2 - بَاب وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ 4811 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبِيدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ فَيَقُولُ : أَنَا الْمَلِكُ . فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ ( قَالَ : جَاءَ حَبْرٌ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ الْحَدِيثَ ) يَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : تَكَلَّفَ الْخَطَّابِيُّ فِي تَأْوِيلِ الْإِصْبَعِ وَبَالَغَ حَتَّى جَعَلَ ضَحِكَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَجُّبًا وَإِنْكَارًا لِمَا قَالَ الْحَبْرُ ، وَرَدَّ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَضَحِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا بِأَنَّهُ عَلَى قَدْرِ مَا فَهِمَ الرَّاوِي . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ ضَحِكَ تَصْدِيقًا لَهُ بِدَلِيلِ قِرَاءَتِهِ الْآيَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَا قَالَ الْحَبْرُ ، وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْكَفُّ عَنِ التَّأْوِيلِ مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَا يَسْتَلْزِمُ النَّقْصَ مِنْ ظَاهِرِهَا غَيْرُ مُرَادٍ . وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِصْبَعِ إِصْبَعَ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ : أَصَابِعُ الرَّحْمَنِ يَدُلُّ عَلَى الْقُدْرَةِ وَالْمُلْكِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ) أَيْ أَنْيَابُهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُنَافِيًا لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ تَبَسُّمًا كَمَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْأَحْقَافِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ · ص 412 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله وما قدروا الله حق قدره · ص 143 ( باب قوله : وما قدروا الله حق قدره ) . أي هذا باب في بيان قوله - عز وجل - وليس في بعض النسخ لفظ باب ، قوله : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ أي ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به . 306 - ( حدثنا آدم حدثنا شيبان عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبيدة ، عن عبد الله - رضي الله عنه - قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد ، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر الخلائق على إصبع ، فيقول : أنا الملك ، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه ، تصديقا لقول الحبر ، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وما قدروا الله حق قدره ، الآية ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وآدم هو ابن أبي إياس عبد الرحمن ، وشيبان هو ابن عبد الرحمن ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وإبراهيم هو النخعي ، وعبيدة بفتح العين وكسر الباء الموحدة السلماني ، وعبد الله هو ابن مسعود . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن عثمان وعن مسدد ، وأخرجه مسلم في التوبة ، عن أحمد بن يونس ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن بندار ، وأخرجه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم به وعن غيره . قوله : " حبر " بفتح الحاء وكسرها ، والعالم بالفتح وما يكتب به بالكسر ، قوله : " على إصبع " المراد منه القدرة ، وقال ابن فورك : المراد به هنا إصبع بعض مخلوقاته ، وهو غير ممتنع ، وقال محمد بن شجاع الثلجي : يحتمل أن يكون خلق خلقه الله تعالى يوافق اسمه اسم الإصبع ، وما ورد في بعض الروايات من أصابع الرحمن يؤول بالقدرة أو الملك ، وقال الخطابي : الأصل في الإصبع ونحوها أن لا يطلق على الله إلا أن يكون بكتاب أو خبر مقطوع بصحته ، فإن لم يكونا فالتوقف عن الإطلاق واجب ، وذكر الأصابع لم يوجد في الكتاب ولا في السنة القطعية ، وليس معنى اليد في الصفات بمعنى الجارحة حتى يتوهم من ثبوتها ثبوت الإصبع ، وقد روى هذا الحديث كثير من أصحاب عبد الله من طريق عبيدة ، فلم يذكروا فيه تصديقا لقول الحبر ، وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما حدثكم به أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم " ، والدليل على أنه لم ينطق فيه بحرف تصديقا له وتكذيبا ، وإنما ظهر منه الضحك المخيل للرضاء مرة وللتعجب والإنكار أخرى ، وقول من قال : إنما ظهر منه الضحك تصديقا للحبر ظن منه ، والاستدلال في مثل هذا الأمر الجليل غير جائز ، ولو صح الخبر لا بد من التأويل بنوع من المجاز ، وقد يقول الإنسان في الأمر الشاق إذا أضيف إلى الرجل القوي المستقل المستظهر إنه يعمله بإصبع أو بخنصر ونحوه يريد الاستظهار في القدرة عليه والاستهانة به ، فعلم أن ذلك من تحريف اليهودي ، فإن ضحكه - صلى الله عليه وسلم - إنما كان على معنى التعجب والتكبر له ، وقال التميمي : تكلف الخطابي فيه وأتى في معناه ما لم يأت به السلف والصحابة كانوا أعلم بما رووه وقالوا : إنه ضحك تصديقا له ، وثبت في السنة الصحيحة : ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ، وقال الكرماني : الأمة في مثلها طائفتان : مفوضة ، ومؤولة واقفون على قوله : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وقال النووي - رحمه الله - : وظاهر السياق يدل على أنه ضحك تصديقا له بدليل قراءته الآية التي تدل على صحة ما قال الحبر ، قوله : " نواجذه " بالنون والجيم والذال المعجمة ، وقال الأصمعي : هي الأضراس كلها لا أقصى الأسنان ، والأحسن ما قاله ابن الأثير : النواجذ من الإنسان الضواحك ، وهي التي تبدو عند الضحك ، والأكثر الأشهر أنها أقصى الأسنان ، والمراد الأول لأنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - ما كان يبلغ به الضحك حتى يبدو آخر أضراسه ، كيف وقد جاء في صفة ضحكه " جل ضحكه التبسم " وإن أريد بها الأواخر فالوجه فيه أن يراد مبالغة مثله في الضحك من غير أن يراد ظهور نواجذه في الضحك ، وهو أقيس القولين لاشتهار النواجذ بأواخر الأسنان .