38 - بَاب دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ 416 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ ) أَيْ جَوَازِ ذَلِكَ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْهُ بِلَفْظِ إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ : فَيَدْفِنُهَا فَأَشْعَرَ قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنَّهُ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ : إِلَى الصَّلَاةِ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ ، لَكِنَّ اللَّفْظَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ . وَقِيلَ : إِنَّمَا تَرْجَمَ الَّذِي قَبْلَهُ بِالْكَفَّارَةِ وَهَذَا بِالدَّفْنِ إِشْعَارًا بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُتَعَمِّدِ بِلَا حَاجَةٍ - وَهُوَ الَّذِي أَثَبَتَ عَلَيْهِ الْخَطِيئَةَ - وَبَيْنَ مَنْ غَلَبَتْهُ النُّخَامَةُ وَهُوَ الَّذِي أُذِنَ لَهُ فِي الدَّفْنِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّمَا يُنَاجِي ) ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَإِنَّهُ . قَوْلُهُ : ( مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ ) يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَنْعِ بِمَا إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ ، لَكِنَّ التَّعْلِيلَ الْمُتَقَدِّمَ بِأَذَى الْمُسْلِمِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ ، فَيُجْمَعُ بِأَنْ يُقَالَ : كَوْنُهُ فِي الصَّلَاةِ أَشَدَّ إِثْمًا مُطْلَقًا ، وَكَوْنُهُ فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ أَشَدَّ إِثْمًا مِنْ كَوْنِهِ فِي غَيْرِهَا مِنْ جُدُرِ الْمَسْجِدِ ، فَهِيَ مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَنْعِ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا ) تَقَدَّمَ أَنَّ ظَاهِرَهُ اخْتِصَاصُهُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْمُرَادُ بِالْمَلَكِ الْكَاتِبُ فَقَدِ اسْتَشْكَلَ اخْتِصَاصُهُ بِالْمَنْعِ مَعَ أَنَّ عَنْ يَسَارِهِ مَلَكًا آخَرَ ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِمَلَكِ الْيَمِينِ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا ، هَكَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْحَسَنَاتِ الْبَدَنِيَّةِ فَلَا دَخْلَ لِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فِيهَا ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَوْقُوفًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : وَلَا عَنْ يَمِينِهِ ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ كَاتِبَ الْحَسَنَاتِ . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَمَلَكُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ ا هـ . فَالتَّفْلُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ ، وَلَعَلَّ مَلَكَ الْيَسَارِ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُصِيبهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْيَمِينِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَيَدْفِنُهَا ) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : لَمْ يَقُلْ يُغَطِّيهَا ؛ لِأَنَّ التَّغْطِيَةَ يَسْتَمِرُّ الضَّرَرُ بِهَا إِذْ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَجْلِسَ غَيْرُهُ عَلَيْهَا فَتُؤْذِيَهُ ، بِخِلَافِ الدَّفْنِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّعْمِيقُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرِّيَاضِ : الْمُرَادُ بِدَفْنِهَا مَا إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ تُرَابِيًّا أَوْ رَمْلِيًّا ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُبَلَّطًا مَثَلًا فَدَلَكَهَا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مَثَلًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَفْنٍ بَلْ زِيَادَةٌ فِي التَّقْذِيرِ . قُلْتُ : لَكِنْ إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ الْبَتَّةَ فَلَا مَانِعَ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ الْمُتَقَدِّمِ : ثُمَّ دَلَكَهُ بِنَعْلِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ طَارِقٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ : وَبَزَقَ تَحْتَ رِجْلِهِ وَدَلَكَ . ( فَائِدَةٌ ) : قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ : هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ أَوْ يَنْزِلُ مِنَ الرَّأْسِ ، أَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ فَهُوَ نَجَسٌ فَلَا يُدْفَنُ فِي الْمَسْجِدِ ا هـ . وَهَذَا عَلَى اخْتِيَارِهِ ، لَكِنْ يَظْهَرُ التَّفْصِيلُ فِيمَا إِذَا كَانَ طَرَفًا مِنْ قَيْءٍ ، وَكَذَا إِذَا خَالَطَ الْبُزَاقَ دَمٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ · ص 610 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب دفن النخامة في المسجد · ص 348 38 - باب دفن النخامة في المسجد 416 - حدثنا إسحاق بن نصر : أبنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام بن منبه : سمع أبا هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه ؛ فإنما يناجي الله عز وجل ما دام في مصلاه ، ولا عن يمينه ؛ فإن عن يمينه ملكا ، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه ، فيدفنها دفن النخامة في المسجد مأمور به ، وهو كفارة لها كما في الحديث قبله ، وقد ورد الأمر بالحفر لها والإبعاد فيه ، كما في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن أبي حدرد ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا بزق أحدكم في المسجد فليحفر فليبعد ، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه . وقد ورد تعليل ذلك بخشية إصابتها للمصلين ، ففي المسند عن سعد بن أبي وقاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا تنخم أحدكم في المسجد فليغيبها ، لا تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه . وقال علي ابن المديني : هو حسن الإسناد . وهذا مما يدل على أن قرار المسجد وباطنه يجوز أن يجعل مدفنا للأقذار الطاهرة . وقد كان بعض الصحابة والتابعين يتفلى في المسجد ويقتل القمل ويدفنه في المسجد ، روي ذلك عن معاذ وأبي هريرة وأبي أمامة وأبي العالية . وهو مما يستدل به على طهارة دم القمل والبراغيث ونحوها . وحكى بعض أصحابنا في جواز دفنها في المسجد وجهين ، ولعلهما مبنيان على الخلاف في طهارة دمها ونجاسته . ومذهب مالك : يكره قتلها في المسجد وإلقاؤها فيه . وفي المسند بإسناد فيه بعض من لا يعرف ، أن رجلا وجد في ثوبه قملة ، فأخذها ليطرحها في المسجد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفعل ، ردها في ثوبك حتى تخرج من المسجد . وبإسناد آخر عن رجل من الأنصار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا وجد أحدكم القملة فليصرها ، ولا يلقها في المسجد . وقد قيل : إنه مرسل . وكذلك خرجه أبو داود في مراسيله . والذي قبله - أيضا - مرسل : نص عليه الإمام أحمد ، وذكر أن بعضهم وصله ، وأخطأ في وصله . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب دفن النخامة في المسجد · ص 154 باب دفن النخامة في المسجد أي : هذا باب في بيان دفن النخامة في المسجد ؛ يعني جواز ذلك ، والمناسبة بين البابين ظاهرة . 78 - حدثنا إسحاق بن نصر قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، سمع أبا هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه ، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه ، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا ، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها . مطابقته للترجمة في قوله فيدفنها . ذكر رجاله : وهم خمسة ؛ الأول : إسحاق بن نصر ، هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر ، وقد تقدم . الثاني : عبد الرزاق صاحب المصنف . الثالث : معمر بن راشد . الرابع : همام - على وزن فعال بالتشديد - ابن منبه . الخامس : أبو هريرة . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه التصريح بسماع همام عن أبي هريرة ، وفيه عنعنة أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه أن رواته ما بين بخاري - بالباء الموحدة والخاء المعجمة - وصنعاني وبصري . ذكر معناه : قوله ( فلا يبصق ) نهى الغائب . قوله ( فإنما يناجي الله ) ، وفي رواية الكشميهني : فإنه يناجي . قوله ( ما دام في مصلاه ) ؛ أي مدة دوامه في مصلاه . فإن قلت : هذا تخصيص المنع بما إذا كان في الصلاة ، ورواية أذى المسلم تقتضي المنع مطلقا ولو لم يكن في الصلاة - قلت : هذه مراتب ، فكونه في الصلاة أشد إثما مطلقا ، وكونه في جدار القبلة أشد إثما من كونه في غيرها من جدر المسجد . قوله ( فيدفنها ) بنصب النون ؛ لأنه جواب الأمر ، ويجوز رفعها على أن تكون خبر مبتدأ محذوف ؛ أي فهو يدفنها ، ويجوز الجزم عطفا على الأمر وتأنيث الضمير في فيدفنها على تأويل البصقة التي يدل عليها قوله وليبصق . وقيل : إنما لم يقل يغطيها لأن التغطية يستمر الضرر بها ، إذ لا يؤمن أن يجلس غيره عليها فتؤذيه بخلاف الدفن فإنه يفهم منه التعميق في باطن الأرض . قلت : يؤيد هذا ما رواه الطبراني فليحفره وليدفنه ، وعند ابن أبي شيبة مرفوعا : إذا بزق في المسجد فليحفر وليمعن ، وفي صحيح ابن خزيمة فليبعد ، لا يقال إن الباب معقود على دفن النخامة والحديث يدل على دفن البزاق ؛ لأنا نقول قد قلنا فيما مضى أنه لا تفاوت بينهما في الحكم . فإن قلت : قوله فإن عن يمينه ملكا يقتضي اختصاص منع البزق عن يمينه لأجل الملك ، وفي يساره أيضا ملك ! قلت : أجيب بأنا لو سلمنا ذلك فلليمين شرف ، وفيه نظر لا يخفى ، وقيل بأن الصلاة أم الحسنات البدنية فلا دخل لكاتب السيئات فيها ، وفيه نظر أيضا لأنه ولو لم يكتب لا يغيب عنه ، فأحسن ما يجاب به أن يقال إن لكل واحد قرينا وموقفه يساره كما ورد في حديث أبي أمامة رواه الطبراني فإنه يقوم بين يدي الله وملكه عن يمينه وقرينه عن يساره ، فلعل المصلي إذا تفل عن يساره يقع على قرينه وهو الشيطان ولا يصيب الملك منه شيء .