5 - بَاب وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا وَقَالَ قَتَادَةُ : وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةُ . 4786 - وقال اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ : إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ، قَالَتْ : وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ . قَالَتْ : ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا - إِلَى - أَجْرًا عَظِيمًا قَالَتْ : فَقُلْتُ فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ . قَالَتْ : ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ ، تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ : وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَاقُوا كُلُّهُمُ الْآيَةَ إِلَى ( عَظِيمًا ) . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : قَتَادَةُ : وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ : مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ أَوْرَدَهُ بِصُورَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ ، وَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ) وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ ) وَرَدَ فِي سَبَبِ هَذَا التَّخْيِيرِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هن حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ ، يَعْنِي نِسَاءَهُ ، وَفِيهِ أَنَّهُ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ - حَتَّى بَلَغَ - أَجْرًا عَظِيمًا قَالَ : فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِمِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ ، وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا بِطُولِهِ ، وَفِي آخِرِهِ : حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ ، وَكَانَ قَدْ قَالَ : مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا ، فَقَالَتْ لَهُ : إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا ، وَقَدْ أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ . وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ ، فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ فَقَالَ : إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا ، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي الْحَدِيثَ . وَهَذَا السِّيَاقُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ كُلُّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ ، وَأَمَّا الْمَرْوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ فَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهَا ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : : أُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ ، فَبَدَأَ بِي ، الْحَدِيثَ . لَكِنْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَفَصَّلَهُ تَفْصِيلًا حَسَنًا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِطُولِهِ إِلَى آخِرِ قِصَّةِ عُمَرَ فِي الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ : حَتَّى عَاتَبَهُ ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ : قَالَ : الزُّهْرِيُّ : فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ، فَذَكَرَ مُرَاجَعَتَهَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ : قَالَ : يَا عَائِشَةُ ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ . الْحَدِيثَ . فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ : فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ إِلَخْ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ بِحَذْفِ الْوَاسِطَةِ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَنْ عَمْدٍ مِنْ أَجْلِ الِاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا ، وَكَأَنَّ مَنْ أَدْرَجَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَشَى عَلَى ظَاهِرِ السِّيَاقِ ، وَلَمْ يَفْطِنْ لِلتَّفْصِيلِ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : لَمَّا اعْتَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ : وَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ فَاتَّفَقَ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَنَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ نَزَلَتْ عَقِبَ فَرَاغِ الشَّهْرِ الَّذِي اعْتَزَلَهُنَّ فِيهِ ، وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى نِسَائِهِ أُمِرَ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ . الْحَدِيثَ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَالطَّحَاوِيُّ ، وَاخْتَلَفَ الْحَدِيثَانِ فِي سَبَبِ الِاعْتِزَالِ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ الْقَضِيَّتَانِ جَمِيعًا سَبَبُ الِاعْتِزَالِ ؛ فَإِنَّ قِصَّةَ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ خَاصَّةً بِهِمَا ، وَقِصَّةُ سُؤَالِ النَّفَقَةِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ النِّسْوَةِ ، وَمُنَاسَبَةُ آيَةِ التَّخْيِيرِ بِقِصَّةِ سُؤَالِ النَّفَقَةِ أَلْيَقُ مِنْهَا بِقِصَّةِ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَنْ خَيَّرَ نِسَاءَهُ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ بَيَانُ الْحُكْمِ فِيمَنْ خَيَّرَهَا زَوْجُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اخْتُلِفَ هَلْ كَانَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْإِقَامَةِ عِنْدَهُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَشْبَهَهُمَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ الثَّانِي ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُ الصَّحِيحُ . وَكَذَا قَالَ : الْقُرْطُبِيُّ : اخْتُلِفَ فِي التَّخْيِيرِ هَلْ كَانَ فِي الْبَقَاءِ وَالطَّلَاقِ أَوْ كَانَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ، لِأَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مَلْزُومٌ لِلْآخَرِ ، وَكَأَنَّهُنَّ خُيِّرْنَ بَيْنَ الدُّنْيَا فَيُطَلِّقُهُنَّ وَبَيْنَ الْآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ ، وَهُوَ مُقْتَضَى سِيَاقِ الْآيَةِ . ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلَيْنِ هَلْ فُوِّضَ إِلَيْهِنَّ الطَّلَاقَ أَمْ لَا ؟ وَلِهَذَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : لَمْ يُخَيِّرْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نِسَاءَهُ إِلَّا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . قَوْلُهُ : ( فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي ) أَيْ فَلَا بَأْسَ عَلَيْكِ فِي التَّأَنِّي وَعَدَمِ الْعَجَلَةِ حَتَّى تُشَاوِرِي أَبَوَيْكِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ) أَيْ تَطْلُبِي مِنْهُمَا أَنْ يُبَيِّنَا لَكِ رَأْيَهُمَا فِي ذَلِكَ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ ، زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ : إِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكِ أَمْرًا فَلَا تَفْتَاتِي فِيهِ بِشَيْءٍ حَتَّى تَعْرِضِيهِ عَلَى أَبَوَيْكِ أَبِي بَكْرٍ وَأُمِّ رُومَانَ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أُمَّ رُومَانَ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ مَوْجُودَةٌ ، فَيُرَدُّ بِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ ، فَإِنَّ التَّخْيِيرَ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ : فَقُلْتُ : فَفِي أَيِّ هَذَا أَسَتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ) ؟ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فَقُلْتُ : فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، وَلَا أُؤَامِرُ أَبَوَيَّ أَبَا بَكْرٍ وَأُمَّ رُومَانَ ، فَضَحِكَ ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فَفَرِحَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ مَا فَعَلَتْ ) فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ ، زَادَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ فِي رِوَايَتِهِ : فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا حِينَ قَالَهُ لَهُنَّ فَاخْتَرْنَهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ . وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورَةِ : ثُمَّ اسْتَقْرَى الْحُجَرَ - يَعْنِي حُجَرَ أَزْوَاجِهِ - فَقَالَ : إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كَذَا ، فَقُلْنَ : وَنَحْنُ نَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَتْ . وَقَوْلُهُ : اسْتَقْرَى الْحُجَرَ أَيْ تَتَبَّعَ ، وَالْحُجَرُ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ - جَمْعُ حُجْرَةٍ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ ، وَالْمُرَادُ مَسَاكِنُ أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا قَالَتْ : بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ ، فَقَالَ : لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا وَإِنَّمَا بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا . وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ : مَعْمَرٌ : فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّتًا ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ أَيُّوبَ ، وَعَائِشَةَ ، وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ حَدِيثُ جَابِرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ مُلَاطَفَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَزْوَاجِهِ وَحِلْمُهُ عَنْهُنَّ وَصَبْرُهُ عَلَى مَا كَانَ يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْ إِدْلَالٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَبْعَثُهُ عَلَيْهِنَّ الْغَيْرَةُ . وَفِيهِ فَضْلُ عَائِشَةَ لِبُدَاءَتِهِ بِهَا ، كَذَا قَرَّرَهُ النَّوَوِيُّ ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا طَلَبَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَوْبًا ، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ نِسَاءَهُ : إمَا عِنْدَ اللَّهِ تُرِدْنَ أَمِ الدُّنْيَا ؟ فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا وَكَانَتْ هِيَ السَّبَبُ فِي التَّخْيِيرِ فَلَعَلَّ الْبُدَاءَةَ بِهَا لِذَلِكَ ، لَكِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ فَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي أَنَّ النِّسْوَةَ كُنَّ يَسْأَلْنَهُ النَّفَقَةَ أَصَحُّ طَرِيقًا مِنْهُ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَّحِدْ فِيهَا وَقُدِّمَتْ فِي التَّخْيِيرِ دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَقْدِيمِهِ لَهَا أَيْضًا فِي الْبُدَاءَةِ بِهَا فِي الدُّخُولِ عَلَيْهَا . وَفِيهِ أَنَّ صِغَرَ السِّنِّ مَظِنَّةٌ لِنَقْصِ الرَّأْيِ ، قَالَ : الْعُلَمَاءُ : إِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْمِرَ أَبَوَيْهَا خَشْيَةَ أَنْ يَحْمِلَهَا صِغَرُ السِّنِّ عَلَى اخْتِيَارِ الشِّقِّ الْآخَرِ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهَا مِنَ الْمَلَكَةِ مَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الْعَارِضَ ، فَإِذَا اسْتَشَارَتْ أَبَوَيْهَا أَوْضَحَا لَهَا مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ وَمَا فِي مُقَابِلِهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ ، وَلِهَذَا لَمَّا فَطِنَتْ عَائِشَةُ لِذَلِكَ قَالَتْ : قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : وَخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَاثَتِي ، وَهَذَا شَاهِدٌ لِلتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعَائِشَةَ وَبَيَانُ كَمَالِ عَقْلِهَا وَصِحَّةِ رَأْيِهَا مَعَ صِغَرِ سِنِّهَا ، وَأَنَّ الْغَيْرَةَ تَحْمِلُ الْمَرْأَةَ الْكَامِلَةَ الرَّأْيِ وَالْعَقْلِ عَلَى ارْتِكَابِ مَا لَا يَلِيقُ بِحَالِهَا لِسُؤَالِهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا يُخْبِرَ أَحَدًا مِنْ أَزْوَاجِهِ بِفِعْلِهَا ، وَلَكِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْحَامِلَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ مِنَ الْغَيْرَةِ وَمَحَبَّةِ الِاسْتِبْدَادِ دُونَ ضَرَائِرِهَا لَمْ يُسْعِفْهَا بِمَا طَلَبَتْ مِنْ ذَلِكَ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي النِّهَايَةِ وَالْوَسِيطِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ يَخْتَارَ نِسَاؤُهُ الْفِرَاقَ ، فَإِنْ كَانَا ذَكَرَاهُ فِيمَا فَهِمَاهُ مِنَ السِّيَاقِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخْيِيرُ أَزْوَاجِهِ ، وَاسْتَنَدَ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ . نَعَمْ ، ادَّعَى بَعْضُ مَنْ قَالَ : إِنَّ التَّخْيِيرَ طَلَاقٌ - أَنَّهُ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ ، وَاخْتُصَّ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ تَعَالَى . وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى ضَعْفِ مَا جَاءَ أَنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ حِينَئِذٍ مَنِ اخْتَارَتِ الدُّنْيَا فَتَزَوَّجَهَا وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : ثُمَّ فَعَلَ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ ) يَعْنِي عَنْ عَائِشَةَ ، وَصَلَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا أَبِي فَذَكَرَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ ، الْمَعْمَرِيُّ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ) أَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا عَنْهُ ، وَقَصَّرَ مَنْ قَصَرَ تَخْرِيجَهَا عَلَى ابْنِ مَاجَهْ . وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيِّ فَأَخْرَجَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ ، وَتَابَعَ مَعْمَرًا عَلَى عُرْوَةَ جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ كَانَ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا فَحَدَّثَ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا وَتَارَةً عَنْ هَذَا ، وَإِلَى هَذَا مَالَ التِّرْمِذِيُّ . وَقَدْ رَوَاهُ عُقَيْلٌ ، وَشُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا · ص 380 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ · ص 383 6 - بَاب وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ 4787 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ . قَوْلُهُ : بَابُ : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ لَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ) هُوَ الرَّازِيُّ ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ فِي الْبُيُوعِ ، وَقَدْ قَالَ : فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ : دَخَلْنَا عَلَيْهِ سَنَةَ عَشْرٍ . فَكَأَنَّهُ لَمْ يُكْثِرْ عَنْهُ ، وَلِهَذَا حَدَّثَ عَنْهُ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ بِوَاسِطَةٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا ثَابِتٌ ) كَذَا قَالَ مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ حَمَّادٍ ، وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، وَعَارِمٌ وَغَيْرُهُمَا ، وَقَالَ الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَرُوحُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَغَيْرِهِمَا : عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ فَلَعَلَّ لِحَمَّادٍ فِيهِ إِسْنَادَيْنِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ صَاحِبِ الْبَصْرِيِّ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا . قَوْلُهُ : ( إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ) هَكَذَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ، قَالَ أَنَسٌ : لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ : وَكَانَتْ تَفْتَخِرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ مُؤَمِّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْزِلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَجَاءَهُ زَيْدٌ يَشْكُوهَا إِلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ فَنَزَلَتْ إِلَى قَوْلِهِ : زَوَّجْنَاكَهَا قَالَ : يَعْنِي زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فَسَاقَهَا سِيَاقًا وَاضِحًا حَسَنًا ، وَلَفْظُهُ : بَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَكَانَتْ أُمُّهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ ، ثُمَّ إِنَّهَا رَضِيَتْ بِمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ ، ثُمَّ أَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدُ أَنَّهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ فَكَانَ يَسْتَحِي أَنْ يَأْمُرَ بِطَلَاقِهَا ، وَكَانَ لَا يَزَالُ يَكُونُ بَيْنَ زَيْدٍ وَزَيْنَبَ مَا يَكُونُ مِنَ النَّاسِ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُمْسِكَ عَلَيْهِ زَوْجَهُ وَأَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ ، وَكَانَ يَخْشَى النَّاسَ أَنْ يَعِيبُوا عَلَيْهِ وَيَقُولُوا تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ ، وَكَانَ قَدْ تَبَنَّى زَيْدًا . وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : أَعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِنْ أَزْوَاجِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فَلَمَّا أَتَاهُ زَيْدٌ يَشْكُوهَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ قَالَ اللَّهُ : قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنِّي مُزَوِّجُكَهَا ، وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ . وَقَدْ أَطْنَبَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي تَحْسِينِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَقَالَ : إِنَّهَا مِنْ جَوَاهِرِ الْعِلْمِ الْمَكْنُونِ . وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى تَفْسِيرِ السُّدِّيِّ الَّذِي أَوْرَدْتُهُ ، وَهُوَ أَوْضَحُ سِيَاقًا وَأَصَحُّ إِسْنَادًا إِلَيْهِ لِضَعْفِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَيْنَبَ اشْتَدَّ عَلَيَّ لِسَانُهَا ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَلِّقَهَا ، فَقَالَ لَهُ : اتَّقِ اللَّهُ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ، قَالَ : وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَيَخْشَى قَالَةَ النَّاسِ . وَوَرَدَتْ آثَارٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالطَّبَرِيُّ وَنَقَلَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ لَا يَنْبَغِي التَّشَاغُلُ بِهَا ، وَالَّذِي أَوْرَدْتُهُ مِنْهَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي كَانَ يُخْفِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ إِخْبَارُ اللَّهِ إِيَّاهُ أَنَّهَا سَتَصِيرُ زَوْجَتَهُ ، وَالَّذِي كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى إِخْفَاءِ ذَلِكَ خَشْيَةَ قَوْلِ النَّاسِ : تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ ، وَأَرَادَ اللَّهُ إِبْطَالَ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ التَّبَنِّي بِأَمْرٍ لَا أَبْلَغُ فِي الْإِبْطَالِ مِنْهُ وَهُوَ تَزَوُّجُ امْرَأَةِ الَّذِي يُدْعَى ابْنًا . وَوُقُوعُ ذَلِكَ مِنْ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ لِيَكُونَ أَدْعَى لِقَبُولِهِمْ . وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخَبْطُ فِي تَأْوِيلِ مُتَعَلِّقِ الْخَشْيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَاتِمًا شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ - يَعْنِي بِالْإِسْلَامِ - وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ - بِالْعِتْقِ - أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ إِلَى قَوْلِهِ : قَدَرًا مَقْدُورًا وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا تَزَوَّجَهَا قَالُوا : تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ الْآيَةَ ، وَكَانَ تَبَنَّاهُ وَهُوَ صَغِيرٌ . قُلْتُ : حَتَّى صَارَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ : زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ - إِلَى قَوْلِهِ - وَمَوَالِيكُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : رُوِيَ عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ إِلَى قَوْلِهِ : لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ . قُلْتُ : وَهَذَا الْقَدْرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَظُنُّ الزَّائِدَ بَعْدَهُ مُدْرَجًا فِي الْخَبَرِ ، فَإِنَّ الرَّاوِيَ لَهُ عَنْ دَاوُدَ لَمْ يَكُنْ بِالْحَافِظِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : إِنَّمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِزَيْدٍ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ اخْتِبَارًا لِمَا عِنْدَهُ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيهَا أَوْ عَنْهَا ، فَلَمَّا أَطْلَعَهُ زَيْدٌ عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنْهَا مِنَ النُّفْرَةِ الَّتِي نَشَأَتْ مِنْ تَعَاظُمِهَا عَلَيْهِ وَبَذَاءَةِ لِسَانِهَا أَذِنَ لَهُ فِي طَلَاقِهَا ، وَلَيْسَ فِي مُخَالَفَةِ مُتَعَلِّقِ الْأَمْرِ لِمُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ مَا يَمْنَعُ الْآمْرَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِزَيْدٍ : اذْكُرْهَا عَلَيَّ ، قَالَ : فَانْطَلَقْتُ فَقُلْتُ : يَا زَيْنَبُ ، أَبْشِرِي ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُكِ . فَقَالَتْ : مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُؤَامِرَ رَبِّي ، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَبْلَغِ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي كَانَ زَوْجُهَا هُوَ الْخَاطِبُ ، لِئَلَّا يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَهْرًا بِغَيْرِ رِضَاهُ . وَفِيهِ أَيْضًا اخْتِبَارُ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا هَلْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا ؟ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ فِعْلِ الْمَرْأَةِ الِاسْتِخَارَةَ وَدُعَائِهَا عِنْدَ الْخِطْبَةِ قَبْلَ الْإِجَابَةِ ، وَأَنَّ مَنْ وَكَّلَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَسَّرَ اللَّهُ لَهُ مَا هُوَ الْأَحَظُّ لَهُ وَالْأَنْفَعُ دُنْيَا وَأُخْرَى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا · ص 118 باب قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا أي : هذا باب في قوله عز وجل وَإِنْ كُنْتُنَّ الآية . 280 - وقال قتادة : وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ القرآن والسنة . هذا التعليق رواه الحنظلي عن أحمد بن منصور : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عنه . وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأني فقال : إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك . قالت : وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه . قالت : ثم قال : إن الله جل ثناؤه قال : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا إلى أَجْرًا عَظِيمًا قالت : فقلت : ففي أي هذا أستأمر أبوي ! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة . قالت : ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت . هذا طريق آخر في الحديث المذكور ولكنه معلق ، ووصله الذهلي عن أبي صالح عن الليث . قوله : قال الليث يجوز أن يكون أخذه عن أبي صالح ، عبد الله بن صالح كاتب الليث ، فإن الحديث عنده ، وليس هو عند البخاري ممن يخرج له في الأصول إلا في موضع واحد في البيوع ، صرح بسماعه منه وروايته عنه ، والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا · ص 118 تابعه موسى بن أعين عن معمر عن الزهري ، قال : أخبرني أبو سلمة . أي : تابع الليث موسى بن أعين الجزري - بالجيم والزاي - أبو سعيد الحراني ، عن معمر بن راشد ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، ووصله النسائي من طريق موسى بن أعين ، حدثنا أبي ... فذكره .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا · ص 118 وقال عبد الرزاق ، وأبو سفيان المعمري ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها . عبد الرزاق بن همام اليماني ، وأبو سفيان محمد بن حميد السكري المعمري - بفتح الميمين نسبه إلى معمر لأنه رحل إليه - وروى له مسلم والنسائي أيضا ، أما رواية عبد الرزاق فوصلها مسلم وابن ماجه من طريقه وقال بعضهم : وقصر من قصر تخريجها على ابن ماجه . قلت : هذا الذي ذكره لا طائل تحته ، وغمز به على صاحب التلويح ، وعدم ذكره مسلما مع ابن ماجه ليس بتقصير على ما لا يخفى . وأما رواية أبي سفيان فأخرجها الذهلي في الزهريات .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ · ص 118 باب قوله : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ أي : هذا باب في قوله عز وجل وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ وأول الآية : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ الآية ، نزلت في زينب بنت جحش كما يأتي الآن ، وقصتها مذكورة في التفسير ، وحاصلها أنه صلى الله عليه وسلم أتى ذات يوم إلى زيد بن حارثة مولاه لحاجة فأبصر زينب بنت جحش زوجته قائمة في درعها وخمار فأعجبته ، وكأنها وقعت في نفسه ، فقال : سبحان الله مقلب القلوب ، وانصرف ، فجاء زيد فذكرت له ، ففي الحال ألقى الله كراهتها في قلبه فأراد فراقها ، فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : إني أريد أن أفارق صاحبتي ، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : اتق الله وأمسك عليك زوجك ، وهو معنى قوله تعالى : وَإِذْ تَقُولُ أي : اذكر حين تقول لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ يعني : بالإسلام ، وهو زيد بن حارثة ، وأنعمت أنت عليه بالعتق وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ أن لو فارقها تزوجتها . وعن ابن عباس : تخفي في نفسك حبها . قوله : مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي : الذي الله مظهره ، وَتَخْشَى النَّاسَ أي : تستحيهم ، قاله ابن عباس والحسن . وقيل : تخاف لائمة الناس أن يقولوا أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها . وقال ابن عمر وابن مسعود والحسن : ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم آية أشد عليه من هذه الآية . قوله : وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ليس المراد أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خشى الناس ولم يخش الله ، بل المعنى أن الله أحق أن تخشاه وحده ولا تخش أحدا معه ، وأنت تخشاه وتخشى الناس أيضا ، فاجعل الخشية لله وحده ، ولا يقدح ذلك في حال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم . 281 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا معلى بن منصور ، عن حماد بن زيد ، حدثنا ثابت ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن هذه الآية : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومحمد بن عبد الرحيم : أبو يحيى ، كان يقال له صاعقة . والحديث أخرجه الترمذي في التفسير عن محمد بن عبدة ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سليمان لؤين لقب له .