51 - باب مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ أَوْ نَارٌ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا يُعْبَدُ فَأَرَادَ بِهِ اللَّهَ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : أَخْبَرَنِي أَنَسُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأَنَا أُصَلِّي . 431 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : أُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ ) النَّصْبُ عَلَى الظَّرْفِ ، ( التَّنُّورُ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَضْمُومَةِ : مَا تُوقَدُ فِيهِ النَّارُ لِلْخُبْزِ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ فِي الْأَكْثَرِ يَكُونُ حَفِيرَةً فِي الْأَرْضِ ، وَرُبَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَوَهِمَ مَنْ خَصَّهُ بِالْأَوَّلِ . قِيلَ : هُوَ مُعَرَّبٌ ، وَقِيلَ : هُوَ عَرَبِيٌّ تَوَافَقَتْ عَلَيْهِ الْأَلْسِنَةُ ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ ذَكَرَ النَّارَ بَعْدَهُ اهْتِمَامًا بِهِ ؛ لِأَنَّ عَبَدَةَ النَّارِ مِنَ الْمَجُوسِ لَا يَعْبُدُونَهَا إِلَّا إِذَا كَانَتْ مُتَوَقِّدَةً بِالْجَمْرِ كَالَّتِي فِي التَّنُّورِ ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ إِلَى التَّنُّورِ وَقَالَ : هُوَ بَيْتُ نَارٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . وَقَوْلُهُ : ( أَوْ شَيْءٌ ) مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ ، فَتَدْخُلُ فِيهِ الشَّمْسُ مَثَلًا وَالْأَصْنَامُ وَالتَّمَاثِيلُ ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَأْتِي مَوْصُولًا فِي بَابِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَسَيَأْتِي بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بِتَمَامِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، فَقَدْ ذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ هُنَاكَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا طَرَفٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ، وَقَدْ نَازَعَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ : لَيْسَ مَا أَرَى اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنَ النَّارِ بِمَنْزِلَةِ نَارٍ مَعْبُودَةٍ لِقَوْمٍ يَتَوَجَّهُ الْمُصَلِّي إِلَيْهَا . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى التَّرْجَمَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُخْتَارًا ، وَإِنَّمَا عَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ تَنْبِيهِ الْعِبَادِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاخْتِيَارَ وَعَدَمَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقَرُّ عَلَى بَاطِلٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مِثْلَهُ جَائِزٌ . وَتَفْرِقَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بَيْنَ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً لَكِنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ التَّرْجَمَةِ وَالْحَدِيثِ وُجُودُ نَارٍ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ . وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : لَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ بِكَرَاهَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِزَالَتِهِ أَوِ انْحِرَافِهِ عَنْهُ ، وَبَيْنَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُكْرَهُ فِي حَقِّ الثَّانِي ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِحَدِيثَيِ الْبَابِ ، وَيُكْرَهُ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّمَاثِيلِ ، وَكَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ إِلَى التَّنُّورِ أَوْ إِلَى بَيْتِ نَارٍ ، وَنَازَعَهُ أَيْضًا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَاضِي السُّرُوجِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ فَقَالَ : لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أُرِيتَ النَّارَ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَمَامَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهَا ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الصَّلَاةِ . انْتَهَى . وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ كُوشِفَ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ فَعَجَّلَ بِالْجَوَابِ عَنْهُ حَيْثُ صَدَّرَ الْبَابَ بِالْمُعَلَّقِ عَنْ أَنَسٍ ، فَفِيهِ : عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأَنَا أُصَلِّي وَأَمَّا كَوْنُهُ رَآهَا أَمَامَهُ فَسِيَاقُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقْتَضِيهِ ، فَفِيهِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ بَعْدَ أَنْ انْصَرَفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلَتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ أَيْ تَأَخَّرْتَ إِلَى خَلْفٍ ، وَفِي جَوَابِهِ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ أُرِي النَّارَ . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُعَلَّقِ هُنَا عِنْدَهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مَوْصُولًا لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ وَأَنَا أُصَلِّي وَهَذَا يَدْفَعُ جَوَابَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ مِنَ الْمُصَلِّي وَالْبَعِيدِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ أَوْ نَارٌ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا يُعْبَدُ فَأَرَادَ بِهِ اللَّهَ · ص 628 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله عز وجل · ص 425 51 - باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد ، فأراد به الله عز وجل وقال الزهري : أخبرني أنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم عرضت علي النار وأنا أصلي . 431 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عباس ، قال : انخسفت الشمس ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : أريت النار ، فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع . حديث ابن عباس هذا قد خرجه بطوله في أبواب صلاة الكسوف وخرج فيها - أيضا - معناه من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - . وأما حديث أنس الذي علقه فهو قطعة من حديث طويل ، فيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر عند الزوال ، ثم صعد المنبر فذكر الساعة ، ثم قال : من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل . وفي آخره : قال : عرضت علي الجنة والنار - آنفا - في عرض هذا الحائط ، فلم أر كالخير والشر . وقد خرجه البخاري بتمامه في باب : وقت الصلاة عند الزوال ، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - وخرج بعضه في كتاب : العلم فيما سبق . وخرجه - أيضا - بمعناه من حديث قتادة ، عن أنس في كتاب : الفتن . وليس في حديث الزهري وقتادة عن أنس أن عرض الجنة والنار عليه كان في الصلاة . وخرج - أيضا - في باب : رفع البصر إلى الإمام في الصلاة من حديث فليح : ثنا هلال بن علي ، عن أنس ، قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم رقي المنبر ، فأشار بيده قبل قبلة المسجد ، ثم قال : لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار ، فلم أر كاليوم في الخير والشر - ثلاثا . وخرج مسلم من حديث عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : انكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر صلاته وخطبته بعد الصلاة ، وأنه قال فيها : ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه ، لقد جيء بالنار ، وذلك حين رأيتموني تأخرت ؛ مخافة أن يصيبني من لفحها - وذكر الحديث . ومقصود البخاري بهذا الباب : أن من صلى لله عز وجل ، وكان بين يديه شيء من جنس ما عبد من دون الله كنار وتنور وغير ذلك ، فإن صلاته صحيحة ، وظاهر كلامه أنه لا يكره ذلك - أيضا . واستدل بعرض النار على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته ، وفي هذا الاستدلال نظر . قال الإسماعيلي : ليس ما أراه الله من النار حتى أطلعها بمنزلة نار يتوجه المرء إليها وهي معبودة لقوم ، ولا حكم ما أري ليخبرهم بما رآه كحكم من وضع الشيء بين يديه أو رآه قائما موضوعا فجعله أمام مصلاه وقبلته . انتهى . فأشار إلى الفرق من وجوه : منها : أن من كره الصلاة إلى نار أو تنور ، فإنما كره أن يتعمد المصلي ذلك ، وعرض النار على النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كذلك . ومنها : أن المكروه استقبال نار الدنيا ؛ لأنها هي التي عبدت من دون الله عز وجل ، فأما نار جهنم فهي دار عقاب الكفار ، فليست كنار الدنيا . ومنها : أن ما أري النبي صلى الله عليه وسلم من أمر الغيب لا يتعلق به أحكام أمور الدنيا . ومن هنا قيل : إن جبريل لما شق قلب النبي صلى الله عليه وسلم وغسله في طست من ذهب لم يجر على ذلك حكم استعمال أواني الذهب في الدنيا . وقد كره أكثر العلماء الصلاة إلى النار ، منهم : ابن سيرين ، كره الصلاة إلى تنور ، وقال : هو بيت نار . وقال سفيان : يكره أن يوضع السراج في قبلة المسجد . وقال إسحاق : السراج لا بأس به ، والكانون أكرهه - : نقله عنه حرب . وقال مهنا : سألت أحمد عن السراج والقنديل يكون في قبلة المسجد ؟ قال : أكرهه ، وأكره كل شيء ؛ حتى كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئا حتى المصحف . وكان ابن عمر يكره أن يكون بينه وبين القبلة شيء . ونقل الفرج بن الصباح البرزاطي عن أحمد ، قال : إذا كان التنور في قبلة لا يصلى إليه ؛ كان ابن سيرين يكره أن يصلي إلى التنور . ووجه الكراهة : أن فيه تشبها بعُبّاد النار في الصورة الظاهرة ، فكره ذلك ، وإن كان المصلي يصلي لله ، كما كرهت الصلاة في وقت طلوع الشمس وغروبها لمشابهة سجود المصلي فيه سجود عباد الشمس لها في الصورة ، وكما تكره الصلاة إلى صنم وإلى صورة مصورة . قال أحمد في رواية الميموني : لا تصل إلى صورة منصوبة في وجهك . وقد سبق ذكر كراهة الصلاة إلى الصور . وأما استثناء إسحاق من ذلك السراج ، فقد أشار حرب إلى الاستدلال له بما خرجه من طريق أسباط ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حصير - وبين يديه مصباح - قال : فجاءت الفأرة ، فأخذت الفتيلة : فألقتها على الحصير ، وأحرقت منه قدر الدرهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الفويسقة لتضرم على أهل البيت . وقد خرجه أبو داود ، وليس عنده ذكر الصلاة على الحصير ، ولا أن بين يديه مصباحا . ولو وضع بين يدي المصلي في صلاته نار لم تبطل صلاته ، ويزيلها عنه بحسب القدرة . وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأم ، فسمعناه يقول : أعوذ بالله منك . ثم قال : ألعنك بلعنة الله - ثلاثا - وبسط يديه كأنه تناول شيئا ، فلما فرغ من الصلاة قلنا : يا رسول الله ، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ، ورأيناك بسطت يدك . قال : إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ؛ ليجعله في وجهي فقلت : أعوذ بالله منك ثلاث مرات ، ثم قلت : ألعنك بلعنة الله التامة . فلم يستأخر - ثلاث مرات - ثم أردت آخذه ، والله ؛ لو لا دعوة أخينا سليمان عليه السلام لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة . وخرج الإمام أحمد من حديث سماك بن حرب ، سمع جابر بن سمرة يقول : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر ، فجعل يهوي بيده فسأله القوم حين انصرف ، فقال : إن الشيطان كان يلقي علي شرر النار ؛ ليفتنني عن الصلاة ، فتناولته ، فلو أخذته ما انفلت مني حتى يناط إلى سارية من سواري المسجد ينظر إليه ولدان أهل المدينة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به وجه الله تعالى · ص 183 باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به وجه الله تعالى أي : هذا باب في بيان حكم من صلى وبين يديه تنور أو شيء . . . إلى آخره ؛ يعني لا يكره ، فإن قلت : لم يوضح البخاري ذلك بل أجمله وأبهمه ، يحتمل لا يكره ويحتمل يكره ، فمن أين ترجيح احتمال عدم الكراهة ؟ قلت : إيراده بالحديثين المذكورين في الباب يدل على احتمال عدم الكراهة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يصلي صلاة مكروهة ، ولكن لا يتم استدلاله بهذا من وجوه ؛ الأول : ما ذكره الإسماعيلي بقوله : ليس ما أراه الله تعالى من النار حين أطلعه عليها بمنزلة نار يتوجه المرء إليها وهي معبودة لقوم ولا حكم ما أُرِيَ ليخبرهم كحكم من وضع الشيء بين يديه أو رآه قائما موضوعا فجعله أمام مصلاه وقبلته . الوجه الثاني : ما ذكره السفاقسي ليس فيه ما بوب عليه لأنه لم يفعله مختارا ، وإنما عرض ذلك لمعنى أراده الله تعالى ، ورؤيته - صلى الله عليه وسلم - للنار رؤية عين كشف الله عنها فأراه إياها ، وكذلك الجنة ، كما كشف له عن المسجد الأقصى . الوجه الثالث : ما ذكره القاضي السروجي في شرح الهداية فقال : لا دلالة في هذا الحديث على عدم الكراهة لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال : أريت النار ، ولا يلزم أن تكون أمامه متوجها إليها ، بل يجوز أن تكون عن يمينه أو عن يساره أو غير ذلك . الوجه الرابع : ما ذكره هو أيضا فقال : ويحتمل أن يكون ذلك وقع له قبل شروعه في الصلاة ، انتهى . قلت : قد تصدى بعضهم في نصرة البخاري فأجاب عن هذين الوجهين بجواب تمجه الأسماع وتستمجه الطباع ، وهو أن البخاري كوشف بهذا الاعتراض فعجل بالجواب عنه حيث صدر الباب بالمعلق عن أنس ، ففيه : عرضت علي النار وأنا أصلي . وأما كونه رآها أمامه فسياق حديث ابن عباس يقتضيه ، ففيه أنهم قالوا له بعد أن انصرف : يا رسول الله ، رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت ؛ أي تأخرت إلى خلف ، وفي جوابه أن ذلك بسبب كونه أُري النار ، انتهى . فانظر إلى هذا الأمر الغريب العجيب ؛ شخص يكاشف اعتراض شخص يأتي من بعده بمدة مقدار خمسمائة سنة أو أكثر بقليل ويجيب عنه بتصدير هذا الباب الذي فيه حديث أنس معلقا وحديث ابن عباس موصولا ومع هذا لا يتم الجواب بما ذكره ولا يتم الاستدلال به للبخاري ، بيان ذلك أن قوله وأنا أصلي في حديث أنس يحتمل أن يكون المعنى وأنا أريد الصلاة ، ولا مانع من هذا التقدير ، وأما تناوله الشيء وتأخره إلى خلف في حديث ابن عباس لا يستلزم أن يكون ذلك بسبب رؤيته النار أمامه ولا يستحيل أن يكون ذلك بسبب رؤيته إياها عن يمينه أو عن شماله ، وقوله وفي جوابه أن ذلك بسبب كونه أري النار مسلم أن ذلك كان بسبب كونه أري النار ، ولكن لا نسلم أنه كان ذلك بسبب كون رؤيته النار أمامه ، ولئن سلمنا جميع ذلك فنقول : لنا جوابان آخران غير الأربعة المذكورة ؛ أحدهما : أنه - صلى الله عليه وسلم - أريها في جهنم وبينه وبينها ما لا يحصى من بعد المسافة ، فعدم كراهة صلاته - صلى الله عليه وسلم - لذلك . والآخر : يجوز أن يكون ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - رؤية علم ووحي بإطلاعه وتعريفه في أمورها تفصيلا ما لم يعرفه قبل ذلك . وجواب آخر ذكره ابن التين وقال : لا حجة فيه على الترجمة ؛ لأنه لم يفعل ذلك اختيارا وإنما عرض عليه ذلك للمعنى الذي أراده الله من تنبيهه للعباد . وقال بعضهم : وتعقب بأن الاختيار وعدمه في ذلك سواء منه . قلت : لا نسلم التسوية ، فإن الكراهة تتأكد عند الاختيار ، وأما عند عدمه فلا كراهة لعدم العلة الموجبة للكراهة وهي التشبه بعبدة النار . وقال ابن بطال : الصلاة جائزة إلى كل شيء إذا لم يقصد الصلاة إليه وقصد بها الله تعالى والسجود لوجهه خالصا ، ولا يضره استقبال شيء من المعبودات وغيرها كما لم يضر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ما رآه في قبلته من النار . قوله ( وقدامه تنور ) جملة اسمية وقعت حالا ، فقوله تنور مبتدأ ، و قدامه بالنصب على الظرف خبره ، والتنور بفتح التاء المثناة من فوق وضم النون المشددة . وقال الكرماني : حفيرة النار . قلت : التنور مشهور ، وهو تارة يحفر في الأرض حفيرة وتارة يتخذ من الطين ويدفن في الأرض وتوقد فيه النار إلى أن يحمى فيخبز فيه وتارة يطبخ فيه ، فقيل هو عربي ، وقيل معرب توافقت عليه العرب والعجم . قوله ( أو نار ) عطف على قوله تنور ، فإن قلت : هذا يغني عن ذكر التنور - قلت : هذا من عطف العام على الخاص وفائدته الاهتمام به ؛ لأن عبدة النار من المجوس لا يعبدون إلا النار المكومة الظاهرة ، وربما لا تظهر النار من التنور لعمقه أو لقلة النار . قوله ( أو شيء مما يعبد ) عطف على ما قبله ، والتقدير أو من صلى وقدامه شيء مما يعبد كالأوثان والأصنام والتماثيل والصور ونحو ذلك مما يعبده أهل الضلال والكفر ، وهذا أعم من النار والتنور . قوله ( فأراد به وجه الله ) ؛ أي فأراد المصلي الذي قدامه شيء من هذه الأشياء ذات الله تعالى ، وأشار بهذا إلى أن الصلاة إلى شيء من الأشياء التي ذكرها لا تكون مكروهة إذا قصد به وجه الله تعالى ولم يقصد الصلاة إليه ، وعند أصحابنا يكره ذلك مطلقا لما فيه من نوع التشبه بعبدة الأشياء المذكورة ظاهرا ، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن سيرين أنه كره الصلاة إلى التنور وقال : بيت نار . ( وقال الزهري : أخبرني أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : عرضت علي النار وأنا أصلي ) وجه مطابقة هذا الحديث المعلق للترجمة من حيث أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - شاهد النار وهو في الصلاة ، ولكن فيه ما فيه ، وقد أمعنا الكلام فيه . وقد ذكر البخاري هذا الذي علقه موصولا في باب وقت الظهر عند الزوال كما ستقف عليه عن قريب إن شاء الله تعالى ، وأخرجه أيضا في الاعتصام عن أبي اليمان الحكم بن نافع ، وأخرجه مسلم في فضائل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن أبي اليمان به . 92 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن عبد الله بن عباس قال : انخسفت الشمس فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : أريت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع . وجه التطابق مع ما فيه ما ذكرناه هو الذي مضى في حديث أنس ، ورجاله قد ذكروا غير مرة . ومن لطائف إسناده أن فيه صيغة التحديث بالجمع في موضع واحد والباقي عنعنة ، وأن رواته كلهم مدنيون إلا أن عبد الله بن مسلمة سكن البصرة ، وأن هذا الإسناد بعينه مر في باب كفران العشير . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في صلاة الخسوف وفي الإيمان عن عبد الله بن مسلمة ، وفي النكاح عن عبد الله بن يوسف ، وفي بدء الخلق عن إسماعيل بن أبي أويس ؛ ثلاثتهم عن مالك عن زيد بن أسلم عنه به . وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن رافع عن إسحاق بن عيسى عن مالك به ، وعن سويد بن سعيد عن حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم به . وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي به ، وأخرجه النسائي عن محمد بن سلمة عن ابن القاسم عن مالك به . ذكر معناه وإعرابه : قوله ( انخسفت الشمس ) ؛ أي انكسفت ، روى جماعة أن الكسوف يكون في الشمس والقمر ، وروى جماعة فيهما بالخاء ، وروى جماعة في الشمس بالكاف وفي القمر بالخاء ، والكثير في اللغة - وهو اختيار الفراء - أن يكون الكسوف للشمس والخسوف للقمر ، يقال : كسفت الشمس وكسفها الله تعالى وانكسفت ، وخسف القمر وخسفه الله وانخسف . وذكر ثعلب في الفصيح أن كسفت الشمس وخسف القمر أجود الكلام ، وفي التهذيب للأزهري : خسف القمر وخسفت الشمس إذا ذهب ضوؤهما . وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : خسف القمر وكسف واحد ذهب ضوؤه ، وقيل : الكسوف أن يكسف ببعضهما والخسوف أن يخسف بكلهما ، قال الله تعالى : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ وقال شمر : الكسوف في الوجه الصفرة والتغير . وقال ابن حبيب في شرح الموطأ : الكسوف تغير اللون والخسوف انخسافهما ، وكذلك تقول في عين الأعور إذا انخسفت وغارت في جفن العين وذهب نورها وضياؤها . وفي نوادر اليزيدي والغريبين انكسفت الشمس ، وأنكر ذلك الفراء والجوهري ، وقال القزاز : كسفت الشمس والقمر تكسف كسوفا فهي كاسفة ، وكسفت فهي مكسوفة ، وقوم يقولون انكسفت وهو غلط . وقال الجوهري : العامة يقولون انكسفت ، وفي المحكم : كسفها الله وأكسفها والأولى أعلى ، والقمر كالشمس . وقال اليزيدي : خسف القمر وهو يخسف خسوفا فهو خسف وخسيف وخاسف وانخسف انخسافا . قال : وانخسف أكثر في ألسنة الناس . وفي شرح الفصيح لأبي العباس أحمد بن عبد الجليل : كسفت الشمس اسودت في رأي العين من ستر القمر إياها عن الأبصار ، وبعضهم يقول كُسفت - على ما لم يسم فاعله - وانكسفت . وعن أبي حاتم : إذا ذهب ضوء بعض الشمس بخفاء بعض جرمها فذلك الكسوف . وزعم ابن التين وغيره أن بعض اللغويين قال : لا يقال في الشمس إلا كسفت ، وفي القمر إلا خسف . وذكر هذا عن عروة بن الزبير أيضا ، وحكى عياض عن بعض أهل اللغة عكسه ، وهذا غير جيد لقوله تعالى : وَخَسَفَ الْقَمَرُ وعند ابن طريف : كسفت الشمس والقمر والنجوم والوجوه كسوفا . وفي المغيث لأبي موسى : روى حديث الكسوف علي وابن عباس وأبي بن كعب وسمرة وعبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عمرو والمغيرة وأبو هريرة وأبو بكرة وأبو شريح الكعبي والنعمان بن بشير وقبيصة الهلالي - رضي الله عنهم جميعا - بالكاف ، ورواه أبو موسى وأسماء وعبد الله بن عدي بن الخيار بالخاء ، وروي عن جابر وابن مسعود وعائشة - رضي الله عنهم - باللفظين جميعا ، كلهم حكوا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينكسفان بالكاف ، فسمي كسوف الشمس والقمر كسوفا . قلت : أغفل حديث ابن مسعود من عند البخاري لا ينكسفان . قوله ( فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ؛ أي صلاة الكسوف . قوله ( أريت ) بضم الهمزة وكسر الراء ؛ أي بصرت النار في الصلاة . قوله ( كاليوم ) ، الكاف للتشبيه بمعنى مثل ، وهو صفة لقوله منظرا وهو موضع النظر منصوب بقوله لم أر . قوله ( أفظع ) بالنصب صفة لقوله منظرا ، وفيه حذف أيضا ، وتقدير الكلام : فلم أر منظرا أفظع مثل منظر اليوم ، وأفظع من الفظيع وهو الشنيع الشديد والمجاوز للمقدار ، يقال فظع الأمر بالضم فظاعة فهو فظيع أي شديد شنيع جاوز المقدار ، وكذلك أفظع الأمر فهو مفظع ، وأفظع الرجل على ما لم يسم فاعله أي نزل به أمر عظيم . فإن قلت : أفظع أفعل ، ولا يستعمل إلا بمن - قلت : أفظع هنا بمعنى فظيع فلا يحتاج إلى من ، أو يكون على بابه وحذف منه من كما في الله أكبر أي أكبر من كل شيء . قوله ( قط ) هاهنا لاستغراق زمان مضى فتختص بالنفي ، واشتقاقه من قططته أي قطعته ، فمعنى ما فعلته قط ما فعلته فيما انقطع من عمري ، وهي بفتح القاف وتشديد الطاء المضمومة في أفصح اللغات ، وقد تكسر على أصل التقاء الساكنين ، وقد تتبع قافه طاءه في الضم ، وقد تخفف طاؤه مع ضمها أو إسكانها ، وبنيت لتضمنها معنى مذ وإلى إذ المعنى مذ أن خلقت إلى الآن ، وإنما بنيت على الحركة لئلا يلتقي ساكنان وعلى الضمة تشبيها بالغايات . ذكر ما يستنبط منه : فيه استحباب صلاة الكسوف ، وفيه أن النار مخلوقة اليوم وكذا الجنة إذ لا قائل بالفرق خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة ، وفيه من معجزات النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - رؤيته النار رأي عين حيث كشف الله تعالى عنه الحجب فرآها معاينة كما كشف الله له عن المسجد الأقصى ، وفيه على ما بوب البخاري عدم كراهة الصلاة إذا كانت بين يدي المصلي نار ولم يقصد به إلا وجه الله تعالى .