ريح المغافير ! أأكلتها يا رسول الله ؟ قال : لا ، بل سقتني حفصة عسلا ! قالت : جرست إذا نحله العرفط . فقال لها : والله لا أطعمه أبدا ! فحرمه على نفسه . قالوا : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم الأيام بين نسائه ، فلما كان يوم حفصة قالت : يا رسول الله ، إن لي إلى أبي حاجة ؛ نفقة لي عنده ، فأذن لي أن أزوره وآتي بها . فأذن لها ، فلما خرجت أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جاريته مارية القبطية أم إبراهيم - وكان قد أهداها له المقوقس - فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها ، فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا فجلست عند الباب ، فخرج رسول الله ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ فقالت : إنما أذنت لي من أجل هذا ! أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي ، أما رأيت لي حرمة وحقا ؟ ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أليس هي جاريتي قد أحلها الله لي ؟ اسكتي فهي علي حرام ، ألتمس بذاك رضاك فلا تخبري بهذا امرأة منهن وهو عندك أمانة . فلما خرج رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت : ألا أبشرك ! إن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قد حرم عليه أمته مارية ، فقد أراحنا الله منها . وأخبرت عائشة بما رأت ، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فلم يزل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حتى حلف أن لا يقربها ، فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ؛ يعني العسل ومارية ، ثم إن عمر رضي الله تعالى عنه لما بلغه ذلك دخل على نسائه - صلى الله عليه وسلم - فوعظهن وزجرهن ، ومن جملة ما قال : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ! فأنزل الله هذه الآية . فهذا من جملة ما وافق عمر ربه عز وجل ووافقه ربه . وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف يكون المبدلات خيرا منهن ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين ؟ قلت : إذا طلقهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعصيانهن له وإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والنزول على هواه ورضاه خيرا منهن ، وإنما أخليت الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات ، فلم يكن بد من الواو . وقال النسفي : الآية واردة في الإخبار عن القدرة لا عن الكون في الوقت ؛ لأنه تعالى قال : إِنْ طَلَّقَكُنَّ وقد علم أنه لا يطلقهن ، وهذا كقوله : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ الآية ، فهذا إخبار عن القدرة وتخويف لهم لا أن في الوجود من هو خير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم . ( قال أبو عبد الله : قال ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا يحيى بن أيوب قال : حدثني حميد قال : سمعت أنسا - بهذا ) . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وابن أبي مريم هو سعيد بن محمد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم ، ويحيى بن أيوب الغافقي أو حميد الطويل ، وهذا ذكره البخاري معلقا هاهنا وفي التفسير أيضا ، ونص عليه أيضا خلف وصاحب المستخرج وهو الظاهر . ووقع في رواية كريمة : حدثنا ابن أبي مريم ، وهو غير ظاهر ؛ لأن البخاري لم يحتج بيحيى بن أيوب ، وإنما ذكره في الاستشهاد والمتابعة . فإن قلت : قال ابن بطال : خرج له الشيخان - قلت : فيه نظر ؛ لأنه نقض كلام نفسه بنفسه بذكره له ترجمة في أفراد مسلم . فإن قلت : ما فائدة ذكر البخاري له إذا كان الأمر كما ذكرت ؟ قلت : ليفيد تصريح حميد فيه بسماعه إياه من أنس فحصل الأمن من تدليسه . وقال الكرماني : إنما استشهد بهذا الطريق للتقوية دفعا لما في الإسناد السابق من ضعف عنعنة هشيم إذ قيل إنه مدلس . قلت : فيه نظر ؛ لأن معنعنات الصحيحين كلها مقبولة محمولة على السماع ، وكلامه يدل على هذا ، فحينئذ ذكره كما ذكرنا هو الواقع في محله . ثم قال الكرماني : فإن قلت : لم ما عكس بأن يجعل هذا الإسناد أصلا ؟ قلت : لما في يحيى من سوء الحفظ ، ولأن ابن أبي مريم ما نقله بلفظ النقل والتحديث ، بل ذكره على سبيل المذاكرة ، ولهذا قال البخاري : قال ابن أبي مريم . قلت : يعكر على ما قاله رواية كريمة حدثنا ابن أبي مريم كما ذكرناه ، والظاهر أن الكرماني لو اطلع على هذه الرواية لما قال ما ذكره . قوله ( بهذا ) ؛ أي بالحديث المذكور سندا ومتنا ، فهو من رواية أنس عن عمر لا من رواية أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فافهم .