428 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ أَنَسِ قَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ : بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ : يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا . قَالُوا : لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ . فَقَالَ أَنَسٌ : فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ : قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ ، وَفِيهِ خَرِبٌ ، وَفِيهِ نَخْلٌ . فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ . فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ وقَوْلُهُ فِيهِ فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي ، وَالْحَمَوِيِّ ، وَلِلْبَاقِينَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَفِيهِ : وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ السِّيَرِ كَمَا سَيَأْتِي . وَقَوْلُهُ : وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ هُمْ أَخْوَالُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ سَلْمَى مِنْهُمْ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النُّزُولَ عِنْدَهُمْ لَمَّا تَحَوَّلَ مِنْ قُبَاءٍ ، وَالنَّجَّارِ بَطْنٌ مِنَ الْخَزْرَجِ وَاسْمُهُ تَيْمُ اللَّاتِ ابْنُ ثَعْلَبَةَ . قَوْلُهُ : ( مُتَقَلِّدِينَ السُّيُوفَ ) مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ بِحَذْفِ النُّونِ ، وَالسُّيُوفِ مَجْرُورَةٌ بِالْإِضَافَةِ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ ) كَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْدَفَهُ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَنْوِيهَا بِقَدْرِهِ ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ نَاقَةٌ هَاجَرَ عَلَيْهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْهِجْرَةِ . وقَوْلُهُ : ( وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ ) أَيْ جَمَاعَتُهُمْ ، وَكَأَنَّهُمْ مَشَوْا مَعَهُ أَدَبًا . وَقَوْلُهُ : ( حَتَّى أَلْقَى ) أَيْ أَلْقَى رَحْلَهُ ، وَالْفِنَاءُ النَّاحِيَةُ الْمُتَّسِعَةُ أَمَامَ الدَّارِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَّهُ أَمَرَ ) بِالْفَتْحِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ ، وَقِيلَ : رُوِيَ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ . قَوْلُهُ : ( ثَامِنُونِي ) بِالْمُثَلَّثَةِ : اذْكُرُوا لِي ثَمَنُهُ لِأَذْكُرَ لَكُمُ الثَّمَنَ الَّذِي أَخْتَارَهُ ، قَالَ : ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَاوَمَةِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : سَاوِمُونِي فِي الثَّمَنِ . قَوْلُهُ : ( لَا نَطْلُبُ ثَمَنُهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ ) تَقْدِيرُهُ : لَا نَطْلُبُ الثَّمَنَ ، لَكِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ، أَوْ إِلَى بِمَعْنَى مِنْ ، وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا مِنَ اللَّهِ وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ : أَبَدًا . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهُ ثَمَنًا . وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلَ السِّيَرِ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( فَكَانَ فِيهِ ) أَيْ فِي الْحَائِطِ الَّذِي بَنَى فِي مَكَانِهِ الْمَسْجِدَ . قَوْلُهُ : ( وَفِيهِ خَرِبٌ ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : الْمَعْرُوفُ فِيهِ فَتْحُ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرُ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ جَمْعُ خَرِبَةٍ كَكَلِمٍ وَكَلِمَةٍ . قُلْتُ : وَكَذَا ضُبِطَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا كَسْرَ أَوَّلِهِ وَفَتْحَ ثَانِيهِ جَمْعُ خَرِبَةٍ كَعِنَبٍ وَعِنَبَةٍ ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ حَرْثٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الْوَارِثِ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَرِوَايَةَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ ، فَعَلَى هَذَا فَرِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهْمٌ ؛ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ ضَبْطًا آخَرَ ، وَفِيهِ بَحْثٌ سَيَأْتِي مَعَ بَقِيَّةِ مَا فِيهِ فِي كِتَابِ الْهِجْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : ( فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي ، وَالْحَمَوِيِّ فَاغْفِرِ الْأَنْصَارَ بِحَذْفِ اللَّامِ ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ ضَمَّنَ اغْفِرْ مَعْنَى اسْتُرْ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُسَدَّدٍ بِلَفْظِ فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ . وَفِي الْحَدِيثِ : جَوَازُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمَمْلُوكَةِ بِالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ ، وَجَوَازُ نَبْشِ الْقُبُورِ الدَّارِسَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُحْتَرَمَةً ، وَجَوَازُ الصَّلَاةِ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ نَبْشِهَا وَإِخْرَاجِ مَا فِيهَا ، وَجَوَازُ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي أَمَاكِنِهَا ، قِيلَ : وَفِيهِ جَوَازُ قَطْعِ الْأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ لِلْحَاجَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ : وَأَمَرَ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُثْمِرُ إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ ذُكُورًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا قَطَعَ ثَمَرَتَهُ . وَسَيَأْتِي صِفَةُ هَيْئَةِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ قَرِيبًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ · ص 626 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد · ص 405 الحديث الثاني : 428 – حدثنا مسدد : ثنا عبد الوارث ، عن أبي التياح ، عن أنس ، قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم : بنو عمرو بن عوف ، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة ليلة ، ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف ، فكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته ، وأبو بكر ردفه ، وملأ بني النجار حوله ، حتى ألقى بفناء أبي أيوب ، وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ، ويصلي في مرابض الغنم ، وإنه أمر ببناء المسجد ، فأرسل إلى ملأ بني النجار ، فقال : يا بني النجار ، ثامنوني بحائطكم هذا . قالوا : لا والله ، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل . قال أنس : فكان فيه ما أقول لكم : قبور المشركين ، وفيه خرب ، وفيه نخل ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ، ثم بالخرب فسويت ، ثم بنخل فقطع ، فصفوا النخل قبلة المسجد ، وجعلوا عضادتيه بالحجارة ، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ، والنبي صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول : اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة أعلى المدينة : هو العوالي والعالية ، وهو قباء وما حوله ، وكانت قباء مسكن بني عمرو بن عوف . وقيل : إن كل ما كان من جهة نجد من المدينة ، من قراها وعمائرها إلى تهامة يسمى العالية ، وما كان دون ذلك يسمى السافلة . وبنو النجار كانوا أخوال النبي صلى الله عليه وسلم . وقد ذكرنا سبب ذلك في كتاب : الإيمان في باب : الصلاة من الإيمان . وكان مقصود النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتقل من العوالي إلى وسط المدينة ، وأن يتخذ بها مسكنا يسكنه . وفي إردافه لأبي بكر في ذلك اليوم دليل على شرف أبي بكر واختصاصه به دون سائر أصحابه . وقوله : وملأ بني النجار حوله - يريد : رجالهم وشجعانهم وأشرافهم . وقوله : حتى ألقى بفناء أبي أيوب - أي : بفناء داره ، و ألقى بالقاف ، ومعناه : أنه نزل به ، فإن السائر إذا نزل بمكان ألقى فيه رحله وما معه . وقد ذكر شرحبيل بن سعد وأهل السير : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما مر بدار من دور الأنصار كبني سالم وبني الحارث بن الخزرج وبني عدي أخذوا بخطام راحلته ، وعرضوا عليه النزول بحيهم ، وهو يقول : خلوا سبيلها ؛ فإنها مأمورة ، حتى بركت بفناء دار أبي أيوب ، عند مسجده الذي بناه . وقول أنس : وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم ، موافق لقوله صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره . ولقوله لما سئل : أي مسجد وضع في الأرض أول ؟ قال : المسجد الحرام . قيل له : ثم أي ؟ قال : ثم مسجد بيت المقدس . قيل : كم بينهما ؟ قال : أربعون سنة . ثم قال : الأرض لك مسجد ، فأينما أدركتك الصلاة فصل ؛ فإنه لك مسجد . وقوله : فأرسل إلى بني النجار ، فقال : ثامنوني بحائطكم - يعني : بيعوني إياه بثمنه . قال الخطابي : وفيه أن صاحب السلعة أحق بالسوم . فإنه طلب منهم أن يذكروا له الثمن ، ولم يقطع ثمنا من عنده . والحائط : ما فيه شجر وعليه بنيان . وقوله : قالوا : والله ، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله يدل على أنهم لم يأخذوا له ثمنا ، وقد ذكر الزهري وغيره خلاف ذلك . قال ابن سعد : أبنا الواقدي : حدثني معمر ، عن الزهري ، قال : بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين ، وكان مربدا لسهل وسهيل : غلامين يتيمين من الأنصار ، وكانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلامين ، فساومهما بالمربد ؛ ليتخذه مسجدا . فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله . فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما . قال الواقدي : وقال غير معمر ، عن الزهري : فابتاعه بعشرة دنانير . وقال معمر ، عن الزهري : وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك . وهذا إن صح يدل على أن الغلامين كانا قد بلغا الحلم . وحديث أنس أصح من رواية يرويها الواقدي عن معمر وغيره ، عن الزهري مرسلة ، فإن مراسيل الزهري لو صحت عنه فهي من أضعف المراسيل ، فكيف إذا تفرد بها الواقدي ؟ وقد روي عن الحسن ، أنهما وهباه للنبي صلى الله عليه وسلم فقبله : قال المفضل الجندي في فضائل المدينة له : ثنا محمد بن يحيى : ثنا سفيان ، عن أبي موسى ، عن الحسن ، قال : كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مربدا لغلامين من الأنصار ، يقال لهما : سهل وسهيل ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه ، فكلم فيه عمهما - وكانا في حجره - أن يبتاعه منهما ، فأخبرهما عمهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراده ، فقالا : نحن نعطيه إياه . فأعطياه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبناه . قال الحسن : فأدركت فيه أصول النخل غلابا - يعني : غلاظا - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جذع منها ، ويسند إليه ظهره ، ويصلي إليه . ثم قال الواقدي - في روايته عن معمر ، عن الزهري - : وكان - يعني : ذلك المربد - جدارا مجدرا ، ليس عليه سقف ، وقبلته إلى بيت المقدس ، كان أسعد بن زرارة بناه ، فكان يصلي بأصحابه فيه ، ويجمع فيه بهم الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل الذي في الحديقة ، وبالغرقد الذي فيه أن يقطع ، وأمر باللبن فضرب ، وكان في المربد قبور جاهلية ، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنبشت ، وأمر بالعظام أن تغيب ، وكان في المربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب ، وأسسوا المسجد ، فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع ، وفي هذين الجانبين مثل ذلك ، فهو مربع - ويقال : كان أقل من المائة - وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ، ثم بنوه باللبن ، وبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وجعل ينقل معهم الحجارة بنفسه ، وهو يقول : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة وجعل يقول : هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر - ربنا - وأطهر وجعل قبلته إلى بيت المقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب : بابا في مؤخره ، وبابا يقال له : باب الرحمة ، وهو الباب الذي يدعى باب عاتكة ، والباب الثالث الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الباب الذي يلي آل عثمان ، وجعل طول الجدار بسطة وعمده الجذوع ، وسقفه جريدا ، فقيل له : ألا نسقفه ؟ فقال : عريش كعريش موسى ، خشيبات وثمام ، الشأن أعجل من ذلك . وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن ، وسقفها بجذوع النخل والجريد ، فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بابه شارع إلى المسجد ، وجعل سودة بنت زمعة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان . انتهى . وذكر ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في منزل أبي أيوب سبعة أشهر . وهذا يدل على أن بعض حجره تم بناؤه بعد ذلك ، وانتقل إليها . وروى ابن سعد - أيضا - عن الواقدي : ثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال ، قال : مات أسعد بن زرارة في شوال ، على رأس تسعة أشهر من الهجرة ، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يبنى . وهذا يدل على أن بناء المسجد لم يتم إلا بعد تسعة أشهر من الهجرة . وأما قول أنس : فكان فيه ما أقول لكم : قبور المشركين ، وفيه خرب ، وفيه نخل . لفظة : خرب رويت بالخاء المعجمة والباء الموحدة . ورويت : حرث بالحاء والثاء المثلثة . قال الإسماعيلي : من قال : حرث . فهو محتمل ؛ لأن ما حرث ولم يزرع أو زرع فرفع زرعه ، كانت الأخاديد والشقوق باقية في الأرض . يشير إلى أن ذلك يناسب قوله : فأمر بالحرث فسويت . قال : ومن قال : خرب فهو صحيح ؛ فهو جمع خربة أو خربة - بضم الخاء - وهو العيب ، كالجحر والشق ونحوه . قال : وأما الخرب فهو كقولك : مكان خرب - يعني : أنه يكون وصفا لمذكر . قال : والحديث خارج على تأنيث هذا الحرف ، فكأنه بالجمع أشبه . وقال الخطابي : روي خرب - يعني : بكسر الخاء وبفتح الراء - قال الليث : هي لغة تميم خرب ، والواحد خربة . قال : وسائر الناس يقولون : خرب - يعني : بفتح الخاء وكسر الراء - جمع خربة ، كما قيل : كلم جمع كلمة . ولعل الصواب الخرب مضمومة الخاء جمع خربة وهي الخروق التي في الأرض ، إلا أنهم يقولونها في كل ثقبة مستديرة . قال : ولعل الرواية : الجرف جمع الجرفة ، وهي جمع الجرف ، كما قيل : خرج وخرجة ، وترس وترسة . قال : وأبين منها - إن ساعدت الرواية - : حدب جمع حدبة ، لقوله : فسويت ، وإنما يسوى المكان المحدودب ، أو ما فيه خروق ، فأما الخرب فتبنى وتعمر . انتهى ما ذكره . وفيه تكلف شديد ، وتلاعب بهذه اللفظة بحسب ما يدخلها من الاحتمالات المستبعدة . والرواية التي رواها الحفاظ : خرب ، فإن كان مفردا ، فإنما أنث تسويته ؛ لأن التأنيث يعود إلى أماكنه ، والظاهر أنها كانت متعددة ، وإن كان خرب ؛ - بالجمع - فتأنيثها واضح . ومعنى تسوية الخرب : أن البناء الخراب المستهدم يصير في موضعه أماكن مرتفعة عن الأرض فتحتاج إلى أن تحفر وتسوى بالأرض ، وهذا أمر واضح ظاهر ، لا يحتاج إلى تكلف ولا تعسف . وأما النخل فقد أخبر أنس أنه قطع ، وصف قبلة للمسجد ، وأما قبور المشركين فنبشت ، وذكر أنهم بدءوا بنبش القبور ، ثم بتسوية الخرب ، ثم بقطع النخل . والمقصود من تخريج الحديث في هذا الباب : أن موضع المسجد كان فيه قبور للمشركين ، فنبشت قبورهم ، وأخرجت عظامهم منها ، وهذا يدل على أن المقبرة إذا نبشت وأخرج ما فيها من عظام الموتى لم تبق مقبرة ، وجازت الصلاة فيها . ويدل على كراهة الصلاة في المقبرة ولو كانت قبور المشركين ؛ لما فيه من سد الذريعة إلى اتخاذ القبور مساجد ، فإنه إذا تطاول العهد ، ولم تعرف الحال ، خشي من ذلك الفتنة . وقد يقال مع ذلك : إن في نبش عظام المشركين للصلاة في أماكنها تباعدا في الصلاة عن مواضع العذاب والغضب ، وهي مما يكره الصلاة فيها ، كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى . وفي الحديث : دليل على طهارة الأرض بالاستحالة ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر عند نبش الأرض بإزالة تراب القبور ولا تطهيرها ، ولو فعل ذلك لما أهمل نقله ؛ للحاجة إليه . ويدل عليه - أيضا - : أن الصحابة كانوا يخوضون الطين في الطرقات ولا يغسلون أرجلهم - كما تقدم عنهم - والنجاسات مشاهدة في الطرقات ، فلو لم تطهر بالاستحالة لما سومح في ذلك . وهذا قول طائفة من العلماء من السلف ، كأبي قلابة وغيره ، ورجحه بعض أصحابنا ، وهو رواية عن أبي حنيفة ، والمشهور عنه : أن الأرض النجسة إذا جفت فإنه يصلى عليها ، ولا يتيمم بها . ومذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم : أنها نجسة بكل حال . وفي الحديث : دليل على أن قبور المشركين لا حرمة لها ، وأنه يجوز نبش عظامهم ، ونقلهم من الأرض للانتفاع بالأرض إذا احتيج إلى ذلك . واختلفوا في نبش قبورهم لطلب ما يدفن معهم من مال ، فرخص فيه كثير من العلماء . حكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة والشافعي . قال : وكرهه مالك ولم يحرمه ، وكان الناس يفعلون ذلك في أول الإسلام كثيرا . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقبر أبي رغال ، فأخبرهم أن معه غصنا من ذهب ، فنبشوه واستخرجوه منه . ومن العلماء من كره ذلك ، منهم الأوزاعي ، وعلل بأنه يكره الدخول إلى مساكنهم ؛ خشية نزول العذاب ، فكيف بقبورهم ؟ وكره بعض السلف نبش القبور العادية المجهولة ؛ خشية أن يصادف قبر نبي أو صالح ، وخصوصا بأرض الشام كالأردن . ونص أحمد على أنه إذا غلب المسلمون على أرض الحرب فلا تنبش قبورهم . وهذا محمول على ما إذا كان النبش عبثا لغير مصلحة ، أو أن يخشى منه أن يفعل الكفار مثل ذلك بالمسلمين إذا غلبوا على أرضهم . وفي الحديث : دليل على أن بيع الأرض التي في بعضها قبور صحيح ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم طلب شراء هذا المربد . وهذه المسألة على قسمين : أحدهما : أن يكون المقبور في الأرض يجوز نبشه ونقله ، كأهل الحرب ، ومن دفن في مكان مغصوب ، فهذا لا شك في صحة البيع للأرض كلها ، وينقل المدفون فيها ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنقل عظام المشركين من المربد . والثاني : أن يكون المقبور محترما لا يجوز نبشه ، فلا يصح بيع موضع القبور خاصة . وهل يصح في الباقي ؟ يخرج على الخلاف المشهور في تفريق الصفقة . ولو اشترى أرضا ، فوجد في بعضها عظام موتى ، ولم يعلم : هل هي مقبرة أم لا ؟ فقال ابن عقيل من أصحابنا وبعض الشافعية في زمنه : لا يصح البيع في محل الدفن ؛ لأن تلك البقعة إما أن تكون مسبلة ، وإما أن تكون ملكا للميت قد وصى بدفنه فيها ، فيكون أحق بها ، ولا ينقل إلى الورثة . وهذا الذي قالوه هو الأغلب ، وإلا فيحتمل أن يكون الدفن في أرض مغصوبة أو مغارة للدفن ، إلا أن هذا قليل أو نادر ، فلا يعول عليه . والله أعلم . والمنصوص عن أحمد : أنه إذا دفن في بيت من داره فلا بأس ببيعه ، ما لم يجعل مقبرة مسبلة . وفي الحديث : دليل على جواز قطع النخل لمصلحة في قطعه ، وقد نص على جوازه أحمد : إذا كان في داره نخلة ضيقت عليه ، فلا بأس أن يقطعها . وكره جماعة قطع الشجر الذي يثمر ، منهم : الحسن والأوزاعي وإسحاق ، وكره أحمد قطع السدر خاصة لحديث مرسل ورد فيه ، وقال : قل إنسان فعله إلا رأى ما يكره في الدنيا . ورخص في قطعه آخرون . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد · ص 175 89 - حدثنا مسدد قال : حدثنا عبد الوارث ، عن أبي التياح ، عن أنس قال : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف ، فأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى بني النجار فجاؤوا متقلدي السيوف ، كأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب ، وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم ، وأنه أمر ببناء المسجد ، فأرسل إلى ملأ من بني النجار فقال : يا بني النجار ، ثامنوني بحائطكم هذا . قالوا : لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله . فقال أنس : فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين ، وفيه خرب وفيه نخل ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبور المشركين فنبشت ، ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع ، فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة ، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي - صلى الله عليه وسلم - معهم وهو يقول : اللهم لا خير إلا خير الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله : وهم أربعة ؛ الأول : مسدد بن مسرهد . الثاني : عبد الوارث بن سعيد التيمي . الثالث : أبو التياح - بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة - واسمه يزيد بن حميد الضبعي ؛ والكل تقدموا . الرابع : أنس بن مالك . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول ، وفيه أن رواته كلهم بصريون . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في الصلاة في موضعين من الوصايا وفي هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مسدد ، وفي الحج عن أبي معمر عبد الله بن عمرو ، وفي البيوع عن موسى بن إسماعيل ، وفي الوصايا عن إسحاق عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، وفي الهجرة عن إسحاق بن منصور عن عبد الصمد . وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وشيبان بن فروخ ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد به ، وعن موسى بن إسماعيل عن حماد . وأخرجه النسائي فيه عن عمران بن موسى عن عبد الوارث نحوه . وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد بن وكيع عن حماد بن سلمة ببعضه . ذكر معناه : قوله ( قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ) ، قال الحاكم : تواترت الأخبار بورود النبي - عليه الصلاة والسلام - قباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول . وقال محمد بن موسى الخوارزمي : وكان ذلك يوم الخميس الرابع من تيرماه ومن شهور الروم العاشر من أيلول سنة سبعمائة وثلاثة وثلاثين لذي القرنين . وقال الخوارزمي : من حين ولد إلى حين أسري به أحد وخمسون سنة وسبعة أشهر وثمانية وعشرون يوما ، ومنه إلى اليوم الذي هاجر سنة وشهران ويوم ، فذلك ثلاث وخمسون سنة ، وكان ذلك يوم الخميس . وفي طبقات ابن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول ، فقال - من القيلولة - يوم الثلاثاء بقديد ، وقدم على بني عمرو بن عوف لليلتين خلتا من ربيع الأول ، ويقال : لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، فنزل على كلثوم بن هدم وهو المثبت عندنا . وذكر البرقي أنه - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة ليلا ، وعن جابر : لما قدم المدينة نحر جزورا . قوله ( فنزل أعلى المدينة ) ، ويروى في المدينة ، وفي رواية أبي داود : فنزل في علو المدينة بالضم ، وهي العالية . قوله ( في حي ) بتشديد الياء ، وهي القبيلة ، وجمعها أحياء . قوله ( بنو عمرو بن عوف ) بفتح العين فيهما ، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ، وهذه رواية الأكثرين ، وكذا في رواية أبي داود عن شيخه مسدد ، وفي رواية المستملي والحموي أربعا وعشرين ليلة ، وعن الزهري أقام فيهم بضع عشرة ليلة ، وعن عويمر بن ساعدة لبث فيهم ثماني عشرة ليلة ثم خرج . قوله ( ثم أرسل إلى بني النجار ) ، وبنو النجار هم بنو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الجموح ، والنجار قبيل كبير من الأنصار منه بطون وعمائر وأفخاذ وفصائل ، وتيم اللات هو النجار ؛ سمي بذلك لأنه اختتن بقدوم ، وقيل : بل ضرب رجلا بقدوم فجرحه ، ذكره الكلبي وأبو عبيدة ، وإنما طلب بني النجار لأنهم كانوا أخواله صلى الله عليه وسلم ، لأن هاشما جده تزوج سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجار بالمدينة فولدت له عبد المطلب . قوله ( فجاؤوا متقلدي السيوف ) ، هكذا في رواية كريمة بإضافة متقلدين إلى السيوف وسقوط النون للإضافة ، وفي رواية الأكثرين متقلدين السيوف بنصب السيوف وثبوت النون لعدم الإضافة ، وعلى كل حال هو منصوب على الحال من الضمير الذي في جاؤوا ، والتقلد جعل نجاد السيف على المنكب . قوله ( على راحلته ) ، الراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى ، وكانت راحلته ناقة تسمى القصواء . قوله ( وأبو بكر ردفه ) جملة اسمية في موضع النصب على الحال ، والردف - بكسر الراء وسكون الدال - المرتدف وهو الذي يركب خلف الراكب ، وأردفته أنا إذا أركبته معك ، وذاك الموضع الذي يركبه رداف ، وكل شيء تبع شيئا فهو ردفه ، وكان لأبي بكر ناقة فلعله تركها في بني عمرو بن عوف لمرض أو غيره ، ويجوز أن يكون ردها إلى مكة ليحمل عليها أهله ، وثم وجه آخر حسن وهو أن ناقته كانت معه ولكنه ما ركبها لشرف الارتداف خلفه لأنه تابعه والخليفة بعده . قوله ( وملأ بني النجار حوله ) جملة اسمية حالية أيضا ، والملأ أشراف القوم ورؤساؤهم ؛ سموا بذلك لأنهم ملئ بالرأي والغنى ، والملأ الجماعة ، والجمع أملاء . وقال ابن سيده : وليس الملأ من باب رهط وإن كانا اسمين ؛ لأن رهطا لا واحد له من لفظه والملأ رجل مالئ جليل ملأ العين بجهرته فهو كالعرب والزوج ، وحكى ملأته على الأمر أملؤه وملأته كذلك ؛ أي شاورته ، وما كان هذا الأمر عن ملأ منا أي عن تشاور وإجماع . قوله ( ألقى ) ؛ أي حتى ألقى رحله ، والمفعول محذوف ، يقال ألقيت الشيء إذا طرحته . قوله ( بفناء أبي أيوب ) ؛ أي بفناء دار أبي أيوب ، الفناء - بكسر الفاء - سعة أمام الدار ، والجمع أفنية ، وفي المجمل : فناء الدار ما امتد من جوانبها . وفي المحكم : وتبدل الباء من الفاء . واسم أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي الله تعالى عنه وقد ذكرناه عن قريب . وفي شرف المصطفى لما نزلت الناقة عند دار أبي أيوب جعل جبار بن صخر ينخسها برجله ، فقال أبو أيوب : يا جبار ، أعن منزلي تنخسها ! أما والذي بعثه بالحق لولا الإسلام لضربتك بالسيف . قلت : جبار بن صخر بن أمية بن خنساء السلمي ، ويقال : جابر بن صخر الأنصاري ، شهد العقبة وبدرا ، وهو صحابي كبير ، روى محمد بن إسحاق عن أبي سعد الخطمي سمع جبار بن عبد الله قال : صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا وجابر بن صخر فأقامنا خلفه . والصحيح أن اسمه جبار بن صخر ، وذكر محمد بن إسحاق في كتاب المبتدأ وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - تأليفه - أن تبعا - وهو ابن حسان - لما قدم مكة قبل مولد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بألف عام وخرج منها إلى يثرب وكان معه أربعمائة رجل من الحكماء ، فاجتمعوا وتعاقدوا على أن لا يخرجوا منها ، وسألهم تبع عن سر ذلك فقالوا : إنا نجد في كتبنا أن نبيا اسمه محمد هذه دار مهاجره ، فنحن نقيم لعل أن نلقاه ، فأراد تبع الإقامة معهم ، ثم بنى لكل واحد من أولئك دارا واشترى له جارية وزوجها منه وأعطاهم مالا جزيلا وكتب كتابا فيه إسلامه وقوله : شهدت على أحمد أنه رسول من الله بارئ النسم في أبيات وختمه بالذهب ودفعه إلى كبيرهم ، وسأله أن يدفعه إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - إن أدركه ، وإلا من أدركه من ولده ، وبنى للنبي - صلى الله عليه وسلم - دارا ينزلها إذا قدم المدينة فتداول الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب رضي الله تعالى عنه وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب . قال : وأهل المدينة من ولد أولئك العلماء الأربعمائة ، ويزعم بعضهم أنهم كانوا الأوس والخزرج ، ولما خرج رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أرسلوا إليه كتاب تبع مع رجل يسمى أبا ليلى ، فلما رآه - صلى الله عليه وسلم – قال : أنت أبو ليلى ومعك كتاب تبع الأول ؟ فبقي أبو ليلى متفكرا ولم يعرف النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من أنت ؟ فإني لم أر في وجهك أثر السحر ! وتوهم أنه ساحر ، فقال : أنا محمد ، هات الكتاب . فلما قرأه قال : مرحبا بتبع الأخ الصالح - ثلاث مرات . وفي سيرة ابن إسحاق اسمه تبان أسعد أبو كرب ، وهو الذي كسى البيت الحرام ، وفي مغايص الجوهر في أنساب حمير كان يدين بالزبور ، وفي معجم الطبراني : لا تسبوا تبعا . وقال الثعلبي بإسناده إلى سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا تسبوا تبعا ؛ فإنه كان قد أسلم . وأخرجه أحمد في مسنده . وتبع بضم التاء المثناة من فوق وفتح الباء المشددة وفي آخره عين مهملة ، لقب لكل من ملك اليمن ككسرى لقب لكل من ملك الفرس وقيصر لكل من ملك الروم . وقال عكرمة : إنما سمي تبعا لكثرة أتباعه ، وكان يعبد النار فأسلم . قال : وهذا تبع الأوسط . قال : وأقام ملكا ثلاثا وثلاثين سنة ، وقيل : ثمانين سنة . وقال ابن سيرين : هو أول من كسى البيت وملك الدنيا والأقاليم بأسرها . وحكى القاسم بن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال : كان إذا عرض الخيل قاموا صفا من دمشق إلى صنعاء ، وهذا بعيد إن أراد به صنعاء اليمن ؛ لأن بينها وبين دمشق أكثر من شهرين ، والظاهر أنه أراد بها صنعاء دمشق وهي قرية على باب دمشق من ناحية باب الفراديس واتصلت حيطانها بالعقبة وهي محلة عظيمة بظاهر دمشق ، وذكر ابن عساكر في كتابه أن تبعا هذا لما قدم مكة وكسى الكعبة وخرج إلى يثرب كان في مائة ألف وثلاثين ألفا من الفرسان ومائة ألف وثلاثة عشر ألفا من الرجالة ، وذكر أيضا أن تبعا لما خرج من يثرب مات في بلاد الهند ، وذكر السهيلي أن دار أبي أيوب هذه صارت بعده إلى أفلح مولى أبي أيوب فاشتراه منه بعد ما خرب المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار بعد حيلة احتالها عليه المغيرة ، فأصلحه المغيرة وتصدق به على أهل بيت فقراء بالمدينة . قوله ( ويصلي في مرابض الغنم ) ، المرابض جمع مربض ؛ وهو مأوى الغنم . قوله ( إنه أمر ) بكسر الهمزة في إن لأنه كلام مستقبل بذاته ؛ أي إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ببناء المسجد ، ويروى أمر على بناء المفعول ، فعلى هذا يكون الضمير في أنه للشأن ، والمسجد هو بكسر الجيم وفتحها وهو الموضع الذي يسجد فيه ، وفي الصحاح : المسجد بفتح الجيم موضع السجود ، وبكسرها البيت الذي يصلى فيه ، ومن العرب من يفتح في كلا الوجهين . وعن الفراء : سمعنا المسجد والمسجد ، والفتح جائز وإن لم نسمعه . وفي المعاني للزجاج : كل موضع يتعبد فيه مسجد . قوله ( ثامنوني ) بالثاء المثلثة ، وقال الكرماني : أي بيعونيه بالثمن . وقال بعضهم : أي اذكروا لي ثمنة . وقال صاحب التوضيح : أي قدروا ثمنه لأشتريه منكم وبايعوني فيه . قلت : كل ذلك ليس تفسيرا لموضوع هذه المادة وإن كان يدل على المقصود ، والتفسير هو الذي ذكرته في شرح سنن أبي داود وهو أن هذه اللفظة من ثامنت الرجل في البيع أثامنه إذا قاولته في ثمنه وساومته على بيعه وشرائه . قوله ( بحائطكم ) ، الحائط هاهنا البستان ، يدل عليه قوله وفيه نخل ، وبالنخل فقطع ، وفي لفظ كان مربدا وهو الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف . قوله ( لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل ) ، وقال الكرماني ما حاصله : لا نطلب ثمن المصروف في سبيل الله ، وأطلق الثمن على سبيل المشاكلة . ثم قال : فإن قلت : الطلب يستعمل بمن ، فالقياس أن يقال إلا من الله - قلت : معناه لا نطلب الثمن من أحد ، لكنه مصروف إلى الله تعالى . قلت : هذا كله تعسف مع تطويل ، بل معناه لا نطلب الثمن إلا من الله تعالى ، وكذا وقع عند الإسماعيلي : لا نطلب ثمنه إلا من الله ، وقد جاء إلى في كلام العرب للابتداء كقوله : فلا يروى إلى ابن أحمد ؛ أي مني ، ويجوز أن تكون إلى هاهنا على معناها لانتهاء الغاية ويكون التقدير ننهي طلب الثمن إلى الله كما في قولهم أحمد إليك الله ، والمعنى أنهي حمده إليك ، والمعنى لا نطلب منك الثمن بل نتبرع به ونطلب الثمن - أي الأجر - من الله تعالى ، وهذا هو المشهور في الصحيحين . وذكر محمد بن سعد في الطبقات عن الواقدي أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - اشتراه منهم بعشرة دنانير دفعها أبو بكر الصديق ، ويقال : كان ذلك مربد اليتيمين فدعاهما النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فساومهما ليتخذه مسجدا ، فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله . فأبى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك . وفي المغازي لأبي معشر : فاشتراه أبو أيوب منهما وأعطاه الثمن فبناه مسجدا . واليتيمان هما سهل وسهيل ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو من بني النجار ، كانا في حجر أسعد بن زرارة ، وقيل معاذ بن عفراء ، وقال معاذ : يا رسول الله ، أنا أرضيهما ، فاتخذه مسجدا . ويقال : إن بني النجار جعلوا حائطهم وقفا وأجازه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم . واستدل ابن بطال بهذا على صحة وقف المشاع وقال : وقف المشاع جائز عند مالك ، وهو قول أبي يوسف والشافعي خلافا لمحمد بن الحسن ، والصحيح أن بني النجار لم يوقفوا شيئا بل باعوه ووقفه النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس وقف مشاع . قوله ( قبور المشركين ) بالرفع بدل ، أو بيان لقوله ما أقول . قوله ( وفيه خرب ) ، قال أبو الفرج : الرواية المعروفة خرب بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء جمع خربة ، كما يقال كلمة وكلم ، وقال أبو سليمان : حدثناه الخراب بكسر الخاء وفتح الراء ، وهو جمع الخراب وهو ما يخرب من البناء في لغة بني تميم ، وهما لغتان صحيحتان رويتا . وقال الخطابي : لعل صوابه خرب بضم الخاء المعجمة جمع خربة وهي الخروق في الأرض ، إلا أنهم يقولونها في ثقبة مستديرة في أرض أو جدار . قال : ولعل الرواية جرف جمع الجرفة وهي جمع الجرف ، كما يقال خرج وخرجة وترس وترسة ، وأبين من ذلك إن ساعدته الرواية أن يكون حدبا جمع حدبة وهو الذي يليق بقوله فسويت ، وإنما يسوى المكان المحدودب أو موضع من الأرض فيه خروق وهدوم ، فأما الخرب فإنها تعمر ولا تسوى . وقال عياض : هذا التكلف لا حاجة إليه ، فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى كما أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخرب فرفعت رسومها وسويت مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين ، وكذلك فعل بالقبور . وفي مصنف ابن أبي شيبة بسند صحيح : وأمر بالحرث فحرث ، وهو الذي زعم ابن الأثير أنه روي بالحاء المهملة والثاء المثلثة يريد الموضع المحروث للزراعة . قلت : كذا هو في رواية الكشميهني ، ولكن قيل إنه وهم . قوله ( وبالنخل ) ؛ أي أمر بالنخل فقطع . قوله ( فصفوا النخل ) من صففت الشيء صفا ، وفي مغازي ابن بكير عن ابن إسحاق : جعلت قبلة المسجد من اللبن ، ويقال : بل من حجارة منضودة بعضها على بعض . وسيأتي في الصحيح أن المسجد كان على عهده - صلى الله عليه وسلم - مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل ، ولم يزد فيه أبو بكر شيئا ، ولعل المراد بالقبلة جهتها لا القبلة المعهودة اليوم ، فإن ذلك لم يكن ذلك الوقت ، وورد أيضا أنه كان في موضع المسجد الغرقد فأمر أن يقطع ، وكان في المربد قبور جاهلية فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنبشت وأمر بالعظام أن تغيب ، وكان في المربد ماء مستنجل فستروه حتى ذهب . قوله مستنجل أي نز قليل الجري ، من النجل وهو الماء القليل ، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع ، وفي هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع ، ويقال : كان أقل من المائة ، وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ثم بنوه باللبن ، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ينقل معهم اللبن والحجارة بنفسه ويقول : هذا الجمال لا جمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر وجعل قبلته إلى القدس ، وجعل له ثلاثة أبواب ؛ بابا في مؤخره ، وبابا يقال له باب الرحمة وهو الباب الذي يدعى باب العاتكة ، والثالث الذي يدخل منه عليه الصلاة والسلام وهو الباب الذي يلي آل عثمان ، وجعل طول الجدار قامة وبسطة ، وعمده الجذوع ، وسقفه جريدا ، فقيل له : ألا تسقفه ؟ فقال : عريش كعريش موسى ؛ خشيبات ، وتمام الأمر أعجل من ذلك . وسيأتي في الكتاب عن قريب عن ابن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل ، ولم يزد فيه أبو بكر شيئا ، وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا ، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بحجارة منقوشة والقصة وجعل عمده حجارة منقوشة وسقفه بالساج ، وفي الإكليل : ثم بناه الوليد بن عبد الملك في إمرة عمر بن عبد العزيز . وفي الروض : ثم بناه المهدي ، ثم زاد فيه المأمون ، ثم لم يبلغنا تغيره إلى الآن . قوله ( عضادتيه ) ثنية عضادة بكسر العين ، قال ابن التياني في الموعب : قال أبو عمر : وهي جانب الحوض . وعن صاحب العين : أعضاد كل شيء ما يشده من حواليه من البناء وغيره ، مثال عضاد الحوض وهي صفائح من حجارة ينصبن على شفيره ، وعضادتا الباب ما كان عليهما يطبق الباب إذا أصفق . وفي التهذيب للأزهري : عضادتا الباب الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله . وزاد القزاز : فوقهما العارضة . قوله ( يرتجزون ) ؛ أي يتعاطون الرجز ، من الرجز وهو ضرب من الشعر ، وقد رجز الراجز وأرجزه ، وقد اختلف العروضيون وأهل الأدب في الرجز هل هو شعر أم لا مع اتفاق أكثرهم على أن الرجز لا يكون شعرا ، وعليه يحمل ما جاء من النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ؛ لأن الشعر حرام عليه بنص القرآن العظيم ، وقال القرطبي : الصحيح في الرجز أنه من الشعر ، وإنما أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاد النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه فقال : لو كان شعرا لما علمه . قال : وهذا ليس بشيء ؛ لأن من أنشد القليل من الشعر أو قاله أو تمثل به على وجه الندور لم يستحق اسم شاعر ولا يقال فيه إنه يعلم الشعر ولا ينسب إليه . وقال ابن التين : لا يطلق على الرجز شعرا ، إنما هو كلام مرجز مسجع بدليل أنه يقال لصانعه راجز ولا يقال شاعر ، ويقال أنشد رجزا ولا يقال أنشد شعرا ، وقيل : إن ما قاله الشاعر ليس برجز ولا موزون . وقد اختلف هل يحل له الشعر ؟ فعلى القول بنفي الجواز هل يحكي بيتا واحدا ؟ فقيل لا يتمه إلا متغيرا ، وأبعد من قال : البيت الواحد ليس بشعر . ولما ذكر قول طرفة : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا قال : ويأتيك من لم تزود بالأخبار . فقال أبو بكر : يا رسول الله ، لم يقل هكذا ، وإنما قال : ويأتيك بالأخبار من لم تزود فقال : كلاهما سواء . فقال : أشهد أنك لست بشاعر ولا تحسنه . ولما أنشد على ما ذكرنا خرج أن يكون شعرا ، وقد قيل : قوله تعالى وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ أي صنعته ، وهي الآلة التي له ، فأما أن يحفظ ما قال الناس فليس بممتنع عليه . قوله ( والنبي معهم ) جملة حالية ؛ أي والنبي - صلى الله عليه وسلم - يرتجز معهم ، وكذا قوله وهو يقول حال قوله اللهم معناه يا الله ، وقال البصريون : اللهم دعاء بجميع أسمائه ؛ إذ الميم تشعر بالجمع كما في عليهم . وقال الكوفيون : أصله الله أمنا بخير ؛ أي اقصدنا ، فخفف فصار اللهم . قوله ( لا خير إلا خير الآخرة ) ، وفي رواية أبي داود : اللهم إن الخير خير الآخرة . قوله ( فاغفر للأنصار ) ، كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والحموي فاغفر الأنصار بحذف اللام ، ووجهه أن يضمن اغفر معنى استر ، وفي رواية أبي داود عن مسدد شيخ البخاري وشيخه أيضا بلفظ فانصر الأنصار ، والأنصار جمع نصير كأشراف جمع شريف ، والنصير الناصر من نصره الله على عدوه ينصره نصرا ، والاسم النصرة ، وسموا بذلك لأنهم أعانوه - صلى الله عليه وسلم - على أعدائه وشدوا منه . والمهاجرة الجماعة المهاجرة ، وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة النبوية محبة فيه وطلبا للآخرة ، والهجرة في الأصل من الهجر ضد الوصل ، وقد هجره هجرا وهجرانا ، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية ، يقال منه هاجر مهاجرة . وقال الكرماني : واعلم أنه لو قرئ هذا البيت بوزن الشعر ينبغي أن يوقف على الآخرة والمهاجرة ، إلا أنه قيل : إنه - صلى الله عليه وسلم - قرأهما بالتاء متحركة خروجا عن وزن الشعر . ذكر ما يستنبط منه من الأحكام : فيه جواز الإرداف ، وفيه جواز الصلاة في مرابض الغنم ، وفيه جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع ، وفيه جواز نبش قبور المشركين لأنه لا حرمة لهم . فإن قلت : كيف يجوز إخراجهم من قبورهم والقبر مختص بمن دفن فيه فقد حازه فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه ؟ قلت : تلك القبور التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بنبشها لم تكن أملاكا لمن دفن فيها ، بل لعلها غصبت ، فلذلك باعها ملاكها ، وعلى تقدير التسليم أنها حبست فليس بلازم ، إنما اللازم تحبيس المسلمين لا الكفار ، ولهذا قالت الفقهاء : إذا دفن المسلم في أرض مغصوبة يجوز إخراجه فضلا عن المشرك . وقد يجاب بأنه دعت الضرورة والحاجة إلى نبشهم ، فجاز . فإن قلت : هل يجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار ليتخذ مكانها مساجد ؟ قلت : أجاز ذلك قوم محتجين بهذا الحديث وبما رواه أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف ، وكان من ثمود ، وكان بالحرم يدفع عنه ، فلما خرج أصابته النقمة فدفن بهذا المكان ، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب ، فابتدر الناس فنبشوه واستخرجوا الغصن . قالوا : فإذا جاز نبشها لطلب المال فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى ، وليست حرمتهم موتى بأعظم منها وهم أحياء ، بل هو مأجور في ذلك ، وإلى جواز نبش قبورهم للمال ذهب الكوفيون والشافعي وأشهب بهذا الحديث ، وقال الأوزاعي : لا يفعل ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما مر بالحجر قال : لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين . فنهى أن يدخل عليهم بيوتهم ، فكيف قبورهم ؟ وقال الطحاوي : قد أباح دخولها على وجه البكاء . فإن قلت : هل يجوز أن تبنى المساجد على قبور المسلمين ؟ قلت : قال ابن القاسم : لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفت فبنى قوم عليها مسجدا لم أر بذلك بأسا ، وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم لا يجوز لأحد أن يملكها ، فإذا درست واستُغْنِيَ عن الدفن فيها جاز صرفها إلى المسجد لأن المسجد أيضا وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تملكه لأحد ، فمعناهما على هذا واحد ، وذكر أصحابنا أن المسجد إذا خرب ودثر ولم يبق حوله جماعة والمقبرة إذا عفت ودثرت تعود ملكا لأربابها ، فإذا عادت ملكا يجوز أن يبنى موضع المسجد دارا وموضع المقبرة مسجدا وغير ذلك ، فإذا لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال . وفيه أن القبر إذا لم يبق فيه بقية من الميت ومن ترابه المختلط بالصديد جازت الصلاة فيه ، وفيه جواز قطع الأشجار المثمرة للضرورة والمصلحة إما لاستعمال خشبها أو ليغرس موضعها غيرها أو لخوف سقوطها على شيء تتلفه أو لاتخاذ موضعها مسجدا ، وكذا قطعها في بلاد الكفار إذا لم يرج فتحها لأن فيه نكاية وغيظا لهم وإرغاما . وفيه جواز الارتجاز وقول الأشعار ونحوها لتنشيط النفوس وتسهيل الأعمال والمشي عليها .